في الوقت الذي تسعى فيه مصر إلى تنويع أدواتها المالية ومصادر تمويلها بعيداً عن هيمنة الدولار الأميركي، وافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخراً على تعديل جديد في الاتفاق الموقع بين بلاده ومصر بشأن تمويل مشروع محطة الضبعة النووية، يسمح بتحويل سداد القرض إلى العملة الروسية (الروبل) بدلاً من الدولار.
وكانت القاهرة قد وقعت مع موسكو في عام 2015 اتفاقية لإنشاء محطة الضبعة النووية، بمحافظة مطروح على ساحل البحر المتوسط، على بعد 300 كلم شمال غربي القاهرة، والتي تعد واحدة من أكبر مشروعات البنية التحتية الداعمة لتنمية القطاعات الاقتصادية المختلفة وتوطين التكنولوجيا النووية، بكلفة استثمارية بلغت 25 مليار دولار قدمتها روسيا قرضاً حكومياً ميسّراً للقاهرة، وفي ديسمبر عام 2017 دخلت الاتفاقية حيز التنفيذ، عقب توقيع السيسي وبوتين الاتفاقات النهائية لبناء المحطة خلال زيارة الرئيس الروسي للعاصمة المصرية القاهرة.
موافقة بوتين على تسوية ديون أول محطة نووية مصرية للأغراض السلمية بالروبل الروسي، قوبلت بارتياح شديد داخل الأوساط المصرية المختلفة، واعتبرها البعض خطوة تعكس تغيّرات في مسارات التعاون المالي بين القاهرة وموسكو.
مشروع الضبعة النووي
وتعليقاً على هذا القرار، أكد عضو الهيئة الاستشارية للحكومة المصرية الدكتور مدحت نافع في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد"، أنّ مسألة اختيار سداد قرض مشروع الضبعة النووي بالروبل الروسي لها واقع سياسي أكثر من الواقع الاقتصادي، مضيفاً أن التأثير السياسي للجانب الروسي أكبر من مصر فيما يخص هذا القرار، لأنّ روسيا تواجه عقوبات دولية ولديها أزمة كبيرة في العودة للنظام المالي العالمي بتأثير من قوة الدولار الأميركي، وبالتالي فإن مصلحتها تُحتّم عليها التعامل بالعملات المحلية لدول الجنوب وأن تُعزّز من قيمة الروبل كأداة أو كوسيط للتبادل.
أما أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة الدكتور هشام إبراهيم، فوصف هذه الخطوة بالمهمة في هذا التوقيت، مؤكداً أن مصر تنتهج نهجاً جديداً منذ فترة مع العديد من دول العالم في تنحية الدولار الأميركي جانباً، وهذا ليس عداءً مع الورقة الخضراء ولكن هي فلسفة تحكم كل دولة في أنها تحاول البحث عن مصالحها، كما أن هذه الخطوة تُخرج مصر من دائرة الاعتماد على الدولار كعملة صعبة، في ظل معاناة البلاد من نقصه، موضحاً أن تغيير طريقة سداد القرض الروسي بالعملة المحلية يُسّهل إجراءات سداده، ويخفف من ضغط الطلب على الدولار.
الابتعاد عن الدولار
وأشار إبراهيم إلى أن هناك العديد من دول العالم وخصوصًا الدول العظمى، باتت تتحرك في هذا الاتجاه وتعمل على تنحية الدولار الأميركي جانباً والتخلي عنه، وبدأت في التعامل بالعملات المحلية الخاصّة بها، وذلك مثل دول الصين والهند وروسيا، وهذا الأمر من شأنه أن يسهم في رفع الضغط المتزايد على الدولار في تقوية الأوضاع الاقتصادية داخل كل بلد.
وكشف أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة أنّ الدولار كان يمثل ضغطاً اقتصادياً كبيراً على العديد من دول العالم بسبب وجود شُح في توفيره، ومصر واحدة من هذه الدول، لذلك تحاول توقيع عدد من الاتفاقيات مع بعض الدول من أجل التعامل بالعملات البينية، موضحاً أن موافقة بوتين على التعامل بالروبل الروسي مع مصر سيخرج الأخيرة من دائرة الاعتماد على الدولار كعملة صعبة، خصوصًا مع وجود أزمة طوال الوقت في توفيره داخل الدولة.
الروبل الروسي
وفيما يتعلق بالأحاديث المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي في مصر، وعلى ألسنة الكثيرين من أن سداد مصر قرض محطة الضبعة النووية بالروبل الروسي سيسهم في تسريع الانتهاء من إنشاءات المحطة، استبعد الرئيس الأسبق لمركز الأمان النووي في هيئة الطاقة الذرية المصرية الدكتور كريم الأدهم هذا الأمر، وأكد أن مشروع الضبعة النووي ليس به أزمة تمويلية ولكنه يعتمد في المقام الأول على النواحي الفنية، مشيراً إلى أن المشروع له مراحل إنشائية وفنية واختبارات، وكل مرحلة تتطلب وقتاً معيناً لابدّ من الانتهاء منه في موعده المحدد، مؤكداً أن شروط التمويل الروسية تعد من أسهل الشروط في هذا الصدد.
وتُعدّ محطة الضبعة النووية الواقعة شمال غرب مصر أول محطة من نوعها داخل البلاد لتوليد الكهرباء باستخدام الطاقة النوويّة، وأوضح الأدهم أنّ التزامات الجانب الروسي في هذا المشروع العملاق تتمحور في بناء المحطة، بالإضافة إلى توريد الوقود النووي أثناء فترة التشغيل، وتقديم الدعم الفني وتدريب الأطقم المصرية خلال أول 10 سنوات من التشغيل، كما أن موسكو ملتزمة بإنشاء منشآت لتخزين الوقود النووي المستنفد وتوفير الحاويات اللازمة له.
ويهدف مشروع الضبعة للطاقة النووية الذي يعدّ من أضخم مشروعات إنتاج الطاقة الكهربائية في إفريقيا، والذي تشيده شركة روسآتوم عملاق الطاقة النووية في روسيا، والتي لها باع طويل في بناء عشرات المحطات في روسيا والعالم، إلى بناء أربع وحدات من مفاعلات الماء المضغوط من الطراز الروسي، بقدرة إجمالية 4800 ميغاوات، بواقع 1200 ميغاوات لكل وحدة، لذا يشير الأدهم إلى أن هذا المشروع سيحقق فوائد عديدة بالنسبة لمصر والتي من أبرزها الآتي:
- توفير قدر كبير من الطاقة الآمنة والرخيصة وطويلة الأجل.
- تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتفادي تقلبات الأسعار.
- تنويع مصادر الطاقة التي تعد من أهم عوامل الأمن القومي لأي دولة.
- المحافظة على البيئة من الانبعاثات والاحتباس الحراري.
- توفير البترول والغاز للصناعات البتروكيماوية التي تعد بمثابة أكبر عائد اقتصادي أكثر من مجرد استخدامها في توفير الطاقة.
- تحقيق الاستقرار والاستمرارية لشبكة الكهرباء.
- إضافة أكثر من 35 مليار كيلووات-ساعة من الكهرباء سنوياً بتكلفة منخفضة.
مكاسب اقتصادية منتظرة
ووفقاً لأستاذ التمويل والاستثمار بجامعة القاهرة الدكتور هشام إبراهيم، فإن تعامل القاهرة المالي مع موسكو من خلال العملة المحلية، سيعمل على خلق المزيد من الفرص الاستثمارية الواعدة للاقتصاد المصري، والتي من أبرزها الآتي:
- زيادة التبادل التجاري بين البلدين.
- زيادة حجم السياحة الروسية الوافدة إلى مصر.
- تشجيع زيادة التعاون الاقتصادي المصري بالعملات المحلية.
مصر تنفذ سياسة البريكس
وبيّن هشام أن مجموعة دول "بريكس" عملت وبشكل كبير على تسهيل هذا التوجه، حيث تشجع الدول الأعضاء على إجراء معاملاتها بالعملات المحلية، مضيفاً أن دول البريكس أصبحت التكتل الأول في العالم، وهي الدول التي تستحوذ على النسب الأكبر لمعدلات السكان، والنسب الأكبر من الموارد الطبيعية، موضحاً أن مصر واحدة من دول البريكس ولديها موافقة على سياسة هذا التكتل وبالتالي فهي تعمل على تنفيذ هذه السياسة.
وكشف الرئيس الأسبق لمركز الأمان النووي في هيئة الطاقة الذرية المصرية الدكتور كريم الأدهم، أن هناك تقدماً كبيراً في أعمال تنفيذ محطة الضبعة النووية وأن العمل جارٍ على قدم وساق هناك، حيث إنه من المقرر أن تدخل أول وحدة نووية للتشغيل التجاري في مصر بنهاية عام 2028، ثم تتبعها باقي الوحدات النووية الأخرى، موضحاً في الوقت نفسه أن هذه المحطة ستعمل على تغطية نحو 20% من احتياجات البلاد من الكهرباء، بعد الانتهاء من كامل المشروع بحلول عام 2031.