قدّم أحد المواقع الإلكترونية المناهضة للغرب ولإسرائيل استطلاعا للرأي فنّد النظريات القائلة إن "الشارع اللبناني" يجمع غلى رفض التطبيع بين لبنان وإسرائيل. وباستطلاع آراء عينة تضم 500 لبنانيا، أظهرت الأرقام أن 42% فقط من اللبنانيين يعارضون السلام مع إسرائيل، فيما يؤيد التطبيع 32% ويقول 25% أنهم لم يقرروا موقفهم بعد.
ضغوط واشنطن على زعماء لبنانيين طائفيين ضروري
وعلى الرغم من الشوائب المنهجية التي يعاني منها الاستطلاع، تبقى الأرقام التي يقدمها مشجعة للغاية من وجهة نظر داعمي السلام بين لبنان وإسرائيل.
ويأتي الاستطلاع في خضم الهدنة الهشة بين "حزب الله" وإسرائيل، وفي ظل قانون لبناني يجرّم أي تواصل بين المواطنين اللبنانيين والإسرائيليين، إلى جانب الترهيب والتنكيل المستمر من قبل "حزب الله" ضد مؤيدي التطبيع اللبنانيين.
في بيئة من هذا النوع تعاني التعييب الاجتماعي، والخوف، والترهيب، والتحريم القانوني، كان من المتوقع أن تكون المعارضة للسلام شبه إجماعية. لكنّ معارضي التطبيع مع إسرائيل بالكاد تجاوزوا نسبة 40%.
أما الأكثر دلالة فهو ما أظهره الاستطلاع لناحية أن بين أبناء الطائفة الشيعية في لبنان، التي طالما اعتبرت قاعدة "حزب الله" الأكثر ولاءً وأشدّ معارضة لإسرائيل، هو أن نسبة معارضة الشيعة للسلام بين لبنان وإسرائيل نحو 60% فقط، وهي نسبة بعيدة كل البعد عن الإجماع.
هذه النتيجة تتفق مع استطلاع لمعهد غالوب الأميركي، أُجري في صيف 2025، وأظهر أن 27% من الشيعة اللبنانيين يرغبون في نزع سلاح "حزب الله". ببساطة، الشيعة اللبنانيون ليسوا كتلة واحدة متجانسة تدعم المواجهة الدائمة مع إسرائيل.
كما تؤكد النتيجة أعلاه أن "القضية الفلسطينية" كانت غالبا قضية سنية، من وجهة النظر الشيعية، وخصوصا لدى شيعة لبنان، الذين تكبدوا خسائر فادحة في أيام الهيمنة الفلسطينية على لبنان، إلى درجة أن "حركة أمل"، التي كانت آنذاك أبرز ميليشيا شيعية لبنانية، فرضت في عام 1985 حصاراً على المخيمات الفلسطينية في لبنان، وخاضت معارك ضارية ضدهم.
الاستطلاع يمنح الأمل لدعاة السلام. فالـ25% الذين لا يزالون مترددين يشكلون شريحة يمكن كسبها لتأييد السلام لو حصل دعاة السلام اللبنانيون على حرية تعبير ليتمكنوا من الدعوة علناً للتطبيع. ومن دون الخوف من الاغتيال أو الترهيب، لأمكن لهذه الكتلة المترددة أن تميل الكفة بسهولة نحو أغلبية مؤيدة للسلام.
وترتفعت إمكانات تأييد السلام إذا ما مارست واشنطن طغوطا كافية على زعماء الطوائف اللبنانيين لدفعهم إلى دعم السلام مع إسرائيل، وذلك ممكن بالتلويح بعقوبات أميركية على حسابات هؤلاء الضخمة المخبأة في مصارف سويسرا السرية. بهذه الطريقة يمكن إقناع هؤلاء الزعماء الطائفيين بدعم التطبيع. وفي حال قرروا ذلك، يصبح من السهل أن يتجاوز التأييد الشعبي للسلام مع إسرائيل نسبة 50%.
اللبنانيون يريدون السلام مع إسرائيل
لقد اتضح أن الرأي العام اللبناني أكثر تنوعاً وواقعية مما يحاول بائعو مشاريع الصراع في المنطقة إقناعنا به. لكن تحقيق السلام يتطلب جهداً كبيراً وجاداً، إذ يحتاج دعاة السلام في لبنان إلى مساحة للتنفس، ويحتاجون إلى ضمانات دولية تحمي حرية التعبير وسيادة القانون بقوة كافية تحول دون قدرة "حزب الله" على قتل فكرة السلام وأنصارها على حد سواء. ومن دون حماية هؤلاء من عنف التنظيم اللبناني المؤيد لطهران، ستبقى الأصوات الداعية للتطبيع مهمشة أو صامتة.
المراقبون الغربيون، وخصوصاً اليساريين، يبدون غافلين عن هذه المشاعر اللبنانية. وسائل إعلام مثل "نيويورك تايمز" و"سي إن إن"، بالإضافة إلى قادة أوروبيين مثل الفرنسي إيمانويل ماكرون والإسباني بيدرو سانشيز، غالباً ما يصورون المنطقة بطريقة تظهر أنهم يفضلون بقاء لبنان تحت سيطرة إيران، على أن يعيش لبنان في سلام مع إسرائيل. يبدو بعض الأميركيين والأوروبيين أكثر ارتياحا لسردية "المقاومة الدائمة" منهم مع الواقع المعقد الذي يعبّر عن رغبات اللبنانيين الحقيقيين.
لقد أبدى الشعب اللبناني، وبشكل أساسي أبدت حكومته المنتخبة، رغبة واضحة في فصل مستقبل بلدهم عن محور إيران بالمبادرة الى التفاوض المباشر مع إسرائيل، بعيدا عن مسار مفاوضات إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد.
اللبنانيون يريدون أن يسلكوا طريقهم الخاص نحو السلام مع إسرائيل، بشكل مستقل عن المسارات الإقليمية الأوسع التي تمليها طهران أو بعض العواصم العربية. وهذا عكس ما يدعو إليه كثير من النخب الغربية والعربية.
لقد اتضح أن أبناء الشرق الأوسط الأصليين غالباً ما يرغبون في أمور مختلفة عما يمليه عليهم المحللون الغربيون، سواء عن حسن نية أم لا.
رغم كل القيود، يعزز الاستطلاع الأخير الآمال بتطبيع لبناني مع إسرائيل. لكن الأمل وحده لا يكفي. لا بد أن يقترن بدعم ملموس لحرية التعبير والتعددية السياسية في لبنان، وحماية الشجعان الذين يجرؤون على الجهر بالدعوة للسلام.
الأرقام موجودة. أما السؤال المطروح فهو: هل سيساعد أصدقاء لبنان في الغرب وفي العالم العربي على تهيئة الظروف اللازمة لكي يجد هذا التيار اللبناني المؤيد للسلام صوته أخيراً؟