في فبراير 2022 بدأت الحرب الروسية الأوكرانية في واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا وتأثيرا وخطرا على النظام الدولي خصوصا ما بعد الحرب الباردة. ولكن تداعيات هذه الحرب لم تقف عند هذه الحدود، بل أعادت رسم العلاقة الروسية مع أعدائها كأوروبا وأميركا ومع حلفائها كالصين وكوريا الشمالية، وأثرت بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية وأسعار الغذاء. أما ما هو أخطر من ذلك، هو تحول أوكرانيا إلى ساحة مواجهة لمستقبل الأمن والسيادة والنظام الدولي، ولكن بين رؤيتين متناقضتين بالكامل.
من تبادل الأسرى إلى طاولة التسوية
وحتى الآن لم تؤد لا الجهود العسكرية ولا الدبلوماسية في الوصول لحل أو تسوية نهائية لهذه الحرب التي استنفدت قدرات كلا البلدين وحلفائها. وعلى الرغم من الجهود المكثفة لإنهاء هذه الحرب وعلى الرغم من حدة القصف وعدم قدرة أي طرف على حسم المعركة، تبقى قضايا الضمانات الأمنية ومستقبل أوكرانيا والأراضي الخاضعة للسيطرة الروسية تحول دون اتفاق شامل. من هنا ظهر المقترح الاميركي بعقد قمة ثلاثية بين روسيا وأوكرانيا وأميركا في الإمارات العربية المتحدة.
تكمن التعقيدات، التي ربما غير قابلة للحل، هي رؤية كل طرف للحرب من منظور مختلف تماما. فأوكرانيا تربط الحرب بالسيادة، ووحدة أراضيها، وبضمانة أمنية مستقبلية صارمة تحد من الأطماع الروسية. أما موسكو فتربط أي تسوية بحقوقها التاريخية ولمصالحها الأمنية والإستراتيجية وخصوصا المتعلقة بحلف شمالي الأطلسي وترتيبات الأمنية الأوروبية. ففي خطابه الأخير أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا تريد السلام، ولكن مصير روسيا وأمنها غير قابل للتفاوض، مهددا بالوقت ذاته بالسلاح النووي.
هذه التعقيدات الجمة تجعل وقف إطلاق النار ومن ثم الانتقال نحو السلام الدائم من الأمور الصعوبة حاليا. لذلك قد يكون وقف القتال ممكنا، ولكن التسوية السياسية والأمنية بحاجة إلى معالجة مسائل معقدة وحساسة وخطيرة مثل الحدود، ومصير المناطق الخاضعة لروسيا، والضمانات الأمنية لأوكرانيا، والعقوبات على روسيا، اعادة الإعمار، مستقبل الناتو، ومستقبل روسيا مع أوروبا والغرب.
وسط هذه التعقيدات، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كلاعب دبلوماسي موثوق وذات مصداقية لأنه مختلف عن الأطراف الغربية التقليدية. فخلال سنوات الحرب، استطاعت الإمارات أن تحافظ على علاقات وطيدة مع موسكو وكييف وأن تتعامل مع الأطراف المتصارعة بحكمة بحيث تحولت إلى قناة اتصال وتواصل موثوق بها.
رغم كل هذه التحديات، برز الجانب الأخر من الحرب المتمثل بالدور الإمارتي الإنساني قبل السياسي. فقد نجحت الإمارات في مرات عدة بالتوسط لتبادل الأسرى ليبلغ بحلول أغسطس 2026 عدد الأسرى المفرج عنهم من كلا الطرفين؛ بسبب الوساطة الاماراتية إلى نحو 8,000 أسير.
إضافة إلى ذلك، تخطت الوساطة الإماراتية البعد الإنساني لتشمل أيضا البعد السياسي الدبلوماسي. ففي أوائل عام 2026 استضافت الإمارات جولتين من المحادثات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا وأميركا. وعلى الرغم من عدم التوصل لأي خرق يذكر بين الأطراف المتصارعة، ولكن مجرد جمع الأطراف المتحاربة على طاولة واحدة يكتسب أهمية عالية في صراع تصعب فيه قنوات التواصل المباشر من إحراز أي تقدم. فبين تبادل الأسرى ضمن العمل الإنساني من جهة وجمع الأطراف على طاولة المحادثات من جهة أخرى تبقى الإمارات إحدى الدول العاملة على بناء الثقة حتى عندما تبقى الحلول مستبعدة.
إضافة إلى ذلك تسعى الامارات الى توسيع دورها من الإنساني والسياسي، بل أيضا إلى الانمائي واعادة الإعمار. ففي عام 2026 شاركت أبوظبي بمؤتمر غدانسك لإعادة إعمار وتعافي أوكرانيا، وأعلنت حينها أنها ستستمر في تقديم المساعدات الغذائية والطبية ومساعدات في قطاع الطاقة والتعليم. كذلك في عام 2025، وقعت الإمارات اتفاقية شراكة اقتصادية مع أوكرانيا والتي دخلت حيز التطبيق في يوليو 2026.
التجربة الإماراتية الفريدة
وعلى الرغم من هذا الدور المحوري للإمارات، فإن قرار إنهاء الحرب مرتبط بموسكو وكييف مباشرة والعديد من الدول الأوروبية وأميركا والصين. فالتناقض بين استمرار الحرب ومحاولات التفاوض يعكس حجم الفجوة بين الأطراف المتنازعة.
لذلك تقدم التجربة الإماراتية الفريدة نموذجا مختلفا ومهما يمكن وصفه بـ"الدبلوماسية الوسطية" في حل هذا النزاع. ففي علم السياسة تعتبر الدول التي تستطيع أن تبقى على مسافة واحدة من الأطراف المتصارعة، وتحافظ على قنوات الاتصال مع هذه الأطراف تستطيع أن تكون أداة وصل بين الأطراف المتصارعة على عكس الدول المنخرطة في النزاعات. وما يزيد من قيمة هذا الدور هو انخراط الإمارات في العمل الإنساني مثل الأسرى، والأطفال، والمساعدات الغذائية، والتعليمية.
أما اليوم تبدو الحرب الروسية الأوكرانية في عامها الرابع تقريبا أقرب إلى مرحلة التعقيد من الحل السلمي. فكلمة الفصل ما زالت للميدان على الرغم من الشق الدبلوماسي الخجول. إلا أن التسوية السياسية الكبيرة تبقى رهينة القرارات الكبرى في كييف وموسكو وطبعا واشنطن وربما أوروبا. لذلك يبقى الدور الإماراتي محوريا من خلال الدور الإنساني والحفاظ على قنوات الاتصال، واستضافة الحوار، والأهم التحضير لمرحلة المفاوضات الجدية ومرحلة ما بعد الحرب، فالجميع يريدون وسيطا موثوقا وقادرا.
فلا يمكن فهم الدور الإماراتي إلا من خلال الدور الموازي أو البديل عن المفاوضات الكبرى والتي تساعد في تحول العمل الإنساني إلى حوار سياسي أوسع، فقط إذا توفرت الظروف السياسية والأمنية والعسكرية المناسبة. ورغم تتدهور الحرب وامتدادها إلى أهداف أكثر تأثيرا دوليا كالطاقة والأمن النووي والاقتصاد العالمي، تبقى سياسات الإمارات كما العديد من الدول الأخرى صمام أمان للتأكيد على عدم تجاوز الأمن الدولي، والخطوط الحمراء، والاستعمال النووي، والتحول التدريجي نحو الحرب العالمية الثالثة.



