تحول المدافع عيسى ديوب من أكثر لاعبي منتخب المغرب تعرضًا للانتقادات إلى أحد أبرز أبطال التأهل التاريخي إلى دور الـ16 من كأس العالم 2026، بعدما سجل هدف التعادل القاتل أمام هولندا، قبل أن يحسم "أسود الأطلس" بطاقة العبور بركلات الترجيح، في مباراة عكست التحول الكبير الذي أحدثه المدرب محمد وهبي في هوية المنتخب المغربي.
ولم يكن هدف ديوب مجرد كرة رأسية أنقذت المغرب من الإقصاء، بل جاء تتويجًا لثقة تمسك بها الجهاز الفني رغم الضغوط الجماهيرية والإعلامية، ورسخ في الوقت ذاته فلسفة هجومية جديدة جعلت المغرب يفرض شخصيته أمام كبار المنتخبات خلال البطولة.
من الانتقادات إلى هدف أنقذ حلم المغرب
قبل مواجهة هولندا، كان اسم عيسى ديوب حاضرًا بقوة في النقاشات داخل وسائل الإعلام المغربية، بعدما اعتبر كثيرون المدافع الحلقة الأضعف في الخط الخلفي عقب ظهوره أمام البرازيل واسكتلندا.
وتركزت الانتقادات على بطء تحركاته، وعدم دقة تمريراته، وكثرة إعادته الكرة إلى الحارس ياسين بونو، إضافة إلى معاناته في تغطية المساحات التي يتركها القائد أشرف حكيمي عند تقدمه الهجومي.
واستشهد المنتقدون بهدف التعادل الذي سجله فينيسيوس جونيور أمام المغرب في المباراة الافتتاحية، إلى جانب إحدى اللقطات التي تجاوز فيها نجم ريال مدريد المدافع بسهولة قبل أن يصنع فرصة خطيرة لرافينيا، لولا تدخل بونو.

ورغم ذلك، واصل محمد وهبي الدفاع عن لاعبه، بل قرر إراحته في المباراة الـ3 أمام هايتي، في خطوة بدت وكأنها إعداد له لمواجهة هولندا.
وجاء الرد داخل الملعب، بعدما قدم ديوب واحدة من أفضل مبارياته بقميص المغرب، ونجح في تتويج أدائه بهدف قاتل في الدقيقة (90+1)، حين ارتقى بين فيرجيل فان دايك وتيون كوبماينرز وحول عرضية البديل شمس الدين طالبي برأسه إلى الشباك، ليعيد المغرب إلى المباراة ويفرض شوطين إضافيين قبل أن يحسم التأهل بركلات الترجيح.
ولم يتوقف تألقه عند الهدف، إذ تُوج بجائزة أفضل لاعب في المباراة، بعدما لعب دورًا محوريًا دفاعيًا وهجوميًا في واحدة من أهم مباريات المنتخب المغربي.
ثقة محمد وهبي صنعت الفارق
بعد اللقاء، كشف محمد وهبي أنه كان واثقًا من قدرة ديوب على الرد داخل الملعب، مشيرًا إلى أنه أخبره قبل المباراة بأنه سيسجل هدفًا مهمًا للمغرب.
وقال المدرب المغربي إنه كان يتابع تصرفات ديوب في التدريبات وطريقة تعامله مع اللاعبين الشباب، مؤكدًا أنه لمس شخصيته الهادئة ودوره الإيجابي داخل المجموعة، وهو ما عزز ثقته الكاملة فيه.
وأضاف وهبي أنه كان مقتنعًا بأن المدافع يستحق هذه اللحظة بعد كل ما تعرض له من انتقادات، مؤكدًا أن تأثيره داخل غرفة الملابس لا يقل أهمية عن مستواه داخل الملعب.
رحلة طويلة من الجدل إلى قميص "أسود الأطلس"
لم تبدأ الانتقادات مع انطلاق كأس العالم، بل رافقت ديوب منذ قراره تمثيل المغرب في مارس الماضي.
فالمدافع المولود في مدينة تولوز الفرنسية لأب سنغالي وأم مغربية كان يضع المنتخب الفرنسي في مقدمة أولوياته منذ سنوات، كما تلقى اهتمامًا من السنغال، وأكد في أكثر من مناسبة أنه لا يفكر في تمثيل أي منتخب آخر طالما بقيت فرصة ارتداء قميص فرنسا قائمة.

هذا الموقف أثار اعتراض عدد من المحللين والمدربين السابقين، ومن بينهم عبد الرحيم طالب، الذي اعتبر أن قميص المنتخب المغربي لا ينبغي أن يكون خيارًا بديلًا بعد تعذر الوصول إلى المنتخبات الأوروبية، مؤكداً أنه لم يكن ليستدعي اللاعب لو كان مسؤولاً عن المنتخب.
لكن محمد وهبي كان له رأي مختلف تمامًا، إذ أكد منذ انضمام ديوب إلى المنتخب أنه وجد فيه لاعبًا "صادقًا ونزيهًا"، موضحًا أن رغبته السابقة في تمثيل فرنسا لا تعني أبدًا رفضه للمغرب، بل كانت طموحًا طبيعيًا للاعب نشأ داخل المنظومة الفرنسية.
كما رأى وهبي أن المنتخب كان بحاجة إلى مدافع بمواصفات ديوب، خصوصًا بعد اعتزال رومان سايس وغياب آدم ماسينا ونايف أكرد بسبب الإصابة، ليمنحه الثقة التي رد عليها اللاعب بأفضل صورة ممكنة.
"مغرب جديد" يفرض شخصيته على الكبار
جاء تأهل المغرب على حساب هولندا ليؤكد أن ما يقدمه منتخب محمد وهبي ليس مجرد امتداد لإنجاز مونديال قطر 2022، بل مشروع جديد يحمل هوية مختلفة.
فبعد أن صنع وليد الركراكي إنجاز الوصول إلى نصف النهائي قبل 4 أعوام بالاعتماد على التنظيم الدفاعي والهجمات المرتدة، نجح وهبي في بناء منتخب أكثر جرأة يعتمد على الضغط العالي والاستحواذ وفرض أسلوبه على المنافسين.

ولم يقتصر تفوق المغرب على مواجهة هولندا، إذ كان الطرف الأفضل أيضًا أمام البرازيل رغم انتهاء المباراة بالتعادل، قبل أن يتجاوز اسكتلندا في دور المجموعات، ليؤكد أحقيته في بلوغ الأدوار الإقصائية.
كما تمسك وهبي بخياراته الفنية رغم الانتقادات، معتمدًا على أسلوب المهاجم الوهمي بقيادة إسماعيل صيباري، الذي سجل في جميع مباريات دور المجموعات، إلى جانب منحه الثقة لعدد من الوجوه الشابة، أبرزهم أيوب بوعدي، وإشراك عناصر سبق أن قادها للتتويج بكأس العالم للشباب.
وبينما تحول عيسى ديوب من لاعب يطارده التشكيك إلى صاحب هدف أنقذ حلم المغرب، بدا منتخب "أسود الأطلس" أكثر اقتناعًا من أي وقت مضى بفلسفة مدربه، بعدما أثبت في مونديال 2026 أنه لا يكتفي بمجاراة الكبار، بل يفرض عليهم أسلوبه ويستحق الانتصار عليهم.