يترقب الاقتصاد العالمي بشغف شديد النتائج الأولية على المدى القريب، لاتفاق السلام الذي تم توقيعه مؤخرًا بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، والذي جاءت بعده تفاعلات سريعة في الأسواق، حيث طالت التأثيرات سوق النفط والذهب ومؤشرات الأسهم وغيرها، الأمر الذي يفتح بابا لعدد من التساؤلات حول الانعكاسات الاقتصادية المستقبلية لهذا الاتفاق.
انعكاس الاتفاق على حياة المواطنين
كيف يمكن للمواطنين في البلاد العربية التأثر بشكل مباشر بمثل هذا الاتفاق؟، هل تتوقف تداعياته فقط على الأسهم والبورصات والذهب والفضة والنفط وغيرها من المؤشرات، أم يكون له انعكاس مباشر على مسار الحياة اليومية للمواطنين، خصوصا ما يتعلق بملف أسعار السلع.
حياة المواطنين ليست بعيدة عن التطورات الأخيرة، خصوصا أن هذا الاتفاق له أبعاد اقتصادية مباشرة، ولمعرفة التداعيات الإيجابية المستقبلية لمثل هذا الاتفاق، يجب أن نقف أولا على السلبيات التي سببتها حرب إيران خصوصا على السلع.
ساهمت حرب إيران في دفع النفط لمستويات قياسية لامست 120 دولارا، وهذا انعكس سلبا على أسعار عدد كبير من السلع، بل دفع التضخم العالمي إلى الصعود، وهذا الأمر هو النتيجة المباشرة الأولى للحرب، كما تأثرت عملات عدد من الأسواق الناشئة بشكل سلبي جراء هذه التوترات الأقليمية، بالإضافة إلى تضرر سلاسل توريد السلع مثل الأسمدة والأغذية والخامات.
طفرات سعرية للسلع
طوال فترة الصراع الذي امتد أكثر من 100 يوم، تسببت اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن البحري والتأمين في طفرات سعرية للسلع في جميع دول العالم، الأمر الذي يجعل من عودة الأمور لطبيعتها مجرد بداية لاستقرار الأسعار ثم هبوطها، بحسب ما يراه أمين غرف تجارة البحر المتوسط أحمد الوكيل.
وأضاف الوكيل خلال حديث مع "المشهد" أن تأثر سلاسل التوريد يجعل السلع أول المتأثرين من الحرب، لذلك عودة الملاحة لطبيعتها وانتظام سلاسل توريد السلع، يساهم في استقرار الأسواق ثم هدوء وتيرة الصعود وبعدها ندخل في مرحلة التراجع وهذا الأمر قد يشعر به المواطنين في نهاية الربع الأخير من العام الجاري بحسب تقديراته.
وأشار إلى أن الدول المحيطة بالصراع في الشرق الأوسط اضطرت الحكومات فيها لتوجيه موارد ضخمة نحو تأمين الاحتياطات من الوقود الذي قفز بأكثر من 54%، لذلك فإن التهدئة تتيح هامشاً مالياً أوسع لزيادة الإنفاق على شبكات الحماية الاجتماعية، التعليم، والرعاية الصحية، بدلاً من استهلاك الميزانيات في بنود الطوارئ.
عودة رؤوس الأموال إلى الأسواق
الخبير الاقتصادي الدكتور أيمن حسن صاحب الخلفية المصرفية الكبيرة، يرى أن الصراعات الإقليمية تزيد من حالة عدم اليقين، مما يدفع برؤوس الأموال للهروب ويضغط على العملات الوطنية في الدول غير النفطية (مثل مصر والأردن واليمن ولبنان) لذلك نلاحظ التراجعات الكبيرة لعملات هذه الدول مع اشتعال الصراع، ومع عودة الهدوء سنلاحظ استقرار أسواق العملات ومن ثم تخفيف الأعباء عن المستهلكين عبر تقليل تكاليف الاستيراد.
وأضاف، إنه مع تراجع الطلب على الدولار كملاذ آمن"، وهو ما يساعد الحكومات على تثبيت أسعار الصرف وكبح جماح استنزاف الاحتياطيات النقدية، أو تقليل اللجوء إلى الاقتراض من أجل تغطية العجز المزمن الناتج عن ارتفاع الوقود وتراجع الاحتياطات وهروب الاستثمارات وتضرر موارد النقد الأجنبي.
وفقاً لتحديثات صندوق النقد الدولي، واجه العالم ضغوطاً رفعت التضخم عالميا إلى نحو 4.4% نتيجة الطفرات التي حدثت في تكاليف الطاقة والأسمدة، ومع تفعيل اتفاقيات السلام والتهدئة، يُتوقع أن يبدأ التضخم العالمي مسار التراجع التدريجي وصولاً إلى مستهدفه قرابة 3.7% في العام المقبل، مما يعطي البنوك المركزية فرصة لخفض أسعار الفائدة وتخفيف كلفة الاقتراض عالمياً ومحليا وفق تقديرات بعض البنوك.
توقعات خام برنت
تشير تقديرات البنك الدولي الحالية إلى أن خام برنت سيتجه للاستقرار عند معدل 86 دولاراً للبرميل لعام 2026، مع توقعات بهبوط ملموس ليتراوح حول 70 دولاراً للبرميل في عام 2027 مع عودة تدفقات النفط والغاز لطبيعتها وتراجع "علاوة المخاطر الجيوسياسية".
بدوره قال لدكتور أحمد معطي الخبير الاقتصادي لـ"المشهد"، أن "انتهاء الحرب في إيران من شأنه أن يحدث تحولات أوسع في الاقتصاد العالمي، خصوصاً فيما يتعلق بأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة الاستثمارات".
وأوضح "معطي" أن عدداً من النقاط يجب أن يتم النظر إليها عند مناقشة الوضع الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة:
- الانعكاسات المباشرة ستكون على أسعار الطاقة وخام برنت والغاز المسال.
- من المتوقع أن تتراوح أسعار النفط بين 70 و 80 دولاراً للبرميل وهو ما يظهر في الأسواق حاليا.
- تراجع النفط سينعكس على انخفاض أسعار الوقود عالمياً خصوصاً في الأسواق المستوردة.
- يخفف هبوط النفط من الضغوط التضخمية على الاقتصادات المختلفة.
هبوط الأسمدة والسلع الغذائية
وأضاف أن أسعار الأسمدة عالمياً ارتفعت بنسبة 30% و 35% بسبب اضطرابات إمدادات الغاز والمواد الخام الإقليمية، وهو ما هدد الأمن الغذائي العربي بشكل مباشر (عبر رفع كلفة الزراعة المحلية)، والتهدئة تضمن هبوط أسعار مدخلات الإنتاج هذه، مما يمهد لانخفاض أسعار المواد الغذائية تدريجياً بنسب قد تظهر بوضوح في النصف الثاني من العام.
وخفض "غولدمان ساكس" توقعاته لمتوسط سعر خام برنت لعام 2027 إلى 80 دولارا للبرميل، مشيراً إلى نمو أقوى في المعروض وضعف مستمر في الطلب، لكنه توقع أيضاً أن تتخطى الأسعار متوسط 2025 بسبب بناء دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لمخزونات النفط التجارية، وإضافة علاوة سعرية للتأمين من الاضطرابات.
وخفضت منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2026 إلى 970 ألف برميل يومياً، مقارنة بتقدير سابق بلغ 1.17 مليون برميل يومياً، في ثاني مراجعة بالخفض على التوالي.
وأشارت المنظمة إلى أن الاستهلاك مرشح للانتعاش لاحقاً، إذ رفعت توقعاتها لنمو الطلب في 2027، متوقعة زيادة قدرها 1.73 مليون برميل يومياً، بارتفاع 190 ألف برميل يومياً عن تقديراتها السابقة.