عيّن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان حفيظة أركان على رأس إدارة السياسة النقدية والقطاع المصرفي في البلاد، لتكون بذلك أول امرأة تتولى هذا المنصب، إذ تمتلك مسيرة مهنية حافلة في القطاع المالي والمصرفي في بنوك ومؤسسات عالمية.
أركان التي تأتي خلال وقت عصيب على الاقتصاد التركي، حيث انهيار العملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم وهروب المستثمرين الأجانب، يأمل الكثير أن تصلح ما أفسده إردوغان الذي أُعيد انتخابه منذ أيام لولاية جديدة تستمر 5 سنوات.
الاقتصاد في خدمة السياسة
ومنذ عام 2019، تدخّل إردوغان بشكل مباشر في سياسة البنك المركزي التركي، وطالب بخفض أسعار الفائدة، الأمر الذي قوبل بالرفض، ما دفعه لإصدار قرار بإقالة 3 محافظين للبنك المركزي التركي.
وأقال إردوغان منذ نحو 4 أعوام أكثر من 3 رؤساء بنوك مركزية، حيث كانت البداية مع مراد جتينقايا، الذي كان من المقرر أن تستمر ولايته حتى عام 2020، ليعيّن بدلا منه نائبه مراد أويسال والذي أقيل أيضا خلال أقل من عام ،وعُيّن بدلا منه وزير المالية السابق ناجي إقبال، ليتعرض الأخير للإقالة في مارس من عام 2021، ويعيّن شهاب قوجي أوغلو النائب في البرلمان عن حزب العدالة والتنمية الحاكم، والذي ترك المنصب بعد إعادة انتخاب إردوغان.
لهذا يقول الخبير الاقتصادي مسلم طلاس خلال حديثه مع منصة "المشهد"، إنّ "إردوغان أصر على استخدام السياسات الاقتصادية غير التقليدية خلال الأعوام الماضية، لخدمة أجندته السياسية وإعادة انتخابه رئيسا للجمهورية، وهو ما حدث"، مشيرا إلى أنّ رئيس حزب العدالة والتنمية "روّج لسياسات اقتصادية مناهضة لأسعار الفائدة المرتفعة، لمغازلة الطبقات الإسلامية المحافظة في البلاد، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية لم يستطع المواطن التركي تحمّلها".
وخفّض البنك المركزي التركي سعر الفائدة إلى 8.5% من 19% في عام 2021، في خضمّ حرب إردوغان على الفائدة، ما تسبب في ارتفاع التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، وسجل أعلى مستوى خلال 24 عاما في أكتوبر 2022 عند 85%، قبل أن يتراجع إلى 39.6% في مايو الماضي.
ويضيف طلاس: "إردوغان عكف على تسويق الفائدة باعتبارها شيطانا أكبر(..) وقد نجح في هذه السياسة الشعبوية التي أتت به إلى منصب رئيس الجمهورية من جديد. لكن حان وقت التراجع عن هذه السياسة غير التقليدية والعودة إلى ما يقوله علم الاقتصاد".
وواصل إردوغان دفاعه عن سياسته التي أربكت اقتصاد بلاده خلال العامين الماضيين، إذ قال في ليلة إعادة انتخابه أمام حشد من أنصاره في إسطنبول، إنّ "التضخم سيتراجع كما تراجعت أسعار الفائدة".
وصمة "فيرسك ريبابليك"
اتجهت التوقعات منذ تعيين الاقتصادي المخضرم محمد شيمشك وزيرا للمالية في حكومة إردوغان الجديدة، إلى الإشارة نحو تحوّل في سياسات إردوغان في ما يتعلق بأسعار الفائدة، إذ يقول المحلل الاقتصادي لدى "كابيتال إيكونوميكس" ليام بيتش في مذكرة بحثية حديثة، إنّ "هناك مؤشرات على استعداد الرئيس التركي للابتعاد عن السياسات الاقتصادية غير التقليدية، ما أدى إلى زيادة تفاؤل المستثمرين تجاه بلاده".
ويضيف: "هذه التطورات مشجعة، ولكن لا ينبغي على المستثمرين التقليل من حجم التعديل الذي يحتاج الاقتصاد التركي إلى إجرائه، والمخاطر التي قد يعكسها إردوغان عن مساره قبل أن يبدأ التحول السياسي بالفعل".
ويأتي تعيين حفيظة أركان على رأس البنك المركزي التركي، ليعزز هذه التوقعات لدى المستثمرين، بحسب ما يؤكد المحلل الاقتصادي التركي المقرب من حزب العدالة والتنمية علاء الدين شنكولر، والذي قال لمنصة "المشهد": "أتوقع سياسة نقدية جديدة ومختلفة عما كان، لنعود إلى السياسات النقدية لما قبل 10 سنوات، والتي كانت ناجحة في تلك الأيام. ولا شك في أنّ أهم أهداف السياسة النقدية بالبنك المركزي، يتمثل في محاربة التضخم ووقف ارتفاع سعر الدولار والعملات الصعبة".
وأضاف: "أركان كانت ضمن فريق وزير المالية محمد شيمشك، وهناك ثقة عالية فيها، والأسواق في تركيا استقبلت هذا الأمر بشكل جيد"، مشيرا في الوقت نفسه إلى أنه "ليس هناك أيّ إشكالية أن يكون هناك امرأة على رأس البنك المركزي، خصوصا أنّ لها خبرات وتجارب مهنية في شتى بلدان العالم وكان آخرها الولايات المتحدة".
على النقيض من ذلك، يعتبر الخبير الاقتصادي مسلم طلاس، أنّ وصمة إفلاس بنك "فيرست ريبابليك" قد تلاحق أركان في منصبها الجديد، "صحيح أنها لم تكن مسؤولة وقت انهياره، لكنها كانت رئيسة تنفيذية مشاركة في البنك الأميركي قبل أقل من عامين".
وأمضت أركان ما يقرب من 8 سنوات في مناصب عدة ببنك "فيرست ريبابليك" الذي أفلس قبل أشهر، وأصبح ذلك البنك أكبر مصرف ينهار منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، بعد سيطرة المنظمين عليه وبيعه إلى "جيه بي مورغان".
ويضيف طلاس: "إردوغان عيّنها لتتبنى سياسة اقتصادية انكماشية وتقشفا قاسيا(..) الآن أتى بمصرفية لديها خبرة واضحة في تبني سياسات اقتصادية تقليدية لكبح التضخم، من خلال رفع أسعار الفائدة، وهي على خلفية وزير المالية نفسها".
ويؤكد الخبير الاقتصادي أنّ قيادة أركان للبنك المركزي التركي تعطي انطباعا مبدئيا حول "تحوّل إردوغان عن النمو المصطنع الذي كان خلال السنوات الماضية"، للمزيد من الانكماش ومحاربة التضخم الجامع، ما قد ينعكس أيضا سلبا على التوظيف والإنتاج في البلاد".
الليرة التركية
منذ عام 2021 فقدت العملة المحلية التركية أكثر من 60% ونحو 18% منذ بداية 2023 وحتى قبل إعادة انتخاب إردوغان، ولكن مع إعادة انتخابه تزايدت الضغوط بشكل كبير، إذ مُذّاك هوت الليرة أمام الدولار بنسبة 7%.
ويتوقع الخبراء الأتراك الذين تحدثوا لمنصة "المشهد"، أنّ تعيين أركان لن يمنع الليرة من التراجع خلال الأشهر المقبلة، مؤكدين أنّ العملة المحلية كانت عند مستويات أعلى من قيمتها الحقيقية.
ويرى طلاس أنّ "سعر صرف الدولار أمام الليرة سيواصل الارتفاع في السوق المحلية خلال الفترة المقبلة، حتى يستقر عند نطاق 25 ليرة للدولار الواحد"، مشيرا إلى أنه في أسوأ السيناريوهات سيكون الدولار عند 30 ليرة.
وصعد سعر صرف الدولار أمام العملة التركية إلى 23.4 ليرة للدولار الواحد في ختام تعاملات الجمعة، من 20.03 ليرة في ختام التعاملات الرسمية يوم 29 مايو الماضي، غداة إعادة انتخاب إردوغان.
بدوره يقول المحلل الاقتصادي المؤيد لإردوغان علاء الدين شنكولر: "الليرة التركية سوف تستمر في التراجع خلال الفترة المقبلة أمام الدولار، وأيضا في مقابل العملات الصعبة والذهب والمعادن الثمينة الأخرى".
وأضاف: "الليرة التركية كانت أعلى من قيمتها خلال الأشهر الماضية، ولابد أن تنخفض إلى قيمتها الحقيقية(..) أعتقد أنّ وزير المالية ورئيسة البنك المركزي سيسعيان لتحقيق ذلك"، مشيرا إلى أنه "في المستقبل ليس القريب، قد تعاود الليرة التركية الارتفاع مجددا".