hamburger
userProfile
scrollTop

القمة الثلاثية في واشنطن.. لبنان أمام ساعة الحقيقة

إسرائيل بقيادة نتانياهو تنظر إلى لبنان من زاوية أمنية بحتة (رويترز)
إسرائيل بقيادة نتانياهو تنظر إلى لبنان من زاوية أمنية بحتة (رويترز)
verticalLine
fontSize

تتجه الأنظار إلى فرضية القمة الثلاثية المرتقبة في واشنطن، التي تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، في لحظة سياسية دقيقة تتجاوز في دلالاتها مجرد لقاء بروتوكولي. فهذه القمة، إن انعقدت، ولو من دون مصافحة، لا يمكن فصلها عن التحولات الإقليمية العميقة، ولا عن الضغوط المتزايدة على لبنان، الذي يجد نفسه اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، حيث تضيق الخيارات وتتسارع الاستحقاقات.


في هذا السياق، لا تبدو القمة مجرد محاولة لتخفيف التوتر، بل قد تشكل محطة مفصلية في رسم معادلة جديدة في الشرق الأوسط، عنوانها الأساسي: إعادة تعريف قواعد الاشتباك بين لبنان وإسرائيل، وربما فتح الباب أمام مسار تفاوضي مباشر، طالما كان من المحرمات السياسية في الداخل اللبناني.

تأتي هذه القمة في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد. فالتوترات الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط، والتنافس الدولي على النفوذ، والتبدلات في أولويات القوى الكبرى، كلها عوامل تجعل من لبنان ساحة مفتوحة للتجاذبات. وفي هذا الإطار، يبدو واضحًا أن الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت نوع من الاستقرار النسبي في المنطقة، يضمن مصالحها الإستراتيجية، خصوصًا في ما يتعلق بأمن إسرائيل وملف الطاقة.

أما إسرائيل، بقيادة نتانياهو، فهي تنظر إلى لبنان من زاوية أمنية بحتة، حيث يشكل وجود "حزب الله" على حدودها الشمالية التهديد الأبرز. ومن هنا، فإن أي مفاوضات محتملة لن تكون منفصلة عن مطلب إسرائيلي أساسي يتمثل في تحييد هذا التهديد، سواء عبر ترتيبات أمنية أو عبر ضغوط سياسية ودبلوماسية.

محاذير التفاوض بين لبنان وإسرائيل

في المقابل، يدخل لبنان هذه القمة وهو في أضعف حالاته: أزمة اقتصادية خانقة، انقسام سياسي داخلي، وتآكل في مؤسسات الدولة. هذه العوامل تجعل من قدرته على المناورة محدودة، وتضعه تحت ضغط القبول بخيارات لم تكن مطروحة سابقًا.

أحد أبرز العناوين التي تفرض نفسها في سياق هذه القمة هو مسألة التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، ففيما يرى البعض أن هذا الخيار بات حتميًا في ظل انسداد الأفق، يحذر آخرون من تداعياته السياسية والوطنية.

أول هذه المحاذير يتعلق بالشرعية الداخلية. إذ إن أي خطوة نحو التفاوض المباشر قد تُفسَّر على أنها تطبيع، وهو أمر لا يزال مرفوضًا من شريحة واسعة من اللبنانيين. هذا الرفض لا يقتصر على البعد الأيديولوجي، بل يرتبط أيضًا بتاريخ طويل من الصراع، ما يجعل من الصعب تسويق مثل هذا الخيار سياسيًا.

المحذور الثاني يتمثل في اختلال ميزان القوى. فالتفاوض، بطبيعته، يفترض نوعًا من التكافؤ أو القدرة على التأثير، وهو ما يفتقر إليه لبنان في المرحلة الراهنة. وبالتالي، هناك خشية من أن يتحول التفاوض إلى عملية فرض شروط، بدلا من أن يكون عملية تبادل تنازلات.

أما المحذور الثالث، فيتعلق بإمكانية استغلال هذا المسار لإعادة تشكيل الداخل اللبناني، إذ قد تُستخدم الضغوط الدولية لدفع لبنان نحو تغييرات سياسية أو أمنية تتجاوز إطار التفاوض نفسه، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار.

رغم هذه المحاذير، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الخيارات أمام لبنان باتت محدودة للغاية. فالاستمرار في الوضع الراهن يعني عمليًا بقاء البلاد في دائرة الخطر، مع احتمال اندلاع مواجهات عسكرية في أي لحظة. وقد أثبتت التجارب السابقة أن أي حرب جديدة لن تكون مجرد جولة محدودة، بل قد تتحول إلى كارثة شاملة في ظل الانهيار الاقتصادي.

من هنا، يبرز التفاوض كخيار اضطراري، لا كخيار مفضل. فبين القبول بمسار تفاوضي صعب ومعقد، وبين الانزلاق إلى حرب مدمرة، قد يجد لبنان نفسه مضطرًا لاختيار الخيار الأقل كلفة، حتى لو كان يحمل في طياته مخاطر سياسية.

هذا لا يعني أن التفاوض يجب أن يتم بأي ثمن، بل يفترض أن يكون جزءًا من إستراتيجية وطنية واضحة، تحدد الأهداف والخطوط الحمراء، وتستند إلى إجماع داخلي قدر الإمكان. فالتفاوض من موقع ضعف لا يعني الاستسلام، بل يمكن أن يكون وسيلة لتقليل الخسائر وفتح آفاق جديدة.

وهنا تلعب الولايات المتحدة دورًا محوريًا في هذه القمة، ليس فقط كدولة مضيفة، بل كوسيط أساسي. غير أن هذا الدور يطرح تساؤلات حول مدى حياده، خصوصًا في ظل العلاقة الإستراتيجية التي تربط واشنطن بتل أبيب.

فالتجارب السابقة تشير إلى أن الوساطة الأميركية غالبًا ما تميل لصالح إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وهذا ما يفرض على لبنان التعامل بحذر مع أي مبادرة أميركية، والعمل على ضمان وجود توازن في الطرح،

في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة تملك أدوات ضغط وتأثير لا يملكها غيرها، ما يجعل من دورها ضروريًا في أي مسار تفاوضي. لكن هذا الدور يجب أن يكون جزءًا من معادلة أوسع، تضمن عدم تحول التفاوض إلى عملية إملاء.

لبنان مقبل على تحولات عميقة

تضع هذه القمة لبنان أمام معادلة صعبة: كيف يمكن التوفيق بين الواقعية السياسية، التي تفرض التعامل مع الوقائع كما هي، وبين الحفاظ على الثوابت الوطنية، التي تشكل جزءًا من هوية الدولة؟

الإجابة عن هذا السؤال ليست سهلة، لكنها تتطلب مقاربة متوازنة، تقوم على إدراك أن التمسك بالشعارات دون امتلاك أدوات القوة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، كما أن الانخراط في تسويات غير مدروسة قد يهدد السيادة الوطنية.

من هنا، تبدو الحاجة ملحة إلى صياغة رؤية لبنانية، تأخذ في الاعتبار مصلحة الدولة على المدى الطويل، وتبتعد عن الحسابات الضيقة. فلبنان، في هذه اللحظة، لا يملك ترف الانقسام، بل يحتاج إلى الحد الأدنى من التوافق لمواجهة التحديات.

في المحصلة، تمثل القمة الثلاثية في واشنطن لحظة اختبار حقيقية للبنان. فهي تضعه أمام خيارات صعبة، لكنها في الوقت نفسه تفتح أمامه نافذة ضيقة للخروج من دائرة الأزمات.

قد يكون التفاوض المباشر خيارًا مرًا، لكنه قد يكون أيضًا السبيل الوحيد لتجنب الأسوأ. وبين الخوف من التنازلات والخشية من الحرب، يقف لبنان أمام ساعة الحقيقة، حيث لا مكان للمراوغة أو تأجيل القرارات.

إن ما سيحدد مصير هذه المرحلة ليس فقط ما سيجري في واشنطن، بل أيضًا كيفية تعاطي الداخل اللبناني مع هذه الاستحقاقات. فإما أن يتحول التحدي إلى فرصة لإعادة بناء الدولة، أو أن يبقى أسير الأزمات، بانتظار جولة جديدة من الصراع.

وفي كل الأحوال، يبدو واضحًا أن المرحلة المقبلة لن تشبه ما قبلها، وأن لبنان مقبل على تحولات عميقة، ستحدد ملامح مستقبله لسنوات طويلة.