hamburger
userProfile
scrollTop

فإن دعاة السلام هم"الغالبون".. وليس "حزب الله"

أحد أهم التحديات في الخطاب السياسي اللبناني هو إعادة تعريف مفهوم "الانتصار" (رويترز)
أحد أهم التحديات في الخطاب السياسي اللبناني هو إعادة تعريف مفهوم "الانتصار" (رويترز)
verticalLine
fontSize

في خضم السجالات السياسية والإعلامية التي تعصف بلبنان منذ عقود، تتكرر عبارات ذات طابع تعبوي، من أبرزها مقولة: "فإن حزب الله هم الغالبون". هذه العبارة، التي تستند، في أصلها، إلى اقتباس ديني يُستخدم في سياقات عقائدية مختلفة، تحولت مع الوقت إلى أداة سياسية لتكريس سردية "الانتصار" مهما كانت الوقائع على الأرض تشير إلى غير ذلك. لكن، عند التمحيص في الواقع اللبناني الراهن، وفي كلفة ما يُسمّى "الانتصارات"، يصبح من الضروري إعادة طرح السؤال: من هم الغالبون فعلاً؟ وهل يمكن اعتبار ما جرى في لبنان انتصارًا؟

هل "حزب الله" الغالبون؟

في المقابل، تبرز مقولة أخرى أكثر التصاقًا بالواقع ، وهي: "فإن دعاة السلام هم الغالبون". هذه المقولة لا تنطلق من خطاب تعبوي، بل من قراءة نقدية للتجربة اللبنانية، ومن مقارنة بين الكلفة والنتائج، ومن إدراك عميق بأن الشعوب لا تنتصر بالحروب المفتوحة، بل بالاستقرار، وبالقدرة على بناء الدولة، وبحماية الإنسان.

العبارة "فإن حزب الله هم الغالبون" تعود في جذورها إلى نص ديني قرآني ورد في سياق الحديث عن الصراع بين الحق والباطل، حيث جاء التعبير عن "حزب الله" باعتباره الجماعة المؤمنة التي تنصر الحق. لكن هذا المفهوم الديني العام جرى تخصيصه سياسيًا، وربطه بتنظيم محدد، ما أدى إلى احتكار المعنى، وإسقاطه على واقع معقد لا يحتمل التبسيط.

هذا التحول من المعنى الروحي إلى الاستخدام السياسي أوجد مشكلة أساسية: إذ أصبح أي نقد للأداء السياسي أو العسكري يُفهم وكأنه اعتراض على مبدأ ديني، وهو خلط خطير بين المقدس والسياسي، ويؤدي إلى تعطيل النقاش العقلاني، ويمنع تقييم النتائج بموضوعية.

إذا أردنا تقويم أي "انتصار"، فمن الطبيعي أن نسأل عن نتائجه الملموسة. في الحالة اللبنانية، ما الذي جناه الشعب من هذه "الانتصارات" المعلنة؟

الأرقام وحدها كفيلة بتوضيح الصورة:

  • أكثر من 2,000 قتيل
  • 7,000 جريح
  • دمار واسع في البنية التحتية
  • تراجع اقتصادي حاد
  • نزوح داخلي وهجرة خارجية 

هذه ليست مؤشرات انتصار، بل مؤشرات هزيمة ، وإذا أضفنا إلى ذلك الانهيار المالي الذي شهده لبنان في الأعوام الأخيرة، وتآكل مؤسسات الدولة، يصبح الحديث عن "الغلبة" أقرب إلى الإنكار منه إلى الواقع.

الانتصار، في معناه الحقيقي، يعني تحسين حياة الناس، تعزيز الأمن، بناء اقتصاد قوي، وترسيخ سيادة الدولة. فهل تحقق أي من ذلك؟ أم أن لبنان بات أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للصراعات الإقليمية؟

يُطرح أحيانًا أن محور "المقاومة" يحقق انتصارات إستراتيجية في مواجهة القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. لكن عند النظر إلى العلاقة بين إيران وأميركا، نجد أن الصورة أكثر تعقيدًا.

دفعت إيران، بسياستها الاستكبارية، أثمانًا باهظة: عقوبات اقتصادية خانقة، تراجع في مستوى المعيشة، عزلة دولية نسبية، واستنزاف مستمر للموارد. وفي المقابل، لم تتمكن من فرض تغيير جذري في موازين القوى العالمية.

إذا كان هذا هو "الانتصار"، فهو انتصار وهمي مكلف للغاية.

نجاح نموذج دول الخليج

في المقابل، تقدم دول الخليج نموذجًا مختلفًا في التعاطي مع التحديات الإقليمية. فبدلاً من الانخراط في صراعات مفتوحة، اتجهت إلى تعزيز الاستقرار الداخلي، وتنويع الاقتصاد، والانفتاح على العالم، وبناء علاقات متوازنة.

هذا النهج، الذي يمكن وصفه بنهج "دعاة السلام"، لم يخلُ من التحديات، لكنه أثبت فعاليته في تحقيق نتائج ملموسة: نمو اقتصادي، بنية تحتية متطورة، استقرار أمني، وجذب للاستثمارات. هذه هي معايير الغلبة الحقيقية في عالم اليوم.

الغلبة لم تعد تقاس بعدد الصواريخ أو حجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الدولة على تأمين حياة كريمة لمواطنيها، وعلى بناء مستقبل مستدام.

بهذا المعنى يقف لبنان اليوم أمام مفترق طرق واضح: إما الاستمرار في منطق الصراع، وإما التحول نحو منطق الدولة والسلام.

الاستمرار في الصراع يعني مزيدًا من الخسائر البشرية، ومزيدًا من الانهيار الاقتصادي، ومزيدًا من العزلة. أما التحول نحو السلام، فيعني إعادة بناء المؤسسات، واستعادة الثقة الدولية، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل للشباب.

دعاة السلام في لبنان ليسوا ضعفاء، كما يُصوَّر أحيانًا، بل هم يمثلون صوت العقل، وصوت المصلحة الوطنية. هم الذين يدركون أن لبنان، بحجمه وتركيبته، لا يمكنه أن يتحمل صراعات مفتوحة، ولا أن يكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

أحد أهم التحديات في الخطاب السياسي اللبناني هو إعادة تعريف مفهوم "الانتصار". فطالما بقي هذا المفهوم مرتبطًا فقط بالصمود العسكري أو بعدم الهزيمة الكاملة، سيبقى الباب مفتوحًا لتبرير أي خسارة على أنها انتصار.

لكن إذا اعتمدنا تعريفًا أكثر شمولًا، يأخذ في الاعتبار الكلفة والنتائج، فإن الصورة ستتغير جذريًا. الانتصار الحقيقي هو الذي يحقق مكاسب صافية، وليس الذي يترك البلاد مدمرة، والشعب مثقل بالجراح.

في نهاية المطاف، يجب أن يكون الإنسان هو المعيار الأساسي لأي تقييم. ما قيمة أي "انتصار" إذا كان ثمنه آلاف القتلى والجرحى؟ ما قيمة أي "غلبة" إذا كان الشباب يهاجرون، والاقتصاد ينهار، والمستقبل يضيع؟

دعاة السلام يضعون الإنسان في قلب المعادلة. هم لا ينكرون التحديات، ولا يدعون إلى الاستسلام، بل يسعون إلى إيجاد حلول تقلل الخسائر وتحقق المصالح.

إذًا، مَن هم الغالبون؟

عند النظر إلى الصورة الكاملة، يصبح الجواب واضحًا: الغالبون ليسوا أولئك الذين يرفعون الشعارات، بل أولئك الذين يحققون نتائج حقيقية.

في لبنان، وبعد كل ما جرى، لم يعد بالإمكان الاكتفاء بالخطابات. هناك حاجة إلى مراجعة عميقة، وإلى شجاعة في الاعتراف بالأخطاء، وإلى استعداد لتغيير المسار.

"فإن دعاة السلام هم الغالبون" ليست مجرد عبارة مضادة، بل هي دعوة إلى إعادة تعريف الأولويات، وإلى تبني نهج جديد يضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.

الغلبة الحقيقية ليست في الحرب، بل في القدرة على تجنبها. ليست في الصمود في وجه الدمار، بل في منع وقوعه. ليست في تسجيل النقاط السياسية، بل في بناء وطن يستحقه أبناؤه.

وفي هذا المعنى، فإن المستقبل في لبنان لن يكون لمن يرفع السلاح، بل لمن يرفع راية السلام، ويعمل على تحويلها إلى واقع ملموس.

هؤلاء، وفقط هؤلاء، هم الغالبون.