تحاول الحكومة الإسرائيلية منذ الاجتياح البري لقطاع غزة في 27 أكتوبر الماضي، تحقيق انتصارات سياسية وعسكرية في ما يتعلق بتحرير الأسرى والقضاء على حركة "حماس"، لكن لا يبدو أنّ هناك إنجازات قريبة في الأفق، يمكن أن يستغلها رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو للترويج لإعادة انتخابه أو إنقاذ ما تبقى من مستقبله السياسي، خصوصًا في ظل احتدام المواجهات المباشرة وتكبّد الجيش خسائر بشرية كبيرة.
وأعلنت إسرائيل هذا الأسبوع عن أكبر خسائر في صفوف القوات في يوم واحد منذ مقتل 15 جنديًا في 31 أكتوبر الماضي، حيث نُصب كمين لقواتها في حيّ الشجاعية بمدينة غزة شمال القطاع، وسقط نتيجة ذلك 10 قتلى من بينهم ضباط كبار، ليصل عدد القتلى العسكريّين منذ الاجتياح البري إلى 116 قتيلًا، فيما هناك نحو 650 مصابًا.
ولم تمنع الخسائر الكبيرة نتانياهو الذي طفا الخلاف بينه وبين الإدارة الأميركية بشأن غزة ما بعد الحرب إلى العلن بشكل نادر، من تأكيده مجددًا على الأهداف المُعلنة، متعهدًا بمواصلة الحرب "حتى النصر وإبادة (حماس)".
هل تمثّل الخسائر البشرية نقطة الضعف؟
وتقترب الحرب في غزة بين إسرائيل و"حماس" من إتمام شهرها الثالث، لتكون ضمن أطول الحروب الإسرائيلية على القطاع الفلسطينيّ من حيث المدة الزمنية، بينما يرافقها أيضًا خسائر في الأصول العسكرية غير مُعلنة، وخسائر بشرية قياسية وصلت إلى 445 عسكريًا منذ 7 أكتوبر.
ولطالما كانت الخسائر البشرية في الجيش الإسرائيلي "تمثّل نقطة الضعف والأكثر حساسية لدى المجتمع، وعامل الضغط الأساسيّ على السياسيّين"، بحسب الباحث في الشؤون الإسرائيلية عصمت منصور، والذي يعتبر خلال حديثه مع منصة "المشهد"، أنّ "التردد في تنفيذ عمليات برية بقطاع غزة أو اختزالها في عمليات صغيرة في السابق، كان نتاج التخوفات من الخسائر البشرية".
لكنّ منصور عاد ليقول إنّ "هذه الحرب مختلفة، لأنّ المجتمع الإسرائيليّ ينظر إليها باعتبارها حربًا وجودية وعادلة ومبرّرة، خصوصًا أنّ (حماس) هي من اتخذت زمام المبادرة ويجب أن يكون هناك ردّ قويّ من قبل إسرائيل".
ويضيف منصور: "قضية الخسائر البشرية في هذه الحالة تكون ثانوية، ولا تؤثر على القرار الاستراتيجيّ للحرب".
ويؤكد وجهة النظر هذه، استطلاعات الرأي التي جرت في الأسابيع الأخيرة داخل إسرائيل، وأظهرت تأييدًا ساحقًا للحرب، على الرغم من ارتفاع كلفتها البشرية، إذ يشير استطلاع أجرته جامعة تل أبيب ونقلته وكالة "رويترز" إلى أنّ ما يقرب من 60% من الإسرائيليّين، بما في ذلك 40% من عرب إسرائيل، يعتقدون أنّ تدمير "حماس" بأيّ طريقة ممكنة، هو الهدف الأكثر أهمية للحرب.
على النقيض، يرى المحلل السياسيّ الفلسطينيّ والباحث في العلاقات الدولية أشرف عكّة، أنّ "الخسائر البشرية الكبيرة في الجيش، ستضع رئيس الوزراء وقادة الجيش في مرمى الانتقادات خلال الفترة المقبلة"، قائلًا خلال حديثه مع منصة "المشهد"، إنّ "هناك بعض الأصوات تعتبر أنّ نتانياهو دفع بالجنود والضباط إلى معركة خاسرة".
ويضيف عكّة: "المقاربة التدميرية في غزة منذ اندلاع الحرب تثير التساؤلات حول جدوى القصف الجوّي والمدفعيّ المكثّف على قطاع غزة قبل تنفيذ عملية التوغل البري"، مشيرًا إلى أنّ "الجيش الإسرائيليّ يعيش الآن على واقع حرب استنزاف، رغم كل هذا الدعم والتأييد الذي تلقاه العملية العسكرية بزعم القضاء على (حماس) وجعلها لا تُشكل أيّ تهديد مستقبلي".
نتانياهو يراهن على مفاجآت الحرب
وتحولت غزة إلى مدينة أنقاض بفعل القصف الإسرائيلي المتواصل حتى اللحظة، إذ تشير وكالات الإغاثة الدولية إلى تدمير 40 ألف مبنى، ونزوح 85% من السكان إلى جنوب القطاع. فيما لا تزال "حماس" وفصائل فلسطينية أخرى قادرة على إطلاق رشقات صاروخية، رغم تراجع حدّتها وهو الأمر الذي يعتبره مراقبون خلال حديثهم مع "المشهد"، "فشلًا إسرائيليًا في تحقيق هدف تقويض قوة (حماس)".
ويعتبر المحلّل السياسيّ ومستشار مركز الروابط للدراسات السياسية والاستراتيجية إياد العناز، أنّ "نتانياهو لم يتمكن حتى اللحظة عبر العمليات العسكرية والأمنية من تحقيق هذه الأهداف أو إنجازها بالشكل الذي كان يعمل عليه".
ويضيف: "أصبح واضحًا للجميع أنّ نتانياهو يسعى إلى إطالة أمد الحرب لتحقيق إنجاز شخصيّ يبتعد به عن المحاكمات القضائية، وذلك على الرغم من الخسائر ليس فقط في الميدان العسكري، وإنما أيضًا سياسيًا في ما يتعلق بالعلاقات الدولية نتيجة استهداف المدنيّين".
وأقر رئيس الوزراء الإسرائيلي هذا الأسبوع بوجود ضغوط دولية على بلاده لإنهاء الحرب في غزة، غير أنه وصفها بأنها "لا تتّسق مع دعم هدف الحرب المتمثل في القضاء على (حماس)".
ويؤكد الباحث في الشؤون الإسرائيلية عصمت منصور، أنّ "مصير نتانياهو أصبح متعلقًا بهذه الحرب أكثر من أيّ شيء آخر، على الرغم من تراجع شعبيّته في الوقت الراهن، والضغوط الدولية وتباين وجهات النظر مع إدارة بايدن حول مرحلة ما بعد الحرب".
ويراهن رئيس الوزراء الإسرائيليّ "على خروجه بنتيجة حاسمة وغير خاضعة للنقاش في ما يتعلق بمستقبل (حماس) والقضاء على أحد قيادات الصفوف الأولى من الحركة، أو تحقيق انتصارات ليست شكلية، بل جدّية في ما يتعلق بتحرير جزء كبير من الأسرى"، بحسب ما يضيف منصور، والذي يقول: "نتانياهو يراهن أنّ كل اليوم من الحرب يمكن أن يحمل مفاجأة من هذا النوع لتغيير مصيره ومصير الحرب ونتائجها، لهذا يرغب في استمرارها".
ويتفق مع هذا أيضًا المحلل السياسيّ أشرف عكّة، مشيرا إلى أنّ "نتانياهو لا ينظر إلى الخسائر البشرية، وأنه يمتلك مقاربة خاصة تضمن مصالحة وتهدف إلى إنقاذ مستقبله السياسي".
ويضيف عكّة: "خطابات نتانياهو أخذت مؤخرًا شكلًا من أشكال الدعاية الانتخابية، حيث أراد أن يقول إنه القائد والسياسيّ الإسرائيليّ الوحيد الذي يستطيع أن يحمي البلاد ويرفض الضغوط الدولية".
وتعرض نتانياهو خلال الأيام القليلة الماضية إلى انتقادات واسعة من المعارضين ووسائل الإعلام العبرية، والتي اعتبرت أنه يحاول استثمار صدمة الإسرائيليّين وغضبهم في أعقاب 7 أكتوبر لصالح أهدافه الانتخابية، بعد تراجعه في استطلاعات الرأي الأخيرة.
وذكرت صحيفة "هآرتس" في تقرير لها قبل أيام، أنّ نتانياهو أطلق حملته الانتخابية يوم 12 ديسمبر، للانتخابات المتوقّع حدوثها في منتصف عام 2024، من خلال فيديو قصير على مواقع التواصل الاجتماعي. ووجّه زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد انتقادات لاذعة أيضًا لنتانياهو، متهمة إياه بـ"الإفلاس السياسيّ والأمني".
متى قد تتوقف الحرب في غزة؟
يعتقد الخبراء والمحللون الذين تحدثوا مع منصة "المشهد"، أنّ تزايد الانتقادات للحكومة الإسرائيلية مع ارتفاع الخسائر البشرية لا يعني بالضرورة اقتراب الحرب من نهايتها، إذ يقول الباحث في الشؤون الإسرائيلية عصمت منصور، إنّ "الخسائر بهذا الشكل والعدد لا تزال مقبولة، ولن تدفع بأيّ حال من الأحوال إلى وقف الحرب".
ويضيف منصور: "لكن إذا حدثت خسائر كبيرة جدًا مثل سقوط العشرات يوميًا من الجنود، مع تنامي شعور بعدم الجدوى، يمكن لنتانياهو أن يكتفي بمفهوم سقوط نظام (حماس) في غزة وعدم عودته من جديد"، مشيرًا إلى أنه "لا يمكن فعلًا أن تعود الحركة الفلسطينية من جديد إلى غزة بسبب الدمار الهائل الذي خلّفته إسرائيل".
ويرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية أنّ "الولايات المتحدة هي الوحيدة القادرة على إنهاء الحرب من خلال الضغوط التي قد تمارسها على إسرائيل، في ظل الظروف الراهنة وارتفاع أعداد القتلى المدنيّين بشكل كبير في قطاع غزة".
وبحسب أحدث بيانات صادرة عن وزارة الصحة في غزة، ارتفعت حصيلة القتلى إلى 18,787 منذ 7 أكتوبر الماضي، بالإضافة إلى ما يقرب من 60 ألف مصاب.
بدوره، يتوقع المحلل السياسيّ الفلسطينيّ أشرف عكّة أن تفقد الحرب في غزة زخمها خلال الشهور القليلة المقبلة، "لكن هذا لن يمنع من استمرار عمليات الجيش الإسرائيلية الطويلة حتى نهاية 2024".
ويقول عكّة: "لهذا يتحدث قادة الجيش حول صعوبة العملية وتعقد تحقيق أهدافها الرئيسية، وهو الأمر الذي يمهد إلى ضرورة تحمل الخسائر البشرية مع استمرار الحرب".
وتحدثت تقارير إعلامية غربية خلال ديسمبر الجاري، عن ضغوط تمارسها الولايات المتحدة على الحكومة الإسرائيلية لإنهاء الحرب خلال أسابيع وليس أشهرًا، حيث نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أميركيّين قولهم، إنّ إسرائيل لم تقدّم أيّ ضمانات بشأن إنهاء الحرب كما تطلب إدارة بايدن "لكنهم أعربوا عن اهتمامهم بالعودة إلى الحياة الطبيعية، حتى لا تتعرض البلاد لضربة اقتصادية".
وفي إشارة علنية إلى استمرار الحرب في غزة، أبلغ وزير الدفاع يوآف غالانت مستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض جيك سوليفان والذي يزور إسرائيل، أنّ الأمر سيستغرق أشهرًا عدة لإلحاق الهزيمة بحركة "حماس" في قطاع غزة، قائلًا: "قامت (حماس) منذ أكثر من 10 سنوات ببناء بنيتها التحتية تحت الأرض وفوق الأرض،. وسيتطلب تدميرها فترة طويلة من الوقت ستستمر أكثر من بضعة أشهر".
(المشهد)