تاريخ ومصير هضبة الجولان.. بين أمن تل أبيب وشرعية دمشق

آخر تحديث:

شاركنا:
النزاع بين سوريا وإسرائيل يمتد منذ لحظة إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948 (المشهد)
هايلايت
  • المفاوضات تمضي على حبل مشدود بين طموحات الحكم الجديد وخطوط إسرائيل الحمراء.
  • محلل: ما دامت سوريا تُعتبر تهديدا ستظل إسرائيل تُجري هندسة ديمغرافية وأمنية داخل حدودها.
  • خبير سوري: دمشق لم تعد بوابة مشروع مقاومة بل عقدة إجبارية في مشروع استقرار إقليمي هشّ.

أتاح سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، ودخول دمشق في مرحلة سياسية جديدة بقيادة حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع، فرصة تاريخية لإعادة فتح قنوات الاتصال مع إسرائيل، بوساطة أميركية ورعاية من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

منذ أبريل 2025، بدأت المفاوضات بشكل غير مباشر عبر وسطاء أوروبيين، قبل أن تنتقل إلى قنوات مباشرة. وقد وصف مستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي هذه المحادثات بأنها "اتصالات يومية مباشرة"، ما يعكس جدية دمشق في التوصّل إلى اتّفاق مع جارتها الجنوبية.

وكان لافتاً تزامن المفاوضات مع توقف الغارات الإسرائيلية على الأراضي السورية، والذي فُسّر كمؤشر أوليّ على نوايا حسنة وتهيئة لبيئة تفاوضية أقل تصعيداً، وسط تسريبات إعلامية عن إدراج الملف السوري ضمن جدول أعمال القمة المرتقبة بين ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو في 7 يوليو في واشنطن، ما يكشف أن السلام مع دمشق بات جزءاً من إستراتيجية أميركية أشمل لإعادة هيكلة التحالفات الإقليمية.

ويرى المحلل السياسي السوري الدكتور مالك الحافظ في حديثه إلى منصة "المشهد" أنّ "دمشق الانتقالية تدخل المشهد الإقليمي كطرف في معادلة غير مكتملة، تحاول أن تجد لنفسها تموضعاً جديداً في رقعة المصالح المتداخلة". ويؤكد أن موقع سوريا الجغرافي يمنحها ميزة تفاوضية يمكن استثمارها لتقديم نفسها كطرف يسعى إلى الاستقرار، لا كخصم دائم.

الجولان.. 70 عاماً من العداء

يمتد النزاع بين سوريا وإسرائيل إلى لحظة إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، حين شاركت دمشق في الحرب ضمن التحالف العربي الرافض للقرار الأممي، ما أدى إلى تحوّل الحدود المغيرة إلى خطوط نار. وفي عام 1967، احتلت إسرائيل مرتفعات الجولان (1,200 كلم²) خلال حرب الأيام الستة، مستفيدة من موقعها الإستراتيجي المُطل على شمال إسرائيل ولبنان ودمشق.

فشلت محاولة سوريا استعادة الجولان في حرب أكتوبر 1973، وأجبرت دمشق على توقيع اتفاق وقف إطلاق نار بوساطة الأمم المتحدة سمّي باتفاق "فك الاشتباك" عام 1974، والذي نص على:

  • إقامة منطقة عازلة منزوعة السلاح تشرف عليها قوات حفظ السلام الدولية (UNDOF).
  • تحديد خطي "ألفا" (إسرائيلي) و"برافو" (سوري) للحد من الانتشار العسكري.
  • إنشاء "منطقة تحديد القوات" (بعمق 25 كلم خلف المنطقة العازلة) تُحدد فيها أعداد القوات ونوعية الأسلحة.
  • وظلّ الجمود العسكري منذ ذلك الحين سيد الموقف.

ضمّت إسرائيل الجولان عام 1981، وهو إجراء رفضه المجتمع الدولي بالإجماع حتى اعترفت به الولايات المتحدة من جانب واحد عام 2019 خلال رئاسة دونالد ترامب، في خطوة أثارت الجدل وترافقت مع اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل.

وتوفر هضبة الجولان لإسرائيل قدرة مراقبة واسعة تمتد حتى دمشق (60 كم في الشمال الشرقي) ووادي البقاع اللبناني حيث يتمركز "حزب الله". وتُعد قمة جبل الشيخ (أعلى قمة في سوريا) مركزاً حيوياً للبنية التحتية الاستخباراتية الإسرائيلية.

كما أن تربة الجولان البركانية الخصبة تدعم الزراعة وإنتاج النبيذ، وتُعد مصادر المياه مثل بحيرة طبريا حيوية للأمن المائي الإسرائيلي.

يقطن الجولان نحو 55,000 شخص، من بينهم 24,000 درزي، و31,000 مستوطن إسرائيلي.

على مدار العقود التالية، تطور الصراع بين دمشق وتل أبيب من حروب نظامية إلى حروب بالوكالة. في لبنان، لعبت سوريا دوراً مباشراً في دعم حركات مقاومة، فيما ساعدت إيران – عبر دمشق – على بناء "حزب الله" ليكون ذراعها الإقليمي في مواجهة إسرائيل.

وقد تحولت سوريا إلى جسر إستراتيجي للمشروع الإيراني، من خلال تسهيل نقل السلاح إلى "حزب الله"، وإنشاء قواعد عسكرية للحرس الثوري الإيراني قرب الجولان. بالمقابل، اعتمدت إسرائيل إستراتيجية "حرب بين الحروب" عبر ضربات جوية متكررة على منشآت سورية وإيرانية.

ويعلق مدير مركز القدس للدراسات الدكتور أحمد عوض على هذه المرحلة بقوله: "ما دامت سوريا في موقع التهديد لإسرائيل، فإن الأخيرة ستبقى تتدخل أمنياً وعسكرياً وحتى ديمغرافيًا في الداخل السوري". هذا التصور الأمني الإسرائيلي بات محفوراً في عقيدتها العسكرية، ما يجعل تطبيع العلاقات أمراً مشروطاً بتحييد هذه الأخطار بالكامل.

دمشق بلا أسلحة

بالنسبة لإسرائيل، يشكّل الاتفاق مع دمشق فرصة نادرة لتأمين جبهتها الشمالية لعقود مقبلة. وتسعى تل أبيب إلى تحييد سوريا بشكل دائم من معادلة النزاع، في ظل ما تعتبره انهياراً كاملاً لمحور إيران و"حزب الله - حماس"، إلى جانب طموحها في تكريس اعتراف دولي بسيادتها على الجولان، وتحويل الاحتلال إلى واقع جيوسياسي مقبول ضمن صفقة شاملة.

من وجهة نظر الدكتور عوض، فإن إسرائيل "تريد سوريا هادئة كما كانت، لا تمثل تهديدًا أمنيًا ولا ساحة لنفوذ الخصوم"، وهو ما يعكس مركزية الاعتبارات الأمنية في مقاربة إسرائيل لهذا المسار.

أما على الجانب السوري، فإن حكومة الشرع ترى في التطبيع مع إسرائيل مفتاحاً لرفع العقوبات الدولية، وكسر العزلة السياسية، وبدء عملية إعادة الإعمار بدعم خليجي وغربي. ويضيف الدكتور عوض أن "دمشق اليوم تملك ورقة جيوسياسية مهمة، ويمكن لنظامها – في حال تحقق الاستقرار – أن يلعب دوراً محورياً في إعادة ترتيب المنطقة".

دمشق الجديدة تدرك محدودية خياراتها العسكرية، وهو ما عبّر عنه د. عوض بوضوح "لا تملك سوريا اليوم أي قدرة حقيقية على تهديد إسرائيل. موازين القوى مختلة بالكامل، ولا مجال للمقارنة". وبالتالي فإن الجغرافيا والدبلوماسية تعتبر أدوات النفوذ الوحيدة في يد الحكومة السورية الانتقالية.

في هذا السياق، يرى الدكتور مالك الحافظ أن "تل أبيب تبحث عن سلام يُنهي حالة القلق الدائم على الجبهة الشمالية... لكنه في نظرها يجب ألا يكون اتفاق نجاة لدمشق بل صفقة استقرار تحفظ لإسرائيل تفوقها الأمني". وهذه المعادلة تنطوي على توازن دقيق بين الاعتراف بشرعية الحكم الجديد في سوريا، وتثبيت مكاسب إسرائيل الإستراتيجية.

بين الجولان والشرعية

رغم هذه المؤشرات الإيجابية، تواجه المفاوضات تحديات عميقة عدة، أولها قضية الجولان التي تبقى نقطة نزاع سيادية غير قابلة للتسوية السريعة. فقد أكّد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن "الجولان سيبقى تحت السيطرة الإسرائيلية"، ما يعني أن أي حديث عن إعادة الأراضي المحتلة سيكون محصوراً في المناطق التي احتلتها إسرائيل بعد سقوط الأسد فقط.

في هذا الإطار، يشير الدكتور الحافظ إلى أن مستقبل الجولان "يبدو مرهوناً بإرادة الأطراف الراعية للاتفاق، وإذا تحقق السلام، فمن المرجح أن يُعاد فتح ملف الجولان ضمن مقاربة تراعي الحق القانوني السوري والمطلب الأمني الإسرائيلي".

العقبة الثانية تتمثل في الانقسامات الداخلية السورية. قد يواجه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع معارضة من أطراف ترى في التطبيع مع إسرائيل خيانة للقضية الفلسطينية. كما أن الاتهامات الموجهة لبعض قواته بارتكاب انتهاكات ضد المدنيين، خصوصًا من الطائفة العلوية، تضعف من شرعيته أمام الرأي العام المحلي.

من جانبه، يرى الدكتور عوض أن "أي تسوية سورية - إسرائيلية قادمة، إذا حصلت، ستكون ظالمة ومجحفة من وجهة نظر السوريين، ولن تلبي تطلعاتهم الوطنية"، في إشارة إلى الفجوة الكبيرة بين ما يمكن تحقيقه دبلوماسياً وما ينتظره السوريون من استعادة أراضيهم.

أما خارجياً، فإن لاعبين إقليميين مؤثرين قد يمثّلون عقبة أمام هذا الاتفاق أيضاً. فإيران التي تعتبر الاتفاق تهديداً مباشراً لمشروعها في المشرق، قد تلجأ إلى تحريك خلاياها العسكرية للضغط على دمشق. أما تركيا، فقد تخشى من أن يؤدي الاتفاق إلى تقليص نفوذها في الشمال السوري، ما قد يدفعها لتوظيف الفصائل المسلحة الموالية لها لإفشال التسوية.

في ظل كل ما سبق، يبقى مسار السلام بين سوريا وإسرائيل محاطاً بالغموض والاحتمالات المتناقضة. يرى الدكتور عوض أن "مساهمة دمشق في ضمان الهدوء وتحييد الأخطار عن إسرائيل، هي الورقة الأقوى بيدها حالياً"، لكنها ورقة محفوفة بالمخاطر إذا لم تُترجم إلى مكاسب ملموسة في الداخل.

في السياق ذاته، يرى الدكتور مالك الحافظ أن "السلام لا يمكن أن يكون اتفاق نجاة لأي طرف، بل يجب أن يكون صفقة عقلانية توازن بين الأمن والسيادة". وهو ما يتطلب هندسة دقيقة للحدود، وتفاهمات متعددة المستويات، تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار إلى بناء تصور مشترك للاستقرار.

أي اتفاق سلام بين دمشق وتل أبيب لن يكون مجرد نهاية لحرب فقط، بل وبداية لتحول شامل في الخريطة السياسية في المنطقة، فيما تبقى النتيجة النهائية مرهونة بمدى قدرة الأطراف على الانخراط في مشروع حقيقي لسلام دائم. 

(المشهد)