فيديو - العفو العام يشرذم لبنان.. من المظلوم ومن الظالم؟

آخر تحديث:

شاركنا:
انفجار الاحتجاجات داخل بعض السجون وخارجها في لبنان بسبب العفو العام

في لبنان، يكفي فتح ملف العفو العام لإعادة إشعال واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا، حيث تختلط الاعتبارات الإنسانية بالحسابات السياسية والطائفية والأمنية. فالنقاش لا يتعلّق فقط بآلاف السجناء والموقوفين داخل السجون اللبنانية، بل يمتدّ إلى ذاكرة دامية ما زالت مفتوحة منذ سنوات، وإلى جراح عائلات فقدت أبناءها في أحداث أمنية ومواجهات دامية.

العفو العام في لبنان

ومع تجدّد البحث في قانون العفو العام، انفجرت الاحتجاجات داخل بعض السجون وخارجها، وخرج أهالي الموقوفين الإسلاميين إلى الشوارع اعتراضًا على ما وصفوه بـ"التمييز" في الصيغة المطروحة، فيما تصاعدت أصوات أخرى تعتبر أن "أي عفو يشمل متورّطين بملفات أمنية يشكّل طعنًا بدماء العسكريين والشهداء".

وبين المشهدين، يبدو لبنان وكأنّه يعود إلى انقساماته القديمة نفسها، لكن هذه المرّة من بوّابة السجون والعدالة المؤجّلة.

بلال البقار: السجون عنوان للظلم والانهيار

في مقابلة حصرية مع منصّة "المشهد"، ركّز بلال البقار، وهو سجين محكوم بالمؤبّد، على الواقع الإنساني القاسي الذي يعيشه السجناء وعائلاتهم، معتبرًا أنّ معاناة السجين لا تقتصر على وجوده خلف القضبان، بل تمتدّ إلى أسرته التي تتحمّل أعباء الطعام والاستشفاء وتأمين متطلّبات المحاكمات. واعتبر أنّ "الدولة اللبنانية عاجزة حتى عن توفير الحدّ الأدنى من حقوق السجين"، ما يفقدها، بحسب رأيه، القدرة الأخلاقية على الحديث عن العدالة والمحاسبة.

كما تحدّث البقار عن "استهداف" للموقوفين الإسلاميين، معتبرًا أنّ العديد من الملفات القضائية المرتبطة بهم جرى تركيبها في ظلّ نفوذ النظام السوري وحلفائه داخل لبنان. وأشار إلى أنّ بعض الأحكام والمؤبّدات صدرت في أجواء سياسية لا قضائية، ما أدّى إلى ترسيخ شعور بالظلم لدى شريحة واسعة من الأهالي. وأضاف قائلًا: "اتركوا أهل السنّة في هذا البلد. هم طيّبون، منفتحون، يحبّون الناس، وأوفياء لهذا الوطن. لكنّهم شبعوا ظلمًا من هذه الدولة".

ولم يُخفِ البقار تخوفه من أن يؤدّي استمرار هذا الملف من دون معالجة عادلة إلى فتنة داخلية جديدة "لا تُحمد عقباها"، داعيًا إلى إعادة فتح الملفّات المرتبطة بالموقوفين الإسلاميين وفق معايير شفّافة ومستقلّة بعيدًا عن الحسابات السياسية والطائفية.

الشيخ خالد حبلص: التحرّك السلمي وتجنّب الفتنة

أمّا الشيخ خالد حبلص، الذي أُفرج عنه مؤخّرًا، فقد دعا، خلال مقابلته مع منصّة "المشهد"، المحتجّين إلى الحفاظ على سلمية تحرّكاتهم، وعدم الانجرار إلى أي صدام أمني أو طائفي. وعلى الرغم من دعمه لتحرّكات الشارع المطالبة بالعفو، شدّد على ضرورة التنبّه إلى محاولات استغلال الغضب الشعبي لدفع البلاد نحو الفوضى، قائلًا إنّ "وصيتنا، ووصية إخوانكم في السجون وعلى رأسهم المشايخ، ألّا تُستدرجوا إلى أي فتنة، وألّا تُستدرجوا إلى أي مواجهة، لأنّ البعض قد يحاول استغلال تحرّكاتكم وجرّكم إلى فتنة من شأنها إضعاف موقفكم وأخذ الأمور إلى ما لا نريده جميعًا".

وأكّد حبلص أنّ قضية الموقوفين الإسلاميين، بالنسبة إليه، هي قضية ظلم متراكم استمرّ لسنوات طويلة، داعيًا النواب السنّة إلى زيادة الضغط السياسي من أجل رفع هذا الظلم. كما تحدّث عن ضرورة "فتح صفحة جديدة" في لبنان تقوم على معالجة الملفّات العالقة بدلا من إبقائها مصدرًا دائمًا للتوتّر والانقسام.

الشيخ نبيل رحيم: رفض أي عفو انتقائي يستثني الموقوفين الإسلاميين

من جهّته، اتّخذ عضو هيئة العلماء المسلمين في لبنان الشيخ نبيل رحيم موقفًا أكثر حدّة، في مقابلته مع "المشهد"، معلنًا رفضه لأيّ صيغة عفو لا تشمل "المشايخ والشباب" الموقوفين في السجون اللبنانية. واعتبر أنّ أي قانون يستثنيهم سيكون فاقدًا للعدالة، داعيًا النواب السنّة إلى إعلان موقف واضح وصريح من القضية.

وركّز رحيم على فكرة "رفع الظلم" عن الموقوفين، معتبرًا أنّ استمرار احتجازهم لسنوات طويلة يعكس خللًا سياسيًا وقضائيًا عميقًا. كما أشار إلى أنّ الشارع السنّي يعيش حالة احتقان متزايدة نتيجة الشعور بأنّ هناك استنسابية في تطبيق العدالة بين فئات مختلفة من الموقوفين.

المحامي محمد صبلوح: الأزمة الحقيقية هي انهيار القضاء

في مقابلته مع منصّة "المشهد"، اعتبر المحامي محمد صبلوح أنّ أزمة العفو العام ليست سوى نتيجة مباشرة لفشل القضاء اللبناني في احترام القوانين وضمان المحاكمات العادلة. وأشار إلى أنّ نسبة كبيرة من الموقوفين داخل السجون اللبنانية لم تصدر بحقّهم أحكام نهائية بعد، رغم مرور سنوات طويلة على توقيفهم.

كما تحدّث عن "مخالفات قانونية وانتهاكات خطيرة، شملت التعذيب وانتزاع الاعترافات بالقوّة"، معتبرًا أنّ العديد من الملفّات المرتبطة بالموقوفين الإسلاميين شابتها تدّخلات سياسية وأمنية. ولفت إلى أنّ بعض الموقوفين حصلوا على البراءة بعد سنوات طويلة من السجن، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول أداء القضاء وآليات التحقيق.

على سبيل المثال، أشار صبلوح إلى ملف "فتح الإسلام"، قائلًا إنّه "استغرق نحو 13 سنة من دون أن تتمكّن الدولة من إصدار الأحكام بسبب كثرة المتّهمين". وأضاف أنّه "وبعد 15 عامًا من السجن، صدرت 45 براءة، فيما حُكم على 150 شخصًا بسنة ونصف فقط رغم أنّهم أمضوا 15 عامًا خلف القضبان".

وفي الوقت نفسه، شدّد صبلوح على أنّ مشروع العفو المطروح لا يهدف إلى الإفلات من العقاب، بل إلى تخفيف الأحكام ومعالجة الكارثة الإنسانية داخل السجون، خصوصًا في ظلّ الاكتظاظ الحادّ وغياب الرعاية الصحّية وتأخّر المحاكمات.

كما وجّه انتقادات مباشرة إلى وزارة العدل، معتبرًا أنّ الإصلاحات المطلوبة لم تُنفّذ بجدّية، وأنّ ملف حقوق الإنسان داخل السجون لم يحظَ بالأولوية الكافية رغم خطورته.

شقيقة المغوار المؤهّل طوني صعيب: العفو هدر لدماء الشهداء

في الجهّة المقابلة، برز موقف عائلات شهداء الجيش اللبناني الرافض لأي عفو قد يشمل متّهمين بملفّات أمنية أو مواجهات مع الجيش. وفي هذا السياق، عبّرت هند صعيب، شقيقة المغوار المؤهّل طوني صعيب الذي أُصيب بالشلل من جرّاء أحداث نهر البارد عام 2007 قبل أن يتوفّى لاحقًا بعد سنوات من المعاناة، عن رفضها الشديد لقانون العفو، وذلك في حديث خاصّ مع منصّة "المشهد".

وقالت إنّ شقيقها "لم يمت مرّة واحدة، بل كان يموت كلّ يوم على مدى 17 عامًا قبل استشهاده"، معتبرةً أنّ أي عفو عن المتورّطين في الأحداث الأمنية يشكّل "هدرًا لدماء الشهداء" ودم شقيقها طوني وطعنًا بتضحيات العسكريين وعائلاتهم.

كمّا اتّهمت صعيب القوى السياسية باستخدام ملفّات الشهداء في إطار "الصفقات السياسية"، معتبرةً أنّ تمرير قانون العفو بهذه الطريقة يشكّل إهانة لكرامة الضحايا وأهاليهم، مؤكّدةً رفضها لما وصفته بـ"المشروع المُذلّ". ويعكس هذا الموقف حجم الانقسام العاطفي والوطني حول القضية، حيث ترى عائلات كثيرة أنّ العدالة لا يمكن أن تتحقّق عبر التسويات السياسية.

وتكشف المواقف المتناقضة حول العفو العام حجم الأزمة اللبنانية العميقة، حيث تختلط المطالب الإنسانية بمشاعر الغضب والانتقام والخوف من الإفلات من العقاب. فبالنسبة إلى أهالي الموقوفين، القضية ترتبط بسنوات من الظلم والتوقيفات الطويلة والانهيار القضائي، بينما ترى عائلات الضحايا والشهداء أنّ أي عفو واسع يشكّل تراجعًا عن العدالة وتضحيات الجيش.

وفي ظلّ غياب الثقة بالقضاء ومؤسّسات الدولة، يتحوّل كلّ نقاش حول العفو إلى مواجهة سياسية وطائفية مفتوحة، تعيد استحضار ذاكرة الحروب والانقسامات القديمة. ففي بلد لم ينجح بعد في إقفال ملفّات الحرب والعدالة المؤجّلة، يبدو العفو العام أكثر من مجرّد قانون لمعالجة أزمة السجون. إنّه اختبار جديد لقدرة لبنان على التوفيق بين العدالة والإنصاف، وبين حقوق الضحايا وحقوق الموقوفين، في دولة ما زالت مؤسّساتها تعاني الانقسام والضعف.

وبين أصوات الغضب القادمة من داخل السجون وحتى خارجها، وصور أهالي الضحايا الذين يرفضون طيّ الصفحة بهذه الطريقة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع لبنان بناء عدالة حقيقية تعالج الجراح بدلا من تعميقها، أم أنّ ملف العفو العام سيبقى شرارة جديدة في بلد يعيش أصلًا على وقع الانقسامات؟ 

(المشهد - لبنان)