بعد مرور عام على حرب السابع من أكتوبر الذي بدأ بشن "حماس" هجومًا غير مسبوق على إسرائيل، لم تعد المنطقة كما كانت قبل هذا التاريخ، في وقت امتد فيه الصراع إلى مناطق جغرافية أوسع من غزة، وسط مخاوف من اشتعال الإقليم بأكمله.
اعتادت إسرائيل (بدعم من حليفتها الأولى الولايات المتحدة) منذ تأسيسها على حسم كل المعارك لصالحها، واضعةً على رأس أولوياتها "أمن إسرائيل" الذي لا تزال منذ أكتوبر الماضي إلى اليوم تسعى إلى استعادته.
تتزامن الحرب الدائرة اليوم مع وجود حكومة إسرائيلية متطرفة، برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو، الأمر الذي يراه البعض يعقّد من قدرة الدول على وقف التصعيد والوصول إلى وقف لإطلاق النار. وفي هذه الأثناء، ترددت عبارة "رسم شرق أوسط جديد" من قبل الساسة الإسرائيليين، وعلى رأسهم نتانياهو.
تغيير وجه الشرق الأوسط
تُعتبر حرب السابع من أكتوبر نقطة تحول في الشرق الأوسط، التي تسببت في تصاعد التوترات السياسية، العسكرية، والإنسانية في المنطقة.
بالإضافة إلى ذلك، غيرّت هذه الحرب بعض المعادلات الجيوسياسية، كما أثرت على العلاقات الإقليمية والدولية بشكل كبير.
ومن هذا المنطلق، حرب السابع من أكتوبر لم تؤثر فقط على الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، بل تُعيد رسم الخطوط السياسية في الشرق الأوسط.
وليس ذلك فحسب، بل إن تأثير هذه الحرب امتد ليصل إلى الولايات المتحدة، التي تمر اليوم بما يسمى مرحلة "البطة العرجاء" (مرحلة ما قبل انتخاب رئيس جديد)، فمن جهة تريد واشنطن كبح جماح الحرب في المنطقة في في هذه المرحلة، ومن جهة ثانية لا تستطيع إلّا أن تقف إلى جانب إسرائيل في حرب تعتبرها وجودية بالنسبة لها.
في هذا السياق، يقول المحلل السياسي والأكاديمي طارق فهمي في حديث إلى منصة "المشهد" إن "وجه الشرق الأوسط لم يتغير، لكن المرحلة في المنطقة انتقالية، مرتبطة بهدف الجانب الإسرائيلي الذي يتحدث حول تغيير جديد للشرق الأوسط. بعد مرور عام نستطيع أن نقول إن كلمة نتانياهو تتحقق الآن بصرف النظر عن تأثيرها، حيث إن إسرائيل قسّمت غزة وأقامت ممرات".
ويعتقد فهمي أنه "بعد بداية الحرب على "حزب الله" قبل نهاية العام فإن القادم أسوأ. إسرائيل تتحدث عن سيناريوهات جديدة، سيناريوهات صفرية، رسم جديد للشرق الأوسط، مناطق جديدة لا يوجد فيها أيّ مخاطر أو تحديات على أمن إسرائيل، مع إنهاء دور فواعل من غير الدول (حماس وحزب الله والحوثيين والفصائل العراقية)".
وبالتالي بعد عام من الحرب هناك عدة استنتاجات وفقًا لفهمي:
- نحن في مرحلة انتقالية فيها سيولة عسكرية وسياسية.
- هناك أهدف إسرائيلية تحققت فيها خسائر للجانب الفلسطيني واللبناني.
- هناك مخاوف من انهيار منظومة الفواعل من غير الدول، أيّ استمرار حالة عدم الاستقرار في الإقليم.
- الأمر الأهم والأخطر هو عدم وجود إستراتيجية للقوى العربية، بمعنى عدم وجود موقف عربي رادع لكل ما يتم في الإقليم.
بدوره يرى المحلل السياسي والمستشار في مركز الأهرام للدراسات د.عمرو الشوبكي في تصريح إلى "المشهد" أن "إسرائيل نجحت في إضعاف "حماس" و"حزب الله"، وقدراتهما العسكرية، وتوجيه ضربات قويه لهما، لكن دون أن تصل لمرحلة الحسم، وبالتالي لا نستطيع القول إن إسرائيل قضت على الحركة والحزب. وهذا يعود للإشكالية التاريخية بأن إسرائيل تتعامل مع هذه التنظيمات باعتبارها مجرد تنظيمات مسلحة تصنفها كإرهابية وتتناسى أنها لديها حاضنة شعبية".
هذه الحاضنة وفقًا للشوبكي "جاءت بسبب ممارسات الاحتلال، وبسبب إغلاق مسارات التسوية السلمية، ورفض حل الدولتين، إسرائيل ليس لديها مشكلة مع "حماس" وقطاع غزة فقط، بل مع السلطة الفلسطينية ومع الضفة الغربية".
قواعد اشتباك جديدة
تحافظ إيران وإسرائيل على قواعد اشتباك وطبيعة صراع منذ أعوام، في حين لم يرغب الجانبان بتحول حربهما بالوكالة وفي بلدان خارج حدودهما، إلى حرب مباشرة، وداخل حدودهما. لكن بعد هجوم 7 أكتوبر، قد تنظر إسرائيل إلى أن إيران خرقت هذه القواعد بضلوعها في دعم "حماس".
وضمن هيكلية قواعد الاشتباك التي كانت قبل السابع من أكتوبر، كان لكل طرف خطوط حمراء، يعمل على منع خصمه من تجاوزها.
ويشرح فهمي أن "قواعد الاشتباك الجديدة فٌرضت مع إيران. الولايات المتحدة تسعى لتمرير 5 أسابيع، لحين الوصول إلى الانتخابات، ربما تلجأ إسرائيل لتوجيه ضربة على المنشآت النووية قبل الانتخابات الأميركية، حتى لو أن الضربة شكلية، لكن ربما تكون مقدمة لغيرها".
لكن قواعد الاشتباك ستبقى مرهونة بعدة نقاط بحسب فهمي:
- قدرة إيران على الرد.
- عدم تهديد إيران لإسرائيل.
- تثبيت دور الدفاعات الأميركية والبريطانية التي تحمي أمن إسرائيل.
- إسرائيل لن تهدأ وتسقر إلا بالتعامل وتدمير قدرات كل الفواعل غير الإقليمية، الموجودة في الإقليم وتؤدي دور المليشيات.
الجدير بالذكر أن قواعد الاشتباك بين إيران وإسرائيل قائمة على التوازن الحذر، وذلك من خلال الحرب غير المباشرة عبر الوكلاء، الهجمات المحدودة والسرية، والتكتيكات السيبرانية.
وبمناسبة الذكرى السنوية الأولى لهجوم السابع من أكتوبر، حذرت وكالة الاستخبارات الأميركية من أن الذكرى السنوية الأولى لهجوم "حماس" قد تدفع بعض الأشخاص إلى ارتكاب أعمال عنف في الولايات المتحدة.
انتهاء عصر الحروب القصيرة
منذ تأسيسها في 1948، تمكنت إسرائيل من حسم العديد من معاركها أو عملياتها العسكرية في فترة زمنية قصيرة، على عكس الحرب الدائرة اليوم والتي امتدت إلى عام من الزمن ولا تزال مشتعلة.
وساعد إسرائيل في حسم معاركها سابقًا عددًا من العوامل والميزات التي تمتعت فيها، لعل أبرزها، ضعف الخصم، الدعم الغربي الكبير المقدم لها. لكن اليوم يبدو أن الظروف التي حصلت فيها الحرب كانت أكثر تعقيدًا من الظروف السابقة، الأمر الذي أدى إلى إطالة أمد المعارك، بالتزامن مع تصعيد مستمر عالي الوتيرة.
واليوم، تستمر الحرب على الرغم من تبني مجلس الأمن الدولي لقرارين بوقفها فورًا، وأوامر محكمة العدل الدولية باتخاذ تدابير إلزامية لتجنب استهداف المدنيين، في الوقت الذي تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وصفقة تبادل بين إسرائيل وحركة "حماس".
ويلفت الشوبكي إلى أنه "على الرغم من نجاح إسرائيل في إضعاف "حماس" بدرجة كبيرة جدًا، إلا أن مسألة الحسم ستبقى رهينة الحسم السياسي، يستطيع من خلاله المجتمع الدولي الضغط على إسرائيل، من أجل أن يكون هناك مسار سياسي سلمي، يعطي أملًا لهذه الحاضنة الشعبية التي تدعم "حماس"، وتزرع الأمل أن حل الدولتين قادم. لكن دون ذلك لا يمكن التحدث عن حسم".
فيما يرى فهمي أن "حسم المواجهات لن يتم في فترة وجيزة، وسيستمر الصراع والحروب في المنطقة انطلاقاً من الصراع العربي – الإسرائيلي، وربما لصراعات أخرى، ومثلما جرى في عدم الحسم في المواجهات، كما يجري في ليبيا وسوريا واليمن وغيرها من الصراعات المعقدة، ستستمر المواجهات أيضاً في اتجاهات أخرى متعددة".
ويشير فهمي إلى أن "الحروب ستستمر لأطول مدى معين من دون حل أو حسم مثلما يجري في حروب منسية طويلة الأجل، ولن تنتهي بسهولة بسبب نقد الصراعات والنزاعات، التي تحتاج إلى حلول حقيقية مثلما جرى في حالة جنوب إفريقيا عندما تمت تسوية قضية "الأبارتايد" بعد صراع إثني ممتد، وكما جرى في حروب أهلية وإثنية عدة في العالم، مما يتطلب مراجعة من نوع خاص وحسماً على طريقة حل وتحليل الصراعات".
(المشهد )