في حلقة جديدة من بودكاست "عندي سؤال" على قناة ومنصة "المشهد"، أجرى الإعلامي محمد قيس حوارًا مع الفنان السوري جمال سليمان، تناول فيه محطات بارزة من مسيرته الفنية والسياسية.
تحدث سليمان عن موقفه من أحمد الشرع، وكشف عن طلبات وجهها إليه بعض أبناء الطائفة العلوية قبيل أحداث الساحل السوري. كما تطرق إلى رؤيته للواقع السياسي في سوريا، مستعرضًا تجاربه الشخصية وتصوره لمستقبل البلاد. في هذا المقال، نعرض أبرز ما جاء في حديث جمال سليمان.
طفولة جمال سليمان وبدايات تحمّل المسؤولية
في مستهل اللقاء، حاول سليمان أن يضفي شيئًا من التفاؤل على الواقع القاتم، فاختار اللون الأبيض في لعبة "أبيض أم أسود"، وقال: "خلينا نبيّضها شوي".
روى كيف شكّلت طفولته أساسًا متينًا لشخصيته ومبادئه، إذ نشأ على أهمية أن يكون لكل يوم هدف. وُلد وسط عائلة كبيرة، وفي ظروف اقتصادية صعبة، وكان عليه في سن السادسة أن يستيقظ باكرًا في البرد والظلام ليجلب الخبز من فرن يفضله والده، رغم أنه ليس الأقرب إلى منزلهم.
لم يكن ذلك واجبه الوحيد؛ فبعد عودته من المدرسة، كان يعتني بأخيه الرضيع إبراهيم، ثم بأخيه يحيى لاحقًا، وسط مسؤوليات منزلية متزايدة.
استعاد سليمان كيف كان يقطع يوميًا مسافة طويلة من حي بستان الحجر إلى شارع رامي بدمشق، ليحصل على 6 زجاجات حليب من مبادرة "نقطة حليب" لأخيه. وبسبب اعتياده على الانشغال، نشأ محبًا للعمل، حتى قال: "أسوأ يوم بحياتي هو اليوم اللي ما عندي فيه شي أعمله".
المراهقة.. بين التمرد والمسرح
في عمر الرابعة عشرة، بدأ التمرد يتسلل إليه. فبعد أن كان تلميذًا منضبطًا، انجذب إلى "القبضايات" في الحي، ممن يحملون السكاكين ويستعرضون قوتهم بأسلحة غريبة الأسماء.
قال إنه اشترى موسًا وتفاخر به أمام أصدقائه، لكنه نجا من هذا الطريق بفضل المسرح، الذي جذبه بشدة. وكان أول نشاط مسرحي له بمثابة ولادة جديدة.
حين سأله محمد قيس إن كان ثائرًا أو متمردًا في عام 2011، أجاب بصراحة: "لا كنت ثائرا ولا متمردا.. لكن شاركت بالثورة". وأوضح أنه لم ينزل إلى الشارع، لكنه آمن بحق السوريين في الثورة على نظام مستبد وفاسد، حسب تعبيره.
بين نظرية المؤامرة والانفجار الداخلي
يرى سليمان أن ما جرى في سوريا لم يكن مجرد مؤامرة خارجية، بل نتيجة عوامل داخلية تراكمت. واستشهد بمقال له كُتب عقب سقوط بغداد، أشار فيه إلى أن الحرب العالمية الثانية لم تنتهِ فعليًا، بل استمرت كحرب باردة، وبقيت ساخنة في الشرق الأوسط.
ويضيف: "ما في مؤامرة ممكن تنجح إلا إذا كانت الظروف مهيأة وهناك استعداد داخلي".
الفن في خدمة النظام
يصف كيف استخدم النظام السوري الفنانين لتجميل صورته عام 2011، فقال: "النظام افتقد لرموز سياسية مقبولة، فتمسّك بالفنانين".
ويرى أن رأس النظام تجاهل سيناريو الإصلاح الوطني، وصنّف كل معارض له كخائن، ثم شيطن الثورة باعتبارها تمردًا إسلاميًا متطرفًا، ليضع العالم أمام خيارين: هو أو البديل المرعب.
تحدث عن محاولة لإشراكه في بيان "تحت سقف الوطن"، الذي دعا إلى إعلان الحداد على الضحايا المدنيين ورجال الشرطة، والدعوة إلى إصلاح سياسي. وأشار إلى أن مستشارة الأسد، بثينة شعبان، تحدثت حينها عن نية للإصلاح، ما دفعه وآخرين لدعم المبادرة، قبل أن يتبين أن النظام اختار القمع بدل الإصلاح.
بين حافظ وبشار الأسد
يرى سليمان أن بشار الأسد حكم استنادًا إلى قوة الدفع التي تركها والده: الأجهزة، والمؤسسات، والتحالفات. ويؤمن بأن وفاة حافظ كانت لحظة أمل كبيرة. الناس لم تطلب من الدولة إلا القانون والكرامة والمعيشة.
وبسبب صورة بشار "الشاب الغربي" المتحدث بلغة التكنولوجيا، شعر كثيرون أن التغيير ممكن، وكان هو منهم. يعترف بأنه دافع عن الأسد في بداية الألفينات، ولا يخجل من ذلك، ويقول: "كنا من ملايين السوريين اللي كان عندهم أمل، ما كان عندنا بدائل".
ويؤكد أن حافظ الأسد اختصر سوريا في شخصه، وألغى الحياة السياسية. ويرفض رواية أن حافظ هو مؤسس الدولة السورية، مشيدًا بدور قادة الكتلة الوطنية مثل شكري القوتلي وخالد العظم وعبد الرحمن الشهبندر.
موقف الطائفة العلوية من النظام
كشف سليمان عن تواصل شخصيات بارزة من الطائفة العلوية به، بعضها بخلفيات عسكرية واجتماعية، سعيًا لفتح باب الحوار. وأكد أن المبادرة جاءت من جانبهم.
قال إنهم من المتقاعدين الذين خرجوا من الجيش قبل عام 2000، وليسوا من فلول النظام، بل ممن تضرروا من سياساته.
وأشار إلى أن الغالبية داخل الطائفة العلوية لم تعد ترى في بقاء الأسد أي فائدة، حتى بين من قاتلوا إلى جانبه، وقد ندم كثيرون على تأييده بعد أن تركهم لمصيرهم. كما شكك في أرقام "الفلول" التي روج لها النظام، واصفًا إيّاها بالأكاذيب، خاصة في ظل الفقر المدقع الذي تعيشه القرى العلوية.
وعن تحميل بشار مسؤولية ما آلت إليه الأمور، قال سليمان: "نعم، هو المسؤول الأول"، معتبراً أن هناك تراكمات تاريخية أيضًا لا يجب تجاهلها.
أمل بالحوار الحقيقي
روى سليمان قصة رجل علوي فقد ابنيه في الحرب، وأصبح مسؤولًا عن أسرتيهما، لكنه رأى أحد "الزعران" التابعين للنظام يمر في موكب فاخر، فبصق على الأرض وسبّ بشار. لحظة تجسد اليأس لدى فئات واسعة من السوريين، بمن فيهم العلويون.
ويختتم سليمان برؤية تؤمن بأن "الفلول" ليسوا قوة حقيقية، وسيتلاشون بمجرد أن تفتح الدولة حوارًا وطنيًا جادًا مع جميع مكونات الشعب: العلويين، السنة، الأكراد، الدروز، وغيرهم.