أثارت تصريحات وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين حول لجوء العراق خلال الأشهر الماضية إلى طباعة 25 ترليون دينار عراقي (نحو 19 مليار دولار أميركي) لسد النفقات وتوزيع رواتب الموظفين الحكوميين، موجة من الجدل الواسع في الأوساط الاقتصادية والشعبية العراقية.
وصرّح حسين خلال لقاء تلفزيوني يوم السبت الماضي، أن حاجة العراق لسد النفقات ارتفعت إلى 125 ترليون دينار عراقي بعد أن كانت 105 ترليونات ما أجبر البنك المركزي العراقي على طباعة 25 ترليون دينار عراقي خلال الأشهر الماضية التي شهدت الحرب الأميركية الإيرانية، وما نتج عنها من إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط العراقية.
وأوضح حسين، أن طباعة العملة لا تمثّل حلاًّ للمشاكل المالية، بل على العكس ستؤدي إلى التضخم وانخفاض القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار في الأسواق. مؤكداً أنه يتم حالياً دفع رواتب الموظفين من خلال الاحتياطي المالي، وفي حال استمرت الحرب الأميركية الإسرائيلة إلى نهاية العام 2026، سيعيش العراق كارثة مالية وسيصبح عاجزاً عن دفع رواتب الموظفين لانعدام العوائد النفطية.
وسارع البنك المركزي العراقي إلى نفي تصريحات حسين، مؤكداً في بيان رسمي أن طباعة العملة إجراء محظور بموجب قانون البنك المركزي العراقي رقم 56 للعام 2004، وأن طباعة العملة تعني إصدار نقود جديدة بلا مقابل تُضخ في الأسواق مايؤدي إلى تضخم مباشر وتآكل في قيمة الدينار، كما أنه لا يمكن استردادها وستشكل عبئاً نقدياً دائماً.
وبعد يوم واحد من تصريحات وزير الخارجية فؤاد حسين، سجل الدينار العراقي انخفاضاً مقابل الدولار في بورصتي بغداد وأربيل، حيث ارتفع سعر الدينار العراقي إلى 1550 بعد أن كان 1490 للدولار الواحد في السوق الموازية. ماوصفه مراقبون بأنه انعكاس لصورة الاقتصاد العراقي الهش وغياب الثقة بين المواطن والحكومة.
هل طبع العراق العملة؟
وفي هذا السياق، يقول المستشار الاقتصادي السابق في الحكومة العراقية الدكتور علاء الدين القصير، لمنصة "المشهد"، إن تصريح وزير الخارجية فؤاد حسين يتناقض مع تصريح رئيس الحكومة علي الزيدي الذي أكد مؤخراً أن الرواتب مؤمنة للموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية، لذلك نرى أن مثل هذه التصريحات المتعلقة بقوت الشعب العراقي وهو بالأساس شعب متعب، تخلق مشاكل اجتماعية معقدة.
ووجه القصير عبر منصة "المشهد" مناشدة للحكومة العراقية، بضرورة الخروج بتصريح رسمي يشرح للشارع العراقي مستويات الأزمة المالية وكيفية حلها، وأن يتم إيقاف التصريحات الإعلامية المتناقضة وحصرها بالبنك المركزي العراقي ووزارة المالية العراقية.
وكشف القصير، عن تحركات اقتصادية لحل الأزمة المالية، حيث طالب عدد من الخبراء والمستشارين الاقتصادين السابقين، بالاجتماع برئاسة مجلس الوزراء لتقديم حلول للأزمة المالية عبر الكشف عن جدول ديون الحكومة وتنظيم بيع النفط على مبدأ النفط مقابل البناء بدلاً من انتظار الحل من الولايات المتحدة الأميركية.
وكان وزير الخارجية فؤاد حسين أشار خلال تصريحه إلى حاجة العراق لدعم مالي من قبل دول الخليج العربي أو الدول الاوروبية لتجنب ما وصفها بالكارثة المالية المقبلة على العراق، عن ذلك يجيب القصير: "دول الخليج العربي تعرضت لهجمات من قبل الفصائل العراقية المسلحة مؤخراً، وهي تعيش نفس الأزمة المالية نتيجة إغلاق مضيق هرمز، لذلك نؤكد أن الحل داخلي عراقي عبر تفعيل دور الخبراء الاقتصاديين ووضع خطة مستقبلية لتحسين الاقتصاد العراقي".
وجاء في بيان البنك المركزي العراقي، الذي رد من خلاله على تصريحات حسين، أن هنالك فرقاً جوهرياً بين "خصم حوالات الخزينة" وبين "طباعة العملة" من الناحيتين الفنية والاقتصادية، وعن الفرق بينهما يقول الخبير المالي والمصرفي عبد الرحمن الشيلخي، لمنصة "المشهد"، إن خصم حوالات الخزينة إجراء طبيعي تقوم به جميع البنوك عندما تتعرض لنقص في السيولة المالية، حيث تستدين البنوك المركزية من المصارف مبالغ مالية لفترة وجيزة لا تتجاوز 6 أشهر على أن تسددها لاحقاً وبنسبة فائدة 2% يحصل عليها المصرف، ويمكن تسميته بـ(دين داخلي بقائدة مالية).
أما طباعة العملة، فهي إجراء مختلف تماماً، يؤدي إلى التضخم ويقلل ثقة المواطن بالدينار العراقي من جهة وثقة الشركات والمصارف العالمية العاملة بالعراق من جهة أخرى، لأن ضخ الأموال في السوق دون مقابل سيؤدي لانهيار قيمة الصرف ويربك عمل هذه الشركات والمصارف كما حدث مع الليرة اللبنانية خلال أزمة البنوك في خريف 2019. بحسب الشيخلي.
أزمة ثقة
ورغم أن إغلاق مضيق هرمز يشكل عاملًا رئيسيًا في نقص السيولة في البنوك العراقية، إلا أن هنالك عاملاً آخر أكثر تجذراً في المجتمع العراقي، وهو غياب الثقة بالبنوك العراقية، ما دفع العراقيين للامتناع عن إيداع أموالهم فيها، وتفضيلهم اكتنازها أو تخزينها في منازلهم أو شركاتهم، فأصبح البنك المركزي العراقي أكثر حاجة للدينار العراقي المخبأ في بيوت العراقيين. خصوصًا أن كتلة الرواتب يتم توزيعها بالدينار.
ويشرح الشيخلي، أن المصارف والبنوك بصورة عامة تحتاج إلى سيولة مالية، وفي ظل غياب الثقة بين المصرف والمواطن فإن حركة دوران الأموال في هذه البنوك شبه متوقفة، مضيفاً: 85% من الكتلة النقدية المصدرة مكتنزة في بيوت العراقيين، ماجعل وزارة المالية بحاجة ماسة للدينار لتسديد الرواتب.
ويوضح الشيخلي، أن أكثر من 100 مليون دينار عراقي خارج المصارف، لأنّ المواطن ليس لديه ثقة بالبنوك العراقية، إضافة إلى الضرائب المرتفعة والإجراءات الروتينية المعقدة في عمليات السحب والإيداع، إلا أنّ السياسة الخاطئة لوزارة المالية هي التي أدت إلى هذه النتائج، فمنذ العام 2003 لم تغير الوزارة نظامها إلى نظام السوق بل استمرت بالعمل في النظام الشمولي المعمول به سابقاً.
ويرى الشيخلي، أن نظام السوق هو الحل الأمثل لمسألة نقص السيولة، لأنه يقوم على خطة واضحة تضعها وزارة المالية لتسهيل عمليات الإيداع والسحب ولكسب ثقة المواطن، ليتخذ خطوة إيداع أمواله في البنوك بدلاً من اكتنازها في بيته أو شركته أو خزنته الخاصة. وزااة المالية تفتقر إلى خطة واضحة لتأسيس نظام اقتصاديّ عراقيّ آمن وموثوق لدى الموطنين.
القانون يحظر طباعة العملة
وعلى المستوى القانوني، يقول المحامي والمستشار القانوني والأستاذ في كلية القانون بجامعة المستقبل الدكتور آركان الحمداني، لمنصة "المشهد"، إن القانون العراقي يمنع طباعة العملة وضخها في السوق بطريقة مباشرة، كما يمنع التلاعب بالأصفار أو بقيمة الورقة النقدية. لأن هذه الإجراءات ستودي لانهيار قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي، لذلك لا أتوقع أن وزارة المالية قادرة على اتخاذ هذه الخطوة بسهولة.
ويوضح الحمداني، أن تصريحات حسين جاءت انعكاساً لغياب الكاش (الدينار العراقي) لعدة أسباب:
- البنك الفيدرالي الأميركي كان يرسل للعراق إيرادات بيع النفط بالدولار، ثم يدخل هذا الدولار إلى مزاد العملة للحصول على الدينار، لكن بعد الحرب وتضييق الخناق على مزاد العملة نتيجة لعمليات تهريب الدولار، انخفضت كميات الدينار في البنك المركزي العراقي.
- المواطن العراقي يخاف من إيداع أمواله في البنوك العراقية، لغياب الثقة بينهما، ما خلق أزمة نقدية لدى الحكومة، لأن مصارفها خالية من الدينار، فكيف ستحول الدولار الذي يصلها من الفيدرالي الأميركي إلى دينار عراقي حتى تؤمّن الرواتب؟
- حاول العراقيون إيداع أموالهم في لبنان وإيران، لكن بعد الأزمات المالية والبنكية التي مرت بالبلدين عادوا لتخزينها واكتنازها في منازلهم. ماولّد أزمة الكاش العراقي، أي أن الدولة تريد أن تدفع بالدينار لكنها لا تملكه، فتذهب إلى الحل الأخير وهو طباعة العملة.
- المصارف تعمل من خلال ودائع الناس، تدور هذه الودائع وتعمل بالقروض الداخلية، يمكن للدولة حينها أن تقترض اقتراضًا داخليًا من هذه المصارف، إلا أن ميزانية الرواتب عالية جداً وكلها بالدينار.
ويعتمد الاقتصاد العراقي بشكل شبه كامل على عائدات النفط التي تشكل نحو 95% من إيرادات الموازنة، وخلال الحرب الأميركية الإيرانية ومانتج عنها من إغلاق مضيق هرمز في وجه ناقلات النفط العراقية، انخفضت قدرة الحكومة على تمويل النفقات التشغيلية، خصوصاً الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية، التي تقدّر بنحو 9 تريليونات دينار (6.8 مليارات دولار) شهرياً.
(المشهد - العراق)