مثّلت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى جمهورية الصين خطوة متواضعة نسبياً نحو مزيد من الاستقرار والقدرة على التنبؤ في أهم علاقة ثنائية في العالم، ويواجه ترامب توقعات كبيرة في ظل علاقة أكثر تعقيداً وتحدياً.
وفي المقابل، تشعر الصين بثقة كافية لمواجهة ترامب في العديد من القضايا الرئيسية، بما في ذلك العقوبات، والرقابة على التكنولوجيا، والمعادن الحيوية، وإيران، ومع ذلك، فإن حرص بكين على عقد قمة بين ترامب والزعيم الصيني شي جين بينغ يشير إلى أنها أقل ثقة مما يعتقده العديد من المراقبين.
حدث جيوسياسي مهم
وتنظر موسكو إلى هذه الزيارة بعين الحذر إذ تعتبرها حدثاً جيوسياسياً مهماً من شأنه التأثير على توازن التحالفات العالمية ربطاً مع تحالفها الإستراتيجي مع بكين، وبالوقت نفسه تتشارك موسكو في معظم الملفات التي ناقشها الرئيس ترامب مع نظيره الصيني شي جين بينغ لا سيما الملفات الاقتصادية وإيران، وفي الوقت نفسه، الحذر هنا ليس بسبب الخوف؛ لأن تحالفات موسكو متينة في غالبيتها، بل يأتي في سياق التركيز على الملفات التي يريد تنفيذها الأميركي بعد كل التطورات التي شهدتها المنطقة سواء في إيران والشرق الأوسط أو تايوان، غير أن الأهم والمؤكد أن العقلية الأميركية تضع النواحي الاقتصادية في المقدمة.
تماماً كما في الصين، يصعب إقناع أي شخص بأن موسكو تجهل أن هدف سياسة ترامب تجاه الصين هو "السعي وراء التجارة وغيرها من المزايا في إطار إستراتيجية لعزل الصين"، خصوصا وأن موسكو لا تُبدي أي قلق حيال محاولة ترامب إحداث شرخ بين الصين وروسيا، بل على العكس تنظر إلى الزيارة بحذر، على الرغم من التوافق السياسي رفيع المستوى بين البلدين بشأن القضايا العالمية، والتطابق التام في الرؤية العالمية بين الزعيمين، القلق الوحيد في الكرملين يتعلق بإمكانية تزايد التبعية الاقتصادية لبكين، رغم أنه مستبعد، إلا إذا كانت هناك ثمة اتفاقيات خلف الكواليس لن تكون على شكل عقود أو استثمارات بل ستكون عبارة عن مقايضات، ملف مقابل ملف يتحقق من خلفها منافع ومكاسب اقتصادية.
بالتالي ترى موسكو هذه الزيارة فرصة لا تشكل تهديداً لها، خصوصا وأن موقف واشنطن من الأزمة الأوكرانية يدعو إلى التفاؤل الحذر الذي يعمل على وضع خاتمة مناسبة لجميع الأطراف، ربما كنا قد شهدنا هذا الواقع لولا المستجدات في الشرق الأوسط وكذلك الحرب الأميركية-الإيرانية وما تلا ذلك من تطورات، لذلك ستسعى روسيا لأن تعزز دورها في ترسيخ مكانتها كقوة عظمى، وأن تكون مفيدة إستراتيجياً لكل من واشنطن وبكين بالشكل العام، لأن الملفات الأخرى التي تملكها، حتى في الملف الإيراني لم تُقبل بأن تستلم اليورانيوم الإيراني وهذه نقطة أخرى تؤكد أن العلاقات ليست في أفضل أحوالها، ورغم ذلك لا تزال روسيا تمتلك أوراقاً قوية فهي تملك الملف الأوكراني، وتربطها علاقة قوية مع النظام الإيراني، وتمتلك أيضاً ملف الطاقة ومستقبل النظام الدولي ككل مرتبط بروسيا، ما يمنحها نفوذاً أكبر مما يعتقد ترامب الذي ربما يحاول إخراجها من المشهد في بعض الملفات خصوصا مع بكين.
قلق موسكو
العقبة التي يمكن أن تُقلق موسكو أنها رغم امتلاكها هذه الأوراق إلا أن المقلق هو أن تتقارب المصالح الأميركية-الصينية في بعض الملفات، وكما أشرت عبر اتباع أسلوب المقايضة ملف مقابل ملف، على سبيل المثال الحرب الإيرانية، فهذا قد يمثل انتكاسة لموسكو، على سبيل المثال، تسببت الحرب الإيرانية في منع تدفق الأسلحة الأميركية والغربية إلى أوكرانيا، كما أدى اضطراب الطاقة إلى انتعاش سوق الطاقة الروسي ومن مصلحة روسيا تعويض خسائرها والاستفادة من هذه الحرب، لكن إن تم توافق ما وظهور الصين كوسيط جديد يبدو أن موسكو ستعمل على فهم، وكشف طبيعة التطورات الجديدة لتحديد قدرتها على ترتيب أوراق جديدة.
لذلك قد تحمل زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين في 20 مايو الجاري أسئلة كثيرة ستحاول موسكو من خلالها تفكيك كل النقاط، لأن الصين بدورها من المستحيل أن تلتقي مع واشنطن إلا آنياً وهما الخصمان اللدودان على الأقل تجارياً، وحتى مسألة تايوان تنطلق بكين من أحقيتها في هذه الجزيرة ولن تساوم الولايات المتحدة خارج مصالحها، بالتالي ستجيب زيارة بوتين إلى بكين عن الكثير من التساؤلات والتي ستخرج التكهنات إلى الواقع أهمها أن التحالفات المتينة التي سعى إليها، ووضع أسسها كل من بكين وموسكو ودول الجنوب العالمي لن يُسمح بهدمها لأن القادم لن يكون جيداً على الجميع في ظل الفوضى العابرة للقارات.