لم تعد شبه جزيرة القرم مجرد ساحة تتبادل فيها روسيا وأوكرانيا الضربات، بل تحولت حسب تقرير لمجلة "فورين بوليسي"، إلى محور إستراتيجية أوكرانية، تهدف إلى إضعاف القدرات العسكرية الروسية على الجبهة الجنوبية، دون الانخراط في هجوم بري واسع.
وبدلا من السعي إلى استعادة الأراضي بالقوة المباشرة، تركز كييف حسب التقرير، على عزل القرم عن العمق الروسي، وضرب خطوط الإمداد التي تعتمد عليها القوات المنتشرة في جنوب أوكرانيا، في محاولة لاستنزاف موسكو، وتهيئة الظروف لأي هجوم مضاد مستقبلي.
استهداف خطوط الإمداد
وتشير المعطيات الميدانية في التقرير، إلى أن الهجمات الأوكرانية المتواصلة بالطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، بدأت تؤثر بشكل متزايد في حركة الإمدادات الروسية، بعدما استهدفت الطرق البرية والجسور وخطوط السكك الحديدية والموانئ التي تربط روسيا بشبه الجزيرة، والأراضي المحتلة في مقاطعتي خيرسون وزابوريجيا.
وأصبح الطريق الساحلي الممتد على طول بحر آزوف، والذي يعد الشريان الرئيسي لنقل الإمدادات من مدينة روستوف الروسية إلى جنوب أوكرانيا والقرم، هدفا دائما حسب التقرير، للهجمات الأوكرانية.
كما تعرضت الجسور المؤدية إلى شمال القرم، إضافة إلى جسر كيرتش، لضربات متكررة قلصت قدرتها على نقل الإمدادات العسكرية.
وأدى هذا الضغط إلى اضطرار الجيش الروسي إلى تحويل قوافله نحو مسارات أطول وأكثر تعقيدا، ما رفع كلفة النقل وأبطأ وصول الوقود والذخيرة والمعدات إلى الجبهات الجنوبية.
وتقول تقديرات أوكرانية حسب التقرير، إن هذه العمليات بدأت تؤدي إلى نقص متزايد في الوقود والذخائر داخل المناطق التي تسيطر عليها روسيا، الأمر الذي ينعكس على حركة القوات، وتناوب الوحدات العسكرية، وإجلاء الجرحى، واستمرار العمليات القتالية.
وتزامنت هذه الضغوط مع الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط داخل روسيا، والتي أسهمت في تقليص طاقة التكرير، ما زاد من صعوبة تأمين الوقود للقوات الروسية المنتشرة على الجبهة.
تمهيد لمعركة أكبر
وترى كييف حسب التقرير، أن القرم تمثل مركز الثقل اللوجستي للعمليات العسكرية الروسية في الجنوب، إذ تمر عبرها أو عبر الممرات البرية المتصلة بها معظم الإمدادات الموجهة إلى القوات الروسية في خيرسون وزابوريجيا.
ولذلك تعتمد الإستراتيجية الأوكرانية على تحويل شبه الجزيرة إلى منطقة معزولة تدريجيا، بما يؤدي إلى إنهاك القوات الروسية، قبل أي محاولة لاستعادة الأراضي.
ويؤكد محللون عسكريون في التقرير، أن أوكرانيا لا تسعى حاليا إلى شن هجوم واسع، بل تعمل على "تهيئة أرض المعركة" عبر استنزاف الدفاعات الروسية، وإضعاف قدرتها على المناورة.
ويرون أن استمرار هذا الضغط لأشهر، قد يجعل الخطوط الدفاعية الروسية أكثر هشاشة، ويفتح المجال أمام عمليات هجومية لاحقة.
وتلعب الطائرات المسيّرة محلية الصنع دورا محوريا في هذه الإستراتيجية، إذ تمكنت كييف من تنفيذ ضربات على أهداف تبعد مئات الكيلومترات عن خطوط القتال، بعدما نجحت خلال الأشهر الماضية في تقويض أجزاء من منظومات الدفاع الجوي الروسية داخل القرم.
وفي الوقت نفسه، بدأت آثار هذه الحملة تظهر على الحياة اليومية في شبه الجزيرة، مع انقطاع الكهرباء في مناطق واسعة، وفرض قيود على بيع الوقود، وتراجع خدمات النقل، ما يزيد الضغوط على السلطات الروسية، ويستدعي نشر مزيد من القوات وعناصر الأمن لحماية البنية التحتية وخطوط الإمداد.
ويشير خبراء التقرير، إلى أن أوكرانيا لا تستهدف إغلاق جميع منافذ القرم بشكل كامل، إذ أن الإبقاء على ممرات محدودة للخروج، قد يدفع القوات الروسية مستقبلا إلى الانسحاب بدلا من القتال حتى النهاية.
(ترجمات)