نقطة الانطلاق نحو دونباس.. لماذا صمدت باخموت أمام القوات الروسية؟

آخر تحديث:

شاركنا:
القادة الأوكرانيون يحاولون الحفاظ على باخموت أطول وقت ممكن (رويترز)
هايلايت
  • خبراء يرجعون صمود باخموت إلى الدعم العسكري المتواصل من كييف. 
  • أزمة ذخيرة حادة تواجه القوات الأوكرانية والروسية في أرض المعارك. 
  • خبير يؤكد أن باخموت سقطت بالفعل وما يحدث يشبه معارك مصنع آزوف ستال.
  • لمعرفة أبرز مراحل الحرب الروسية الأوكرانية اضغط تايملاين.

بعد مرور ما يزيد عن 8 أشهر من القتال والمعارك الضارية، نجحت القوات الروسية في السيطرة على حوالي 70% من باخموت ومحاصرة الجيش الأوكراني من 3 جبهات، وذلك في الوقت الذي كانت تعتبرها كييف رمزا للمقاومة والصمود، فيما تراها موسكو نقطة الانطلاق نحو السيطرة على منطقة دونباس الصناعية جنوب شرق البلاد.

وتقع بلدة باخموت في مقاطعة دونيتسك التي أجرت روسيا استفتاء بها في سبتمبر الماضي إلى جانب زابوريجيا، وخيرسون، ولوغانسك، للانضمام إلى موسكو، وأعلنت موافقة 98% من المشاركين لصالح الانضمام.

والمدينة التي كان عدد سكانها قبل الحرب حوالي 70 ألف نسمة، أصبحت "مفرمة لحم" بحسب ما يصفها قادة كلا الجانبين من الروس والأوكرانيين، حيث يشتد فيها القصف المدفعي والصواريخ وسط خسائر فادحة لأوكرانيا، وفقا لما تقول وكالة "رويترز".

ومنذ مارس الماضي، يُحذّر حلف شمال الأطلسي من سقوط بلدة باخموت خلال أيام ما قد يفتح الطريق أمام القوات الروسية نحو مدن الشرق الأوكراني، لكن هذا لم يحدث، وذلك وسط تقليل أميركي من أهميتها الاستراتيجية، حيث قال وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن مطلع الشهر الماضي إن "مدينة باخموت لها أهمية رمزية أكثر منها عملياتية، وإن أي تقدم بشأنها لا يعني بالضرورة أن موسكو استعادت قوة الدفع في جهودها العسكرية المستمرة منذ عام".

وبالنسبة إلى القادة الأوكرانيين، فإنهم يحاولون الحفاظ على باخموت أطول وقت ممكن، حتى تستخدم روسيا هناك أكبر عدد من قواتها والأسلحة والذخيرة، وهذا ما أكده الدبلوماسي الأوكراني إيفان سيهيدا في حديثه مع منصة "المشهد"، إذ يعتبر أن هذا يمنح الجيش الأوكراني المزيد من الوقت للاستعداد جيدا للهجوم المضاد.

لماذا صمدت باخموت؟

وفق تقييم المخابرات العسكرية البريطانية الصادر قبل أسبوعين، فشلت جهود روسيا في السيطرة على منطقة دونباس في هجوم شتوي كما تعثر الهجوم الروسي على مدينة باخموت، إذ لم تُحقق القوات الروسية سوى مكاسب هامشية على طول جبهة، في المقابل تكبدت أيضا أوكرانيا خسائر فادحة.

مدير مركز خبراء "رياليست" الروسي الدكتور عمرو الديب يقول في حديثه مع منصة "المشهد"، إن "أسباب الصعوبة في السيطرة على باخموت تتمثل في تمسك أعداد من المدافعين في معاقلهم وعدم الاستسلام فضلا عن الدعم غير المحدود لهذه القوات".

ويضيف الأستاذ المساعد في معهد العلاقات الدولية والتاريخ العالمي بجامعة لوباتشيفسكي الروسية: "تحاول أوكرانيا منع السيطرة على باخموت بشكل كامل، لأن السيطرة عليها يعني بلا شك في أن هذا بمثابة انهيار دفاعات القوات الأوكرانية في كامل دونباس وزابوريجيا وحتى خيرسون".

بدوره، يقول الدبلوماسي الروسي السابق ألكسندر زاسيبكين في حديثه مع منصة "المشهد": "معركة باخموت مستمرة والقوات الروسية لديها تصميم على تحقيق الأهداف المرجوة"، مضيفا: "صعوبة التقدم ترجع إلى متانة المواقع الدفاعية الأوكرانية التي تم إعمارها خلال 8 أعوام عندما كانت أوكرانيا تستعد للحرب مع روسيا، وذلك إلى جانب الإمدادات الإضافية من القوات والذخيرة التي يتم إرسالها إلى باخموت بصورة متواصلة".

من جهة أخرى، يعتبر السكرتير الثاني لدى سفارة أوكرانيا في الكويت إيفان سيهيدا أن باخموت أصبحت حصنا في مواجهة "الاحتلال الروسي"، و"السبب في صمودها هو مقاومة الجيش الأوكراني والدعم الشعبي ضد الغزاة. وما يظهره الجيش الروسي من تقدم لبعض كيلومترات في مدينة صغيرة مثل باخموت خلال الأيام الماضية ما هو إلا دعاية موجهة للداخل. وهنا يجب التأكيد على إخفاق الهجوم الروسي".

فيما يرى الخبير السياسي والدبلوماسي الأوكراني السابق فولوديمير شوماكوف أن "صمود القوات الأوكرانية في مدينة باخموت مثل مدن عدة أخرى، يرجع ذلك بشكل أساسي إلى الأسلحة المتطورة والجديدة التي حصلت عليها كييف من الحلفاء وخاصة ألمانيا وأميركا خلال الأسابيع الماضية".

وحصلت كييف منذ بداية العام الجاري على دعم عسكري قوي من الحلفاء الغربيين، إذ بدأت في استلام الدبابات الألمانية الثقيلة من طراز "ليوبارد 2"، وطائرات مقاتلة من طراز "ميغ-29"، إلى جانب أنظمة دفاع جوي متطورة وبعيدة المدى.

ويضيف شوماكوف في حديثه مع منصة "المشهد": "الجيش الأوكراني يدافع جيدا. بكل وضوح أصبح الجيش الروسي منهكا في الوقت الحالي(..) الاستراتيجية التي تتبعها القوات الأوكرانية في باخموت هي سياسة استنزاف وقد نجحت، حيث بات أقوى ثاني جيش في العالم عاجزا عن احتلال مدينة صغيرة".

وقبل أيام، اعترف مسؤول في الرئاسة الأوكرانية، بالتقدم الملحوظ للقوات الروسية في باخموت إذ أعلن مستشار الرئاسة الأوكرانية سيرغي ليشتشنكو أن كييف لم تعد تسيطر سوى على ثلث مدينة باخموت.

في المقابل أقر رئيس مجموعة "فاغنر" العسكرية الروسية يفغيني بريغوجين الأسبوع الماضي بأن المعركة من أجل السيطرة على مدينة باخموت الأوكرانية ألحقت ضررا بالغا بقواته وكذلك بالجانب الأوكراني، قائلا: "المعركة من أجل باخموت اليوم دمرت بالفعل عمليا الجيش الأوكراني، وللأسف ألحقت أيضا ضررا بالغا بشركة فاغنر العسكرية الخاصة".

ويعتبر مدير مركز خبراء "رياليست" الروسي أن باخموت قد سقطت بالفعل بحكم الأمر الواقع، "وأن بقايا المدافعين عن باخموت لا يملكون حتى القوة لوقف هجوم القوات الروسية لفترة طويلة(..) فالمدافعون يذكروننا ببقايا المدافعين الذين كانوا يتحصنون في مصنع آزوف ستال في ماريوبول، حيث سقطت المدينة ولكن استمر وجود المدافعين داخل المصنع لفترة طويلة".

وفي الأشهر الأولى من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، شهدت مدينة ماريوبول معارك عنيفة بين الجيش الروسي وكتيبة آزوف الأوكرانية التي كانت تتحصن بمصنع آزوف ستال، حيث دامت المعارك لمدة 3 أشهر قبل أن يعلن قائد الكتيبة الاستسلام ومعه 700 جندي في مايو 2022.

أزمة ذخائر

منذ أشهر قليلة تتحدث تقارير عن أزمة ذخيرة حادة تواجه القوات الأوكرانية، وكما هو الحال أيضا مع القوات الروسية، إذ اشتكى مرارا وتكرارا رئيس مجموعة "فاغنر" العسكرية من نقص الذخائر، منتقدا وزير الدفاع الروسي ورئيس الأركان، ومتهما إياهما بـ"الخيانة".

وبحسب رئيس المخابرات العسكرية الأوكرانية كيريلو بودانوف، اضطر الكرملين إلى تقليص وتيرة الهجمات الجوية بسبب تضاؤل مخزونات الذخيرة الرئيسية خلال الأسابيع الماضية.

الخبراء والمحللون الذين تحدثوا لمنصة "المشهد" أكدوا أن أزمة ذخائر حادة تؤثر على المعارك منذ الخريف الماضي، لكن الدبلوماسي الروسي ألكسندر زاسيبكين أشار إلى جهود بلاده الحالية لزيادة الإنتاج العسكري قائلا: "الصناعة العسكرية الروسية تشهد زيادة في إنتاج الأسلحة الحديثة وخاصة الدبابات والذخائر الدقيقة في الوقت الراهن".

على النقيض، يقول الدبلوماسي الأوكراني السابق فولوديمير شوماكوف إن روسيا لديها مشاكل كبيرة في إمدادات الذخائر والمعدات العسكرية، "القوات الروسية بدأت مؤخرا تستخدم دبابات تعود إلى الحقبة السوفيتية من طراز (تي-54)، وكذلك مدفع متهالكة من أيام الحرب العالمية الثانية، مما يشير إلى أزمة عاصفة بالذخائر والمعدات الروسية".

وتابع: "روسيا أصبحت عاجزة عن إنتاج معدات عسكرية متطورة لأنها تحتاج إلى تقنيات ومكونات دقيقة من الغرب، ولديها مشاكل كبيرة خصوصا مع نفاد الرقائق الإلكترونية(..) بالتالي انضمام المزيد من الجنود الروس إلى المعارك لن يغير مسار الحرب".

وتفرض دول التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة عقوبات على روسيا بفعل الحرب في أوكرانيا، حيث تمنعها من الوصول إلى التقنيات والتكنولوجيات الحديثة والدقيقة التي يمكن استخدامها في المعدات العسكرية، لكن في نفس الوقت تشير تقارير لصحف أميركية إلى تزويد الصين موسكو بتقنيات تكنولوجية متطورة يمكن استخدامها في إنتاج معدات عسكرية.

وقبل نهاية مارس، وقع الرئيس الروسي مرسوما حول التجنيد الإجباري في صفوف الجيش بداية من الأول من أبريل وحتى منتصف يوليو المقبل، والذي بموجبه سيتم استدعاء 147 ألف شخص ممن يستوفون متطلبات قانون الخدمة العسكرية، وهو ما يعتبره الدبلوماسي الروسي السابق خلال حديثه "شيء عادي يحدث مرتين سنويا في كل ربيع وخريف".

المعركة الكبرى

خلال الأشهر الستة الماضية، تزايدت التكهنات حول معركة كبرى قد تخوضها القوات الروسية والأوكرانية بداية من مارس الماضي، وهو ما لم يحدث نتيجة الظروف المناخية الصعبة التي تحد من التحركات على الأرض.

مع نهاية فصل الشتاء أدى ذوبان الجليد إلى تحول الأراضي لمستنقعات طينية يصعب فيها تحرك المركبات والدبابات، حسبما يقول الخبير السياسي الأوكراني فولوديمير شوماكوف، والذي يضيف: "أصبحت الأراضي الآن عبارة عن مستنقعات طينية سواء في دونباس أو في جنوب أوكرانيا (..) الخنادق أصبحت مليئة بالماء وهذا يصعب من مهمة الجيش الأوكراني وكذلك القوات الروسية. لهذا السبب أعلنت هيئة الأركان الأوكرانية أن الهجوم المضاد للقوات المسلحة الأوكرانية، تقريبا سيكون في شهر مايو القادم".

ويضيف شوماكوف: "ما يحدث في باخموت أضعف معنويات القوات الروسية(..) لكن يجب الحذر من مجموعة فاغنر خلال المعركة القادمة، فعلى الرغم من أن عناصرها مجموعة من السجناء السابقين فهي تقاتل أفضل من الجيش الروسي".

بدوره يقول السكرتير الثاني لدى سفارة أوكرانيا في الكويت: "هجوم الربيع المضاد سوف يكون على عدة اتجاهات وليس على اتجاه واحد(..) الصمود في مدينة باخموت يجعلها تخسر الكثير من المعدات والجنود، ويمنح الجيش الأوكراني المزيد من الوقت الإضافي للتدريب ووصول المدرعات والدبابات وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة، لنكون جاهزين للهجوم المضاد. ولم نتنازل عن شبر واحد من الأراضي الأوكرانية بما فيها القرم. نحن الآن نستعد للهجوم المضاد، ولا يوجد أي خيار آخر سوى الدفاع عن أنفسنا".

من جانبه يقول الدكتور عمرو الديب: "روسيا على علم بما يسمى الهجوم الأوكراني المضاد ويبدو من خلال التصريحات الرسمية الروسية الأخيرة فإن هناك استعدادا واضحا لمثل هذا الهجوم وإذا تمادى هذا الهجوم في محاولة السيطرة على القرم فسنكون أمام فرص استخدام أسلحة لم تستخدم نهائيا في الحرب حتى الآن".

بدوره أكد الدبلوماسي الروسي السابق أن الجيش الروسي عمل خلال الأسابيع الأخيرة على رفع جاهزيته الهجومية والدفاعية، إلى جانب الإمدادات العسكرية، "لكي يكون على كامل الاستعداد لأعمال حربية في الربيع"، مشيرا إلى أن هناك مبالغة غربية في قدرة الجيش الأوكراني وفعالية الأسلحة التي يقدمها الحلفاء إلى كييف في مواجهة روسيا.

(المشهد)