مع اقتراب انطلاق منافسات كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لم تقتصر الاستعدادات على المنتخبات المشاركة والجماهير المنتظرة، بل امتدت إلى الملاعب الأميركية التي خضعت لعمليات إعادة تهيئة ضخمة لتحويلها من معاقل لكرة القدم الأميركية إلى ملاعب تستوفي المعايير الصارمة التي يفرضها الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا".
وشهدت الأشهر الماضية ورش عمل هندسية ولوجستية واسعة داخل عدد من أكبر الملاعب الأميركية، في إطار تجهيزها لاستضافة أكبر نسخة في تاريخ كأس العالم بمشاركة 48 منتخباً للمرة الأولى.
تعديلات تناسب كرة القدم
فرض اختلاف طبيعة ملاعب كرة القدم الأميركية عن ملاعب كرة القدم التقليدية تحديات كبيرة أمام المنظمين، خصوصًا أن أبعاد أرضية اللعب المطلوبة في بطولات "فيفا" أكبر من تلك المستخدمة في مباريات دوري كرة القدم الأميركية.
ولذلك اضطرت 11 منشأة أميركية مختارة لاستضافة مباريات كأس العالم إلى إزالة أجزاء من المدرجات، خصوصاً المقاعد الأمامية والزوايا القريبة من أرضية الملعب، من أجل توفير المساحات اللازمة لتطبيق المواصفات المعتمدة.
وفي ملعب "لينكولن فايننشال فيلد" بمدينة فيلادلفيا، الذي يتسع لنحو 69 ألف متفرج، وصلت تكلفة التعديلات إلى عدة ملايين من الدولارات، بعدما تم هدم أجزاء من المدرجات الخرسانية واستبدالها بمنشآت معدنية قابلة للتحريك.
وأوضح فرانك غومييني، مدير العمليات في نادي فيلادلفيا إيغلز، أن هذه الهياكل تم تركيبها لأول مرة خلال كأس العالم للأندية، ويمكن الآن تحريكها إلى الداخل أو الخارج خلال أسبوع واحد فقط وفق احتياجات البطولة.
"سو-في ستاديوم".. إزالة مئات المقاعد
أما في ملعب "سو-في ستاديوم" بمدينة لوس أنجلوس، أحد أحدث الملاعب الرياضية في أميركا، فقد أزيلت مئات المقاعد من الزوايا الـ4 للملعب من أجل توفير المساحة المطلوبة لأرضية اللعب.
وكشف أوتو بينيديكت، نائب الرئيس التنفيذي للشركة المشغلة للملعب، أن "فيفا" كان يطمح في البداية إلى ملاعب بعرض 80 متراً، إلا أن البنية الهندسية للملاعب الأميركية لم تسمح بتحقيق هذا المطلب.

وفي النهاية تم اعتماد قياس موحد يبلغ 105 أمتار طولاً و68 متراً عرضاً في جميع الملاعب الأميركية المستضيفة للمباريات.
وأضاف بينيديكت أن الاتحاد الدولي أبدى مرونة كبيرة خلال المشاورات مع إدارات الملاعب الأميركية للوصول إلى أفضل الحلول الممكنة.
تحدي العشب الطبيعي
إلى جانب أبعاد الملاعب، برزت أرضيات اللعب كواحدة من أكبر التحديات التنظيمية قبل البطولة.
فمعظم ملاعب دوري كرة القدم الأميركية تعتمد على العشب الصناعي، بينما تشترط لوائح "فيفا" استخدام العشب الطبيعي أو الهجين خلال مباريات كأس العالم.
وفي مدينة هيوستن، أعادت اللجنة المنظمة تشغيل أنظمة الري تحت الأرض داخل ملعب "إن آر جي ستاديوم"، كما استقدمت مواد متخصصة من هولندا للمساعدة في تحسين جودة ونمو العشب.
وأوضح حسين نقي، المدير العام لمجمع "إن آر جي بارك"، أن أرضية الملعب الجديدة تم جلبها من مدينة دنفر بولاية كولورادو، وهي مصممة خصيصاً لتحمل الظروف المناخية المختلفة خلال البطولة.
ملاعب مكيّفة لمواجهة الحرارة
ويشكل الطقس الحار في بعض المدن الأميركية تحدياً إضافياً أمام المنظمين.
ففي هيوستن، من المنتظر أن تصل درجات الحرارة إلى نحو 40 درجة مئوية خلال الصيف، وهو ما دفع المسؤولين إلى الإبقاء على سقف الملعب مغلقاً خلال المباريات لحماية اللاعبين والجماهير.

أما في ملعب "أيه تي آند تي ستاديوم" بمدينة أرلينغتون قرب دالاس، والذي يعد أكبر ملاعب البطولة بسعة تصل إلى 94 ألف متفرج، فقد تم تركيب منظومة متطورة من الإضاءة البنفسجية لتحفيز نمو العشب الطبيعي داخل المنشأة المغلقة.
وتتكون المنظومة من 18 ذراعاً معدنية ضخمة مزودة بمصابيح خاصة ومتصلة بالسقف الرئيسي للملعب.
"ويمبلي" وتوتنهام مصدر الإلهام
واستندت بعض الحلول التقنية المستخدمة في الملاعب الأميركية إلى تجارب أوروبية ناجحة.
وكشف تود مارتن، المدير العام لملعب دالاس، أنه زار ملعبي "ويمبلي" وتوتنهام في إنجلترا للاطلاع على الأنظمة المستخدمة هناك قبل تطبيق تقنيات مشابهة في الولايات المتحدة.
وأوضح أن هذه الأنظمة تضمن حصول العشب على كميات الضوء اللازمة للحفاظ على جودته طوال فترة البطولة.
وسيستضيف ملعب دالاس 9 مباريات خلال المونديال، من بينها إحدى مباراتي الدور نصف النهائي المقررة في 14 يوليو.
ميامي.. الأقل تعقيداً
في المقابل، بدت الأمور أكثر سهولة في ملعب "هارد روك" بمدينة ميامي، إذ يعتمد الملعب بالفعل على أرضية هجينة متوافقة مع متطلبات الاتحاد الدولي لكرة القدم.
وسيستضيف الملعب 7 مباريات خلال البطولة، من بينها مباراة تحديد المركز الـ3.
تغيير الأسماء والشعارات
ولم تقتصر التحضيرات على المدرجات وأرضيات الملاعب فقط، بل شملت أيضاً إزالة أو إخفاء جميع العلامات التجارية الخاصة بالرعاة المحليين للملاعب.
وتم استبدال هذه الشعارات بالهوية البصرية الرسمية الخاصة بالاتحاد الدولي لكرة القدم وكأس العالم 2026.
وقال أوتو بينيديكت إن العملية كانت ضخمة للغاية، موضحاً: "أينما تنظر تجد اسماً أو شعاراً يحتاج إلى التغيير أو التغطية".
وفي هيوستن وحدها، بلغت تكلفة إخفاء شعار شركة "إن آر جي" العملاق المثبت على سقف الملعب نحو مليون دولار، بحسب تقارير إعلامية محلية.
أتلانتا.. الاستثناء الوحيد
وشكل ملعب "مرسيدس-بنز" في مدينة أتلانتا الاستثناء الأبرز بين الملاعب الأميركية المستضيفة.
فقد سمحت الترتيبات الهندسية بالإبقاء على اسم الملعب وشعار الشركة الألمانية، بعدما رأت الإدارة أن إزالة العلامات التجارية قد تؤثر على سلامة السقف المتحرك وآلية تشغيله.
وتعكس هذه التعديلات الضخمة حجم التحضيرات التي سبقت انطلاق كأس العالم 2026، في بطولة غير مسبوقة من حيث عدد المنتخبات والمباريات والدول المستضيفة.