في وقت حذّرت فيه الخارجية المصرية من "مخاطر جمّة" على مصر والسودان ومطالبتها الدول العربية بدعم القاهرة والخرطوم في قضية سدّ النهضة، جاء الرد الإثيوبي باستكمال الإنشاءات الجارية والتعلية في السدّ لتجهيزه للتعبئة الرابعة.
وبالفعل، صدر قرار عربي عن المجلس الوزاري للجامعة يدعم مصر والسودان، قابله ردّ مقتضب من الخارجية الإثيوبية بحصر المفاوضات برعاية الاتحاد الإفريقي.
مخاطر التصعيد الإثيوبي
وعن المخاطر التي تحدث عنها وزير الخارجية المصري سامح شكري في الجامعة العربية، يوضح الخبير في العلاقات الدولية أحمد سيد أحمد أن "استمرار إثيوبيا في بناء وتشغيل سدّ النهضة من دون تنسيق مع مصر والاستمرار بالملء الأحادي والبدء في الملء الرابع في إبريل المقبل تمثّل تهديدات هائلة لمصر فيما يتعلق في حصتها المائية ونقص 13 مليار متر مكعب من المياه".
وأضاف أحمد: "هذا يؤثر على أزمة المياه في مصر والأمن الغذائي على الزراعة وشتى مجالات الحياة على الرغم من كل إجراءات الحكومة للتكيف مع هذا النقص، سواء من تحلية وترشيد وإلى غير ذلك".
يذكر أن المرحلة الأولى لملء سدّ النهضة كانت في يوليو 2020، وخزّنت إثيوبيا خلالها نحو 5 مليارات متر مكعب من المياه.
وفي عام 2021، استهدفت أديس أبابا من المرحلة الثانية للملء تخزين نحو 13.5 مليار متر مكعب من المياه.
وفي أغسطس الماضي، أعلنت الحكومة الإثيوبية أنها أكملت التعبئة الثالثة لسدّ النهضة بحجم 22 مليار متر مكعب من المياه.
أما التعبئة الرابعة خلال العام الجاري، فتستهدف الوصول بحجم المياه التي سيَجري تخزينها في السدّ إلى 40 مليار متر مكعب.
وشدد أحمد على أن "مصر تعاني خصوصا مع ازدياد عدد السكان وارتفاع نسب الفقر المائي والتأثير على الزراعة خصوصا مع ارتفاع أسعار الحبوب عالميا مما أجبر مصر على زراعتها محليا وهي تتطلب كميات كبيرة من المياه"، مشيرا إلى أن "هناك مخاطر اقتصادية واجتماعية ومشاكل السلامة فيما يتعلق بانهيار السدّ".
وعن تداعيات استكمال التعبئة، يقول الخبير في العلاقات الدولية المصري سمير راغب إن "الأمر سيؤدي إلى مشاكل عدة كالتصحر وانخفاض الحصة المائية خصوصا لمصر لأن كل مليار متر مكعب سينقص سيؤثر على مساحات هائلة لن تُزرع"، متوقعا حدوث "أزمات مالية واقتصادية فضلا عن ازدياد الضغط وإمكانية انهيار السدّ"، متفقا مع أحمد بذلك.
وأشار راغب إلى أنه "لا خلفية لدينا لتصميم السدّ وعوامل الأمان فيه، والجانب الإثيوبي رفض الإفصاح عنه"، مضيفا "لو انهار السدّ سيمحو وادي النيل في السودان من الخريطة لارتفاع المياه فوق الخرطوم 15 مترا، لكن في مصر فإن التأثيرات أقل نظرا لبحيرة السدّ العالي وفترة الإنذار واتخاذ تدابير كما أن السودان لا يوجد لديه وسائل تضمن السلامة".
اللجوء إلى مجلس الأمن
وعمّا يجب على مصر فعله، يقول أحمد إن "شكري أكد أنه على مدار سنوات وعقود من الزمان ماطلت إثيوبيا وراوغت ولم تتجاوب مع مطالب مصر والسودان في التوصل لاتفاق قانوني ملزم بقواعد لسدّ النهضة يقوم على المصالح المشتركة"، لافتا إلى أن بلاده "ستلجأ إلى كل الخيارات السلمية التي تؤكد على ضرورة حماية أمنها المائي".
وبيّن أن "مصر لجأت إلى مجلس الأمن في مناسبتين اثنتين، كان آخرها في سبتمبر 2021 عندما أصدر المجلس بيانا يدعو إلى ضرورة التوصل لاتفاق ملزم بين الدول الثلاث، وأوكل ملف سدّ النهضة إلى الاتحاد الإفريقي، لكن منذ تلك الفترة لم يحدث أي حراك أو تفاوض بسبب التعنت الإثيوبي وبسبب ضعف وتراخي الموقف الدولي".
وشدد على أن "مصر قد تلجأ إلى مجلس الأمن في إطار النهج الذي يقوم على خلفية واضحة وهي أن مصر تستنفذ كل السبل الدبلوماسية وتلجأ لكل المنظمات الدولية خصوصا الأمم المتحدة ومجلس الأمن وهي الجهة المنوط بها حفظ الأمن والسلم الدوليين"، معتبرا أن "تهديد أمن مصر المائي يهدد السلم العالمي، وهي قضية وجود بالنسبة لمصر".
بدوره، يؤكد راغب أن "مصر ستحتاج مجلس الأمن للمرة الثالثة، وتكمن الفكرة في الحفاظ على الملف ضمن الأجندة الدولية وما يحصل بالاتحاد الإفريقي وهو مخول للقيام كما هو محدّد بالفصل 8 للولايات المتحدة كبديل لمجلس الأمن، لكن لا تكون واضحة على الأجندة الدولية".
وأضاف "حتى عند طرح الموضوع هناك من امتنع عن التصويت وهناك من طلب عدم العرض وكل ذلك يتيح لمصر التعبير عن صوتها ليصل العالم".
وأوضح أن "أغلب العمليات التي تتم خارج مظلة الأمم المتحدة يكون لها رأي عالمي مهم يتم لها"، مبينا أنه "على سبيل المثال كما حل في إسقاط حكم العراق وكما يحل الآن في عدم مواجهة روسيا وإرسال الملف للأمم المتحدة".
قوة السلاح
وأشار راغب إلى "وجود عقبات داخل مجلس الأمن في الأعضاء الدائمين يمنع اتخاذ قرارات في الفصل 7 من سقف الأمم المتحدة، والفيتو الصيني والروسي مستعد، لكن السيّر في هذه الخطوة يسهّل الخطوات اللاحقة مثل الوسطاء والتحكيم الدولي وكافة الحلول السلمية".
وتابع: "فكرة أن الدولة ليست دائمة العضوية في مجلس الأمن مثل إثيوبيا أن تضرب باتفاقية ثلاثية بعرض الحائط وإنها لا تعمل ثقل للاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية ولا للأمم المتحدة وهذه سابقة في السدود وموضوع المياه، لكن يحق لأي دولة أن تفرض أمر واقع، حتى لو بقوة السلاح".
ويعتمد 90% من المصريين على مياه النيل، لذلك فإن مصر متمسكة بضرورة إعمال قواعد القانون الدولي للأنهار المتعلقة بالأخطار المسبقة والتنسيق وعدم الإضرار، بحسب أحمد.
(المشهد)