لم تكن رحلة المنتخب العراقي إلى كأس العالم 2026 مجرد قصة تأهل رياضي عادية، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القصص استثنائية في تاريخ البطولة، بعدما شقت طريقها وسط الحروب والأزمات الأمنية وتعقيدات السفر والمواقف الإنسانية الصعبة، وصولا إلى الظهور الأول لـ"أسود الرافدين" في المونديال منذ عام 1986.
وفي مقابلة مطولة مع صحيفة "الغارديان" البريطانية، استعاد المدرب الأسترالي غراهام أرنولد تفاصيل الرحلة التي وصفها بأنها تجربة فريدة، مؤكدا أن منتخب العراق لم يصل إلى النهائيات مصادفة، بل عبر طريق شاق امتد لأكثر من عامين وشهد العديد من العقبات غير المسبوقة.
من اعتزال التدريب إلى قبول "المهمة المستحيلة"
بدأت القصة في مايو 2025 عندما تلقى أرنولد اتصالا من وكيل أعماله يخبره بوجود عرض لتدريب منتخب العراق، قبل أن يضيف مباشرة أنه لا يعتقد بأنه سيوافق عليه.
لكن المدرب الأسترالي كانت له رؤية مختلفة.
وقال أرنولد: "بعد رحيلي عن تدريب أستراليا بقيت بعيدا عن الملاعب لـ6 أو 7 أشهر. كنت أشعر بالفراغ. عندما تكون مدربا تستيقظ كل يوم وأمامك هدف وتحد جديد. عندما يختفي ذلك فجأة يصبح الأمر صعبا نفسيا".

وأضاف: "أنا مهووس بكرة القدم وأحب التدريب. عندما درست وضع المنتخب العراقي رأيت أن الفريق يمتلك لاعبين جيدين جدا، ولم أكن أفهم لماذا لم يتأهل إلى كأس العالم طوال 40 عاما".
وأوضح أن فكرة إعادة العراق إلى المونديال بعد 4 عقود كانت التحدي الأكبر الذي دفعه لقبول المهمة.
وقال: "رأيت فرصة لإسعاد 46 مليون شخص وجعلهم فخورين بمنتخبهم".
شغف كروي يفوق التوقعات
اعترف أرنولد بأنه فوجئ بحجم الشغف الجماهيري في العراق منذ وصوله إلى بغداد.
وقال: "صدمت من مقدار الشغف بكرة القدم. في يوم وصولي كانت مباراة ريال مدريد وبرشلونة تقام، وكان اليوم عطلة رسمية كي يتمكن الجميع من مشاهدتها".
وأضاف: "الجميع يتابع الدوري الإنجليزي والدوريات الأوروبية. وعندما تلعب الأندية العراقية الكبرى تمتلئ المدرجات بعشرات الآلاف. كان الشعب بأكمله متعطشا لرؤية منتخبه في كأس العالم".
لكن هذا الشغف كان يحمل وجها آخر بالنسبة للاعبين.

وأوضح: "وجدت اللاعبين يعيشون تحت ضغط هائل. بعضهم كان يدخل المعسكر وكأنه على وشك التعرض لنوبة هلع بسبب حجم التوقعات".
ولمعالجة الأمر، اتخذ قرارا صارما بمنع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي داخل المعسكر.
وقال: "رأيت 26 لاعبا مهووسين بهواتفهم. أخبرتهم أن من يستخدم وسائل التواصل بشكل يؤثر على تركيزه لن يتم استدعاؤه. أدركوا لاحقا أن معظم ما ينشر هناك مليء بالسلبية والأكاذيب".
"أنا والدهم".. فلسفة بناء المنتخب
اعتمد أرنولد على نهج نفسي خاص لبناء المجموعة.
وقال: "أخبرت اللاعبين أنني والدهم وهم أبنائي. أما أفراد الجهاز الفني فهم أعمامهم".
وفي الوقت نفسه، حرص على فهم المجتمع العراقي قبل محاولة تغييره.
وأضاف: "عشت 8 أشهر في بغداد لأنني أردت فهم الثقافة العراقية. لم أكن أستطيع أن أطلب من الجميع أن يصبحوا أستراليين".
وتحدث عن اختلافات الحياة اليومية قائلا: "درجات الحرارة تصل إلى 50 درجة مئوية، لذلك لا يخرج الناس نهارا ويتناولون العشاء في ساعات متأخرة. كل ذلك يؤثر على مواعيد التدريبات وحتى على نمط الحياة داخل المنتخب".
كما واجه تحديا آخر يتعلق بالتواصل بين اللاعبين، في ظل وجود عدد كبير من المحترفين المولودين في أوروبا.
وأوضح: "اكتشفت أن بعض اللاعبين لا يتحدثون العربية، وهو ما كان يؤثر على التواصل داخل الملعب. لذلك بدأت تنظيم المراكز بطريقة تسمح للاعبين الناطقين بالإنجليزية والعربية بالتواصل بشكل أفضل أثناء المباريات".

تأهل وسط الحروب
المرحلة الأصعب جاءت خلال الملحق المؤهل لكأس العالم.
فبينما كان المنتخب يستعد لخوض المباراة الفاصلة، اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ما تسبب في إغلاق المجال الجوي وتعطيل خطط السفر.
وقال أرنولد: "كنت أستعد للعودة إلى العراق، لكن تم إبلاغي بإغلاق المجال الجوي. بقيت عالقا في دبي لـ10 أيام بينما كان اللاعبون وأفراد الجهاز الفني محاصرين في بغداد".
وأوضح أن المنتخب اضطر لاحقا إلى السفر بالحافلات لساعات طويلة نحو الأردن، قبل أن يبقى عالقا هناك بسبب القصف والصواريخ.
وقال: "اللاعبون قطعوا رحلة بالحافلة استمرت 28 ساعة، ثم بقوا 36 ساعة أخرى في الأردن وسط سقوط الصواريخ بالقرب من الفندق".
وبعد سلسلة معقدة من التنقلات عبر أوروبا، وصل المنتخب أخيرا إلى مدينة مونتيري المكسيكية لخوض الملحق الحاسم.
رسالة حاسمة قبل مباراة العمر
عندما وصل اللاعبون إلى الفندق في الساعة 02:00 فجرا بعد رحلة شاقة، كان أرنولد في انتظارهم.
وقال إنه وجه لهم سؤالا مباشرا: "هل سنستخدم هذه الحرب كعذر؟ أم كمصدر إضافي للدافع؟ إذا كانت عذرا، فمن الأفضل أن نعود إلى منازلنا الآن".
وجاء الرد داخل الملعب.
فاز العراق على بوليفيا بنتيجة 2-1 ليحجز بطاقة التأهل الأخيرة إلى كأس العالم 2026، وينهي انتظارا استمر 40 عاما.
لكن حتى بعد التأهل لم تتوقف المشكلات.
فقد خضع المهاجم أيمن حسين لتحقيق مطول من السلطات الأميركية فور وصوله إلى الولايات المتحدة، فيما منع الحكم الصومالي عمر أرتان من دخول البلاد.
وقال أرنولد: "للأسف هذه الأمور حدثت، لكنها أصبحت خلفنا الآن".
الحلم لا يتوقف عند التأهل
ورغم أن العراق وقع في مجموعة صعبة تضم فرنسا والنرويج والسنغال، فإن أرنولد يرفض النظر إليها باعتبارها "مجموعة الموت".
وقال: "الجميع يسميها مجموعة الموت، أما أنا فأفضل أن أسميها مجموعة الإثارة".
وأضاف: "الضغط انتهى الآن. الجميع يتوقع أن نخسر مبارياتنا الثلاث، لذلك لا يوجد ما نخسره".
وختم المدرب الأسترالي حديثه برسالة حملت الكثير من الثقة والطموح: "أريد من اللاعبين أن يكونوا شجعانا عندما يعبرون الخط الأبيض. لدينا فرصة لنثبت للعالم ما نملكه. أؤمن تماما بأن العراق قادر على تحقيق شيء سيصدم العالم في هذه البطولة".