أظهر تقرير حديث أن المليارديرات في الولايات المتحدة يدفعون ضرائب أقل نسبيا من كثير من الأسر الأميركية التي تعتمد على الرواتب، في وقت يتجدد فيه الجدل حول عدالة النظام الضريبي وطريقة التعامل مع الثروات الضخمة
وبحسب التقرير، فإن السبب الرئيسي يعود إلى أن المليارديرات لا يعتمدون على دخل العمل مثل بقية الأسر، بل على أصول ترتفع قيمتها بمرور الوقت مثل الأسهم والعقارات والشركات، وهي مكاسب لا تخضع للضريبة عادة إلا عند البيع.
دراسة من بيركلي ترصد فجوة ضريبية
استند التقرير إلى دراسة صدرت الصيف الماضي عن أساتذة في جامعة كاليفورنيا بيركلي، وخلصت إلى أن المعدل الضريبي الشامل الذي يدفعه أغنى الأميركيين أقل بنحو 20% من المعدل الذي تتحمله الأسرة الأميركية المتوسطة.
وقال أستاذ القانون في بيركلي براين جالي، إن الأسرة الأميركية المتوسطة غالبا ما تكون ثروتها الصافية عند مستوى قريب من الصفر بسبب وجود ديون كبيرة مقابل الأصول، معتبرا أن دفع المليارديرات ضرائب أقل من هذه الأسر يكشف خللا في عدالة النظام الضريبي.
كيف تدفع الأسر العادية ضريبة الدخل؟
يعتمد أغلب الأميركيين على الدخل المباشر من الوظائف، سواء عبر الأجور أو الرواتب السنوية، وهو دخل يخضع لضرائب تصاعدية تبدأ من 10% وتصل إلى 37% مع ارتفاع مستويات الدخل.
وضرب التقرير مثالا لأسرة دخلها 110 آلاف دولار سنويا وتقدم إقرارا ضريبيا مشتركا، حيث يبلغ الخصم القياسي لعام 2025 نحو 31,500 دولار، ما يخفض الدخل الخاضع للضريبة إلى 78,500 دولار.
وفي هذا المثال، يتم فرض ضريبة 10% على أول 23,850 دولارا بقيمة 2,385 دولارا، ثم 12% على المبلغ المتبقي البالغ 54,650 دولارا بقيمة 6,558 دولارا، ليصل إجمالي الضريبة إلى 8,943 دولارا ومعدل ضريبة فعلي يبلغ 8.13%.
المليارديرات يخفضون الدخل الخاضع للضريبة
أوضح التقرير، أن المليارديرات غالبا لا يحصلون على دخلهم من وظائف تقليدية، بل يتقاضى كثير منهم رواتب نقدية محدودة ويحصلون على الجزء الأكبر من ثرواتهم في صورة أسهم وحصص ملكية.
وهذه الأصول قد ترتفع قيمتها بقوة من دون أن تنتج دخلا خاضعا للضريبة، طالما لم يتم بيعها. ويعرف ذلك بمبدأ "التحقق عند البيع"، أي أن الضريبة لا تفرض إلا عند تحقيق المكسب فعليا من خلال البيع.
وبذلك يمكن أن ترتفع ثروة ملياردير بمليارات الدولارات في عام واحد من دون أن يسجل دخلا خاضعا للضريبة بنفس الحجم، ما يؤدي إلى فواتير ضريبية منخفضة مقارنة بحجم الثروة الحقيقي.
أغنى 400 أسرة تدفع أقل من بقية الأميركيين
خلصت دراسة بيركلي، بحسب التقرير، إلى أن أغنى 400 أسرة في الولايات المتحدة تدفع معدل ضريبة فعالا يبلغ 24%، بينما يدفع باقي الأميركيين نحو 30% في المتوسط.
وأشار براين جالي في تقريره "كيف نفرض ضريبة على فاحشي الثراء"، إلى أن فرض الضريبة عند البيع فقط يمنح أصحاب الثروات القائمة على الاستثمارات قدرة كبيرة على اختيار توقيت دفع الضريبة، وقد يمتد ذلك لسنوات طويلة.
يشرح التقرير، أن بعض الأثرياء يتقاضون تعويضا سنويا رمزيا للغاية، بينما تبقى ثرواتهم الحقيقية داخل أصول تنمو قيمتها باستمرار. وبهذا يظهرون ضريبيا كأصحاب دخل منخفض رغم امتلاكهم ثروات ضخمة.
وأضاف أن هذا النمط يفسر كيف كشفت تقارير سابقة عن تسجيل بعض كبار الأثرياء دخولا خاضعة للضريبة أقل من دخول بعض موظفي مصلحة الضرائب الذين يتولون مراجعة ملفاتهم.
استراتيجية "اشتر واقترض ثم ورث"
تطرق التقرير إلى واحدة من أشهر الاستراتيجيات المستخدمة بين الأثرياء لتقليل العبء الضريبي، وتعرف باسم "اشتر واقترض ثم ورث".
وتبدأ هذه الاستراتيجية بشراء أصول مرشحة للارتفاع مثل الشركات والأسهم والعقارات. ثم بدلا من بيعها ودفع ضرائب على الأرباح الرأسمالية، يتم الاقتراض بضمان هذه الأصول لتمويل النفقات المعيشية.
وبما أن القرض لا يعد دخلا خاضعا للضريبة، يستمر صاحب الثروة في الإنفاق من الأموال المقترضة بينما تواصل أصوله تحقيق مكاسب في القيمة.
وعند انتقال الأصول إلى الورثة، يتم تطبيق ما يعرف برفع أساس التكلفة الضريبية، وهو ما قد يقلص أو يلغي الضرائب المستحقة على مكاسب تراكمت خلال حياة المالك الأصلي.
لماذا الاقتراض أداة فعالة للأثرياء؟
أشار التقرير، إلى أن استخدام الأسهم أو الأصول كضمان للحصول على قروض أو خطوط ائتمان، يمنح الأثرياء شروط تمويل أفضل بفضل قوة الضمانات.
كما أن أموال القروض لا تعامل كدخل خاضع للضريبة، وفي بعض الحالات قد تكون فوائد القروض نفسها قابلة للخصم الضريبي، بينما تبقى الأصول الأساسية محتفظة بإمكانات النمو.
بحسب بيانات نقلها التقرير عن ProPublica، فإن استراتيجيات خفض الدخل لدى أغنى 25 مليارديرا في الولايات المتحدة سمحت لهم بدفع معدل ضريبة فعال بلغ 3.4% فقط، رغم ارتفاع ثرواتهم بأكثر من 400 مليار دولار بين 2014 و2018.
هل يمكن للأسر العادية تقليل العبء الضريبي؟
أوضح التقرير، أن معظم الأدوات المستخدمة لدى فاحشي الثراء ليست سهلة التطبيق على الأسر العادية، لكنه أشار إلى بعض الوسائل القانونية التي يمكن أن تساعد أصحاب الأصول والاستثمارات على خفض العبء الضريبي.
وتشمل هذه الوسائل زيادة المساهمات في حسابات التقاعد، والتبرع بأسهم ارتفعت قيمتها للحصول على خصومات ضريبية، وخصم بعض التكاليف المرتبطة بالعقارات الاستثمارية مثل الإهلاك والتأمين والفوائد.
كما تشمل استخدام كيانات مرور ضريبي، مثل الشركات ذات المسؤولية المحدودة والشراكات والصناديق الاستئمانية، إضافة إلى تعويض أرباح استثمارية بخسائر في أصول أخرى، وتتبع الفوائد والتبرعات والمصروفات التجارية القابلة للخصم.