hamburger
userProfile
scrollTop

أوروبا الغائبة عن النظام العالمي الجديد

تقارير: أوروبا غارقة في قلب المتغيرات الكبيرة في النظام العالمي (رويترز)
تقارير: أوروبا غارقة في قلب المتغيرات الكبيرة في النظام العالمي (رويترز)
verticalLine
fontSize
لم تكن أوروبا يوما ما قارة عادية لا بنهضتها الداخلية ولا بثقلها العالمي. ما نستمتع به اليوم عالميا من مبدأ إدارة العالم، ونظم سياسية واقتصادية وثقافية، وعلوم، وجامعات، وفن، ومطبخ، والعديد العديد من النظم، صُنعت وطورت في أوروبا.

لذلك، يعود لأوروبا الفضل على العالم في العديد من الأمور، ولكن تتحمل القارة العجوز أيضا مسؤولية الاستعمار، والإمبريالية، ونهب ثروات الدول، والتغيير الديمغرافي والثقافي حول العالم، الذي أدى في العديد من الأحيان إلى صراعات وحروب وفتن لم تنته حتى يومنا هذا. 

في الماضي كانت أوروبا أو الدول الأوروبية هي المقرّر الوحيد عالميا لحدود الدول الحالية، وأسمائها، ولغتها، ودستورها، ونظمها الاقتصادي، والثقافي، والعسكري. أوروبا هي من اكتشفت أميركا، وروضت الصين، وطورت الهند، وأنتجت الشرق الأوسط. أوروبا كانت مهد الحضارات، ومكتشفة العظماء، والصانع والضابط الأساسي لموازين القوة عالميا.

السؤال الأكبر بين الأوروبيين اليوم وربما العالم: أين هي أوروبا من المتغيرات الكبيرة في النظام العالمي الجديد، ولماذا غائبة أو مغيبة من صناعة العالم الآتي علينا بالكم الهائل من العنف. لا جواب لدى الأوروبيين عن هذا السؤال الوجودي للعالم.

ولكن مما لا شك فيه أن القادة الأوروبيين يعلمون، ولكن غير قادرين على فعل أي شيء، و"يعلمون"، أعني يعرفون جيدا مدى انحدار القوة الهائل، الذي حول هذه القارة من مقرر إلى تابع وكأنها تدفع اليوم فاتورة الماضي من الاستعمار إلى الحرب العالمية الـ2 وكل ما سبق. 

أزمة وجودية حقيقية

لنعد قليلا إلى الحاضر ونبعد أكثر عن النوستالجيا، تواجه أوروبا اليوم أزمة وجودية حقيقية فيما خص النظام العالمي تتمثل بتراجع دورها السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي والإستراتيجي في مفاوضات تشكيل النظام العالمي الجديد. فالتنافس الأميركي الصيني، والحرب الأوكرانية، والحرب على إيران، وصعود القوة الإقليمية كالهند والبرازيل وإسرائيل وتركيا وجنوب إفريقيا والعديد غيرها، إضافة إلى أزمات الطاقة والاقتصاد، كشفت عن عمق المأزق التي تواجهه أوروبا داخليا وعالميا. 

واعتقدت أوروبا لبرهة ما، وخصوصًا مع انهيار الاتحاد السوفياتي وتوسع الاتحاد الأوروبي؛ أنها دخلت اللحظة التاريخية الحاسمة لهيمنتها من خلال تحولها التدريجي لتكون مركز ثقل القوة الناعمة التي تتمثل كونها نموذجا عالميا حديثا ومتطورا قائما على الديمقراطية وحقوق الإنسان والانفتاح الاقتصادي.

غير أن التجارب وخصوصًا الحديثة منها، علمتنا أن القوة مهمة، ولكن وحدها لا تكفي وإنّ العالم يُدار بنظرية "صراع البقاء الأقوياء"، والمعتمد بشكل كبير على القوة الصلبة في الصراعات الجيوسياسية عالميا. 

وما سبب هذا الانعدام الوجودي على الساحة الدولية فيما خص رسم السياسات العالمية والنظام العالمي هو اتكالها الأمني والعسكري الكامل على أميركا. فالدول الكبرى لا تبني أمنها وقوتها وخصوصا الجيوسياسية من منظور التسليم "outsourcing"، وخصوصا في هذا العالم الذي لا يفهم سوى منطق القوة.

فالحرب الروسية الأوكرانية كشفت الهشاشة الأمنية والعسكرية للقارة وعجزها الكامل في بناء منظومة أمنية عسكرية مستقلة. ولفهم مدى هيمنة أميركا على القرار الأوروبي بحيث تتبنى الدول الأوروبية غالبا الموقف الأميركي، فيما خص الصراعات الجيوسياسية مثل الحرب الإكرامية والعنف الدائم في الشرق الأوسط.  

الأخطار الجيوسياسية

في المقابل تواجه أوروبا الأخطار الجيوسياسية من كل الجهات بمبدأ القوة الناعمة وحقوق الإنسان والديمقراطية، إلى أن أصبحت تدافع عن المعتقدات الأوروبية عوضا عن مصالحها. وأدت هذه السياسة إلى إضعاف أوروبا أكثر، وخصوصا مع ظهور الصين التي تقدم نفسها ليس فقط كقوة اقتصادية، بل كفاعل سياسي وعسكري وتكنولوجي قادر على تغيير موازين القوة الدولية.

أما فيما خص دول الجنوب العالمي مثل الهند والبرازيل وتركيا وجنوب إفريقيا والعديد غيرها، بدأت تتطالب بدور أكبر وأكثر فعالية في إدارة الشؤون الدولية ورافضة بشكل قاطع الهيمنة الغربية التقليدية على القرار الدولي. فعلى سبيل المثال؛ غابت أوروبا كليا عن التدخل دبلوماسيا لإنهاء الصراع بين أميركا وإيران، بينما انتزعت باكستان هذا الدور على حساب الدول الأوروبية.

وما زاد من غياب أوروبا من المشهد الدولي في صناعة القرارات، هو انشغالها بأزماتها الداخلية العميقة مما حال دون قدرتها على تعريف دورها العالمي. ومن الهجرة إلى صعود اليمين المتطرف، والانقسامات داخل الجسم الأوروبي، والمشاكل الاقتصادية، والتمسك بالقيم على حساب الموقع، أفقد أوروبا قدرتها العسكرية والاقتصادية وإستراتيجيا. 

أزمة رؤية

إضافة إلى ذلك، لم تستطع أوروبا الدخول في نادي الدول القوية تكنولوجيا وإبداعيا innovation، إذ نلاحظ ان التباعد بينها وبين أميركا أو الصين كبير جدا، إلى حد غياب التنافس وخصوصا في مجال الذكاء الاصطناعي، والرقمنة، والطاقة المتقدمة، والموصلات.

لذلك، أزمة أوروبا الحالية ليست فقط قوة، بل أزمة رؤية، بحيث فشلت أوروبا في تقديم نموذج جديد متقدم للنظام الجديد كمشروع عالمي مقنع. و أدى ذلك، ومن دون أدنى شك، تراجع دورها ونفوذها الدبلوماسي من قوة عالمية مقررة إلى الدعم الإنساني أو المواقف السياسية التقليدية في العديد من مناطق العالم، وخصوصا القريبة منها في إفريقيا والشرق الأوسط. 

وعلى الرغم من التحديات، لا تزال أوروبا تمتلك الكثير من الأوراق الاقتصادية، والسياسية، والعلمية، وغيرها. لذلك على أوروبا الاختيار بين إعادة صياغة مشروعها السياسي العسكري الإستراتيجي من أجل المحافظة على موقعها العالمي، أم التحول التدريجي نحو قوة ثانوية عالميا.  

وعلمتنا التجارب أن النظام العالمي لا يُبنى بالدبلوماسية، بل بالقوة العسكرية الصلبة. ومع تغيير محتمل في موازين القوة بسبب الطبيعة المختلفة للعالم الجديد تبقى الجيوش المقرر الأساسي في رسم موازين القوة والنظام العالمي الجديد.

يُقال إن في الأروقة الضيقة في برلين يردد وزير الدفاع الألماني أمام أصدقائه والمقربين منه جملة بسمارك الشهيرة قبيل الحرب العالمية الأولى وهو يغادر على متن قاربه في إجازته الصيفية: "استمتعوا بآخر صيف هادئ قبل العاصفة".. فهل أوروبا جاهزة لخريف وشتاء موازين القوة الجديدة؟