بعد 54 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين دولة الإمارات العربية المتحدة وجمهورية ألمانيا الاتحادية في عام 1972، تأتي "زيارة الدولة" التي يقوم بها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات، إلى ألمانيا في لحظة تتجاوز فيها أهمية العلاقة حدود المصالح الثنائية إلى حسابات أوسع تتصل بمستقبل الشرق الأوسط وأوروبا والنظام الدولي.
فالزيارة لا تأتي في ظرف دولي عادي. الشرق الأوسط يمر بمرحلة شديدة الحساسية، وأوروبا تعيد النظر في أولوياتها الأمنية والإستراتيجية، بينما تشهد العلاقات الدولية تحولات في موازين القوى وتنافسا متزايدا على النفوذ والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق، يصبح اختيار برلين وجهة لزيارة دولة ذا دلالة سياسية واضحة.
لماذا ألمانيا الآن؟
ألمانيا هي أكبر اقتصاد في أوروبا، لكنها بالنسبة إلى الإمارات تمثل أيضا أحد المراكز الرئيسية للتأثير داخل الاتحاد الأوروبي. ومن هنا، فإن تعميق العلاقة مع برلين لا يقتصر على تطوير العلاقات الإماراتية الألمانية، بل يفتح لأبوظبي قناة أكثر عمقا نحو أوروبا في وقت تتغير فيه حسابات القارة السياسية والأمنية.
وتدرك الإمارات أن التعامل مع أوروبا لا يمر فقط عبر المؤسسات الأوروبية في بروكسل، بل يتأثر أيضا بمواقف العواصم الكبرى. وفي مقدمتها برلين، التي تمتلك وزنا سياسيا واقتصاديا وقدرة مؤثرة على تشكيل النقاش الأوروبي بشأن الأمن والطاقة والدفاع والعلاقات مع دول الجوار.
لذلك يمكن النظر إلى الزيارة باعتبارها جزءا من تحرك إماراتي أوسع لتنويع الشراكات الدولية وتعميق الحضور في مراكز القرار العالمية. فالإمارات، التي طورت خلال الأعوام الماضية علاقات متوازنة مع قوى دولية وإقليمية متعددة، تبدو معنية اليوم بتثبيت موقعها كشريك يمكن لأوروبا الاعتماد عليه في منطقة شديدة التعقيد.
الخليج وأوروبا.. تقاطع المصالح
هناك مصلحة متبادلة في هذا التقارب. فأوروبا تنظر إلى الخليج باعتباره جزءا أساسيا من معادلات أمن الطاقة والتجارة والملاحة والاستقرار الإقليمي، بينما ترى دول الخليج في أوروبا شريكا سياسيا واقتصاديا وتكنولوجيا مهما.
وفي حالة الإمارات وألمانيا، تزداد أهمية هذا التقاطع بسبب التحولات التي طرأت على مفهوم الأمن نفسه. فلم يعد الأمن مقتصرا على البعد العسكري، وإنما أصبح يشمل أمن الطاقة والغذاء والممرات البحرية والتكنولوجيا والبيانات وسلاسل الإمداد.
وهذه الملفات تقدم على أبوظبي وبرلين مساحة أكبر للتنسيق، خصوصا في ظل بيئة إقليمية يمكن أن تؤثر فيها أي أزمة محلية على الاقتصاد والأمن خارج حدود المنطقة.
ومن هنا، فإن العلاقة الإماراتية الألمانية تمتلك فرصة للانتقال من التعاون في الملفات المنفردة إلى حوار سياسي أكثر انتظاما حول القضايا الإقليمية والدولية.
الإمارات وألمانيا أمام اختبار سياسي
ربما يكون الملف السياسي والأمني هو المجال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة. فالإمارات تمتلك علاقات واسعة مع مختلف أطراف المنطقة، فيما تحتفظ ألمانيا بثقلها داخل الاتحاد الأوروبي وعلاقاتها الدولية.
ويمنح ذلك الطرفين مساحة للتشاور بشأن أزمات الشرق الأوسط، ومستقبل الأمن الإقليمي، وحماية الملاحة الدولية، ومكافحة الإرهاب، إضافة إلى القضايا التي تربط أمن الخليج بالأمن الأوروبي.
ولا يعني ذلك بالضرورة تطابق المواقف بين أبوظبي وبرلين في كل الملفات. بل إن قيمة الحوار تكمن تحديدا في قدرة البلدين على إدارة الاختلافات، وبناء أرضيات مشتركة في القضايا التي تتقاطع فيها مصالحهما.
وفي مرحلة تتراجع فيها فاعلية بعض الأطر التقليدية للتعاون الدولي، تصبح العلاقات المباشرة بين الدول ذات الوزن الإقليمي والدولي أكثر أهمية. ومن هذه الزاوية، يمكن أن تمنح الشراكة الإماراتية الألمانية كلا البلدين مساحة إضافية للتحرك والتأثير.
من العلاقة الثنائية إلى البعد الأوروبي
أحد أهم أبعاد الزيارة يتمثل في قدرتها على تعزيز الحضور الإماراتي داخل أوروبا. فأبوظبي لا تبحث فقط عن علاقات قوية مع دولة أوروبية واحدة، وإنما عن شراكات طويلة الأمد مع القارة في ملفات تمتد من التكنولوجيا والطاقة إلى الأمن والدفاع والاستثمار. وألمانيا، بحكم وزنها، يمكن أن تكون إحدى الركائز الرئيسية لهذا التوجه.
وفي المقابل، تمنح الإمارات برلين شريكا مستقرا في منطقة الخليج، يتمتع بعلاقات دولية واسعة وقدرة على التواصل مع أطراف متعددة في الشرق الأوسط.
وهنا تكمن أهمية التوقيت. ففي الوقت الذي تواجه فيه أوروبا تحديات أمنية واقتصادية متزايدة، تحتاج إلى بناء علاقات أكثر استقرارا مع القوى المؤثرة في الخليج. وفي الوقت نفسه، تسعى الإمارات إلى توسيع شبكة شراكاتها مع القوى الكبرى والمتوسطة بما يحمي مصالحها في نظام دولي أكثر تنافسية.
زيارة تحمل رسائل أبعد من برلين
بعد أكثر من نصف قرن من العلاقات، لا تبدو زيارة الشيخ محمد بن زايد إلى ألمانيا مجرد مناسبة للاحتفاء بما تحقق، بل فرصة لإعادة صياغة أولويات الشراكة بما يتناسب مع المرحلة المقبلة.
والرسالة الأهم ربما أن الإمارات تنظر إلى أوروبا باعتبارها شريكا إستراتيجيا في مرحلة تحتاج فيها الدول إلى توسيع دوائر التعاون، وليس حصرها في التحالفات التقليدية.
أما بالنسبة إلى ألمانيا، فإن تعميق العلاقة مع الإمارات يعني الحفاظ على قناة قوية مع دولة خليجية ذات حضور إقليمي ودولي، في وقت تتزايد فيه أهمية الخليج بالنسبة إلى الحسابات الأوروبية.
وعليه، فإن أهمية الزيارة لن تقاس فقط بما ينتج عنها من اتفاقات، وإنما بقدرتها على وضع أساس لحوار سياسي أكثر عمقا وانتظاما، وعلى بناء تفاهمات حول ملفات المنطقة والعالم.
وبعد 54 عاما على بدء العلاقات، تبدو الإمارات وألمانيا أمام فرصة لإعادة تعريف شراكتهما. ليس باعتبارها علاقة ثنائية مستقرة فحسب، وإنما كجزء من شبكة أوسع من الشراكات التي يمكن أن تسهم في صياغة توازنات جديدة بين الخليج وأوروبا في زمن تتغير فيه قواعد السياسة الدولية.



