مأزق إستراتيجي.. إيران أمام 3 خيارات صعبة مع استمرار الهدنة

آخر تحديث:

شاركنا:
إيران أمام مأزق استراتيجي متعدد المسارات في ظل تصعيد الضغوط الأميركية وامتداد الهدنة (رويترز)
هايلايت
  • إيران تواجه مأزقًا إستراتيجيًا متصاعدًا في ظل الضغوط الأميركية.
  • 3 مسارات رئيسة تحكم خيارات طهران وجميعها باهظة الكلفة إستراتيجيًا.
  • مراقبون: الاستمرار في حالة "اللا حرب واللا سلم" هو السيناريو الأخطر.

مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار مع إيران، بينما تباشر باكستان الاضطلاع بمهام الوساطة ومحاولة استئناف محادثات التفاوض، فإنّ إيران تواجه مأزقًا إستراتيجيًا متصاعدًا في ظل الضغوط الأميركية المتزايدة، خصوصًا مع تشديد الحصار البحري وتقييد حركة السفن نحو الموانئ الإيرانية، ما انعكس مباشرة على الاقتصاد، والأمر ذاته لشبكات النفوذ المرتبطة بـ"الحرس الثوري" الذي يدير جزءًا واسعًا من أنشطة النفط والتهريب، بحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".


3 مسارات رئيسة

وقد بدا لافتًا أنّ إعلان ترامب تمديد وقف إطلاق النار، قد جاء في غضون ساعات قليلة من تصريحات سابقة تصعيدية، ألمح فيها إلى أنّ الخيار العسكري لا يزال مطروحًا.

وقال ترامب عبر منصته "تروث سوشيال"، إنّ قراره جاء "استنادًا إلى الانقسامات الواضحة داخل الحكومة الإيرانية"، مضيفًا أنّ باكستان، ممثلة في قائد الجيش المشير عاصم منير ورئيس الوزراء شهباز شريف، طلبت من واشنطن تعليق الهجوم إلى حين تمكين القادة الإيرانيين من التوافق على رؤية تفاوضية موحدة.

فيما أوضح الرئيس الأميركي أنه أصدر أوامره للجيش بمواصلة الحصار البحري المفروض على إيران، مع إبقاء القوات في حالة جاهزية واستعداد كاملين، مشيرًا إلى أنّ وقف إطلاق النار سيستمر إلى حين تسليم المقترح الإيراني وانتهاء النقاشات "بطريقة أو بأخرى".

الرد الإيراني

لكنّ إعلان ترامب قوبل برد إيراني سريع وحاد. إذ اعتبر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي يقود مسار التفاوض الإيراني في المرحلة الراهنة، أنّ الخطوة الأميركية محاولة للضغط وفرض الإملاءات.

ووصف مهدي محمدي، مستشار رئيس البرلمان، تمديد وقف إطلاق النار بـ"خدعة لكسب الوقت تمهيدًا لضربة مباغتة". وتابع: "الوقت حان لتتحرك إيران وتبادر"، معتبرًا أنّ استمرار الحصار البحري "يجب أن يواجَه برد عسكري". 

وفيما يبدو أنّ الحصار البحري الذي تفرضه البحرية الأميركية على الموانئ الإيرانية، بات العقبة الرئيسة أمام عقد جولة ثانية من المحادثات، إذ تشدد طهران على أنّ إنهاء الحصار هو شرط أساسي لاستئناف المفاوضات.

غير أنّ الرئيس الأميركي قد خلص وفريقه إلى تبني مقاربة مفادها مواصلة الضغط على إيران إلى أجل غير مسمى، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" اليوم، وذلك إلى حين تقديم طهران عرضًا ملموسًا يمكن البناء عليه في إطار المفاوضات مع واشنطن.

وتعاود هذه الصيغة أو المقاربة الإلحاح على الإستراتيجية الأميركية التي تقوم على إبقاء أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري قائمة، من دون تعيين سقف زمني واضح، مع ربط أيّ تغيير في هذا النهج، بمدى استجابة إيران لمطالب واشنطن وتقديمها مقترحًا عمليًا للتسوية.

مأزق إستراتيجي

وبحسب المحلل السياسي الإيراني وجدان عبد الرحمن، فإنّ النظام الإيراني يواجه "مأزقًا حقيقيًا وكبيرًا"، في ظل الضغوط التي فرضتها إدارة ترامب، خصوصًا ما يتعلق بمضيق هرمز ومنع السفن من الوصول إلى الموانئ الإيرانية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الإيراني، وعلى "الحرس الثوري" الذي يهيمن على جزء كبير من عمليات تهريب النفط داخل البلاد.

وفي حديثه لـ"المشهد" يشير المحلل السياسي الإيراني إلى 3 خيارات، جميعها صعبة ومعقدة أمام إيران:

  • الخيار الأول: الرضوخ للشروط الأميركية، أو ما يمكن تسميته بشروط ترامب، بما يعني القبول بالتنازلات مقابل رفع الحصار واستعادة القدرة على تصدير النفط. غير أنّ هذا الخيار يكاد يكون مستحيلًا؛ لأنّ المؤسسة العسكرية، وعلى رأسها "الحرس الثوري"، قد تكبّدت خسائر كبيرة على مستوى الاقتصاد والقيادات. بالتالي فإنّ القبول بالاستسلام يُعد ضربة مباشرة لعقيدتها ومشروعها، وهو ما يجعل هذا الخيار غير قابل للتنفيذ.

  • الخيار الثاني: محاولة كسر الحصار، وهو خيار يبدو نظريًا ممكنًا، لكنه عمليًا شديد الصعوبة. فإيران لا تمتلك المقومات العسكرية الكافية لمواجهة الوجود البحري الأميركي الكثيف في المنطقة. ومع تراجع قدرات البحرية الإيرانية بشكل كبير، واعتمادها أساسًا على الزوارق السريعة، فإنها لا تستطيع خوض مواجهة بحرية مفتوحة لفك هذا الحصار. لذلك، فإنّ خيار كسر الحصار يبدو بدوره غير قابل للتحقيق.

  • الخيار الثالث: الاستمرار في سياسة "اللا حرب واللا سلم". لكنّ هذا الخيار، الذي استخدمته إيران سابقًا، لم يعد قابلًا للتطبيق في ظل الظروف الحالية. فالوضع هذه المرة مختلف، لأنّ الحصار لا يستهدف فقط الاقتصاد أو المواطن، بل يطال بشكل مباشر بنية "الحرس الثوري" ومؤسساته، بما في ذلك مقارّ مثل "خاتم الأنبياء"، ما يعني أنّ كلفته ستكون عالية على النظام نفسه، وليس فقط على الشعب. وفي السابق، كان النظام يوظف معاناة المواطن كورقة ضغط سياسية، أما الآن فإنّ الضرر يمسّ صلب المؤسسة الحاكمة.

بناءً على ذلك، يمكن القول إنّ الخيارات جميعها مغلقة أو شبه مستحيلة، على حد توصيف عبد الرحمن، وهو ما يضع النظام الإيراني، تحديدًا "الحرس"، في مأزق إستراتيجي يصعب الخروج منه من دون كلفة كبيرة أو تحوّل جذري في السلوك السياسي.

التصعيد القائم

يتفق والرأي ذاته، المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة الدكتور كمال الزغول والذي يقول لـ"المشهد"، إنّ أمام إيران بالفعل 3 سيناريوهات رئيسة في ظل التصعيد القائم مع الولايات المتحدة، وكل منها يحمل كلفة سياسية وأمنية مرتفعة.

ويرى الزغول أنّ السيناريو الأول يتمثل في الذهاب إلى طاولة المفاوضات والقبول بالشروط الأميركية بالكلية، بما يتيح للرئيس ترامب تقديم ذلك كـ"إنجاز سياسي" ورسالة داخلية مفادها تحقيق الانتصار"، ومن ثم، الخروج من الأزمة بصورة محسوبة، مع توظيف النتائج لتبرير مسار الحرب والإجراءات العسكرية التي اتخذت.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار حالة "اللا حرب واللا سلم"، وهو وضع قد يقود إلى مواجهات متقطعة وصدامات غير مباشرة. إلا أنّ هذا السيناريو يبرز وكأنه "محاولة أميركية لتوسيع دائرة المواجهة"، عبر إشراك دول أوروبية ودول مستفيدة من تدفقات الطاقة في حماية الممرات البحرية، خصوصًا مضيق هرمز، إلى جانب تعزيز منظومة العقوبات والضغط الجماعي على إيران.

في حين يتمثل السيناريو الثالث في انزلاق إيران إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، لجهة كسر الحصار، وهو ما يعني عمليًا إعلان حرب مفتوحة، ويمنح واشنطن مبررًا لتوسيع عملياتها العسكرية بدعوى حماية الأمن القومي الأميركي، بما قد يقود إلى تصعيد واسع النطاق.

السيناريو الأخطر

من ثم، يُعد سيناريو "اللا حرب واللا سلم" الأخطر بالنسبة لاستقرار المنطقة، إذ يكرّس حالة من "الجمود الإستراتيجي" المستمر، ويستند إلى نموذج يقوم على إدارة التوتر من دون حسمه، بحسب المراقب الدولي العسكري السابق لدى الأمم المتحدة، حيث إنّ هذا النمط من إدارة الصراع، يرتبط بتوظيف سياسي طويل الأمد، ويهدف إلى إبقاء المنطقة في حالة ضغط مستمر تسمح بإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، من دون الوصول إلى تسوية نهائية أو انفجار شامل.

بذلك، تبدو السيناريوهات المطروحة محكومة بـ"معادلة مفتوحة على التصعيد أو الاستنزاف"، كما يشير المصدر ذاته، خصوصًا في ظل غياب أفق واضح لحل سياسي شامل أو حسم عسكري نهائي. 

(المشهد)