لماذا لم يعلن أي طرف مسؤوليته عن استهداف ميناء دمياط حتى الآن؟

آخر تحديث:

شاركنا:
لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن هجوم المسيراة على سفينتين في دمياط (أ ف ب)
هايلايت
  • خبير عسكري: من الطبيعي ألا تعلن الجهة التي قامت بحادث ميناء دمياط عن نفسها حتى لا تتحمل المسؤولية.
  • الطائرات المسيرة باتت تعيد هيكلة الجيوش ليس فقط داخل المنطقة، بل على المستوى العالمي.
  • خبيرة علاقات دولية: نفي معظم الأطراف المرجحة مسؤوليتها يعكس اعتبارات إستراتيجية.

ما يزال حادث ميناء دمياط يلقي بظلاله ليس فقط على الدولة المصرية، بل على المنطقة برمتها، فرغم مرور نحو 3 أيام على وقوعه إلا أنه حتى كتابة سطور هذا التقرير، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادث الذي استهدف سفينتين لتخزين الغاز عبر طائرة مسيرة.

الإجراءات المصرية

الحكومة المصرية من جهتها أعلنت في وقت سابق أن الجهات المختصة داخل الدولة عثرت على آثار لطائرة مسيّرة في موقع حادث ميناء دمياط، ويجري حاليا تحليلها لتحديد مصدرها، وأكدت الحكومة على لسان رئيسها مصطفى مدبولي أن الدولة ستتخذ الإجراءات المناسبة في ضوء نتائج التحقيقات.

الأطراف الرئيسية الثلاثة التي تشير أصابع الاتهام إليهم (إيران وإسرائيل والحوثيون)، سارعوا بالإعلان بشكل صريح عن عدم تورطهم في استهداف الميناء المصرية، وهو ما زاد غموضاً أوسع بشأن الحادث، وأثار تساؤلات عديدة حول من يقف وراء إطلاق الطائرة المسيرة، ولماذا يخشى إعلان مسؤوليته عنها حتى الآن؟

أسباب الاستهداف

وفي خضم حالة الترقب التي تسيطر على المصريين مع استمرار التحقيقات الجارية لمعرفة أسباب استهداف ميناء دمياط والجهة المسؤولة عن هذا الاستهداف، أوضح الخبير العسكري ومستشار المركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية اللواء دكتور محمد الزيات في تصريحات خاصة لمنصة " المشهد": أنه من الطبيعي ألا تعلن الجهة التي قامت بهذا الحادث عن نفسها حتى لا تتحمل المسؤولية، مشيراً إلى أنه وعلى الرغم من تزايد احتمالات أن تكون الجهة التي قامت بذلك على صلة بإيران وإسرائيل، فلا يتصور أن تُعلن إحدى الدولتين مسؤوليتها عن الحادث، ولكن ربما تكون عناصر تابعة لهم هي من نفذت الهجوم.

وتوقع أنه لا دولة أو جهة سوف تعلن مسؤوليتها عما حدث في ميناء دمياط، مستشهداً بأن التنظيمات العسكرية الموالية لإيران في العراق عندما ضربت أهدافاً داخل المملكة العربية السعودية، لم تُعلن إيران مسؤوليتها عن ذلك، بل إن بعض التنظيمات تبرأت منها وربما كانت متورطة، مبيناً أن الأهداف التي يتم ضربها في منطقة الخليج لا تتم عن طريق إيران بشكل مباشر، بل من جهات تابعة لها داخل دول المنطقة، ورغم ذلك فإن إيران لم تُعلن مسؤوليتها عن هذه الضربات.

نتائج التحقيقات

وأوضح الزيات أن الاتهام حتى الآن لم يستقر على أي طرف، وما تزال هناك تحقيقات تُجريها السلطات العسكرية والأمنية في مصر، وعندما تنتهي هذه التحقيقات سوف تُحدَد الجهة التي قامت بها، وبالتالي وقتها سوف توجه مصر الاتهام بشكل مباشر للفاعل الحقيقي، موضحاً أن الأمر ما يزال مفتوحاً على كافة الاحتمالات ولا يجب أن يُستبعَدَ شيء منها، وإذا كانت المعطيات المعلنة والتي تم رصدها فيما يتعلق بموقف إيران من عمليات ضرب مناطق الغاز والبترول بمنطقة الخليج وكذلك ممرات ناقلات الغاز والنفط، يصبح هناك اتهام موجه لإيران بأنها ترغب في أن ينتقل الصراع إلى كافة المناطق التي فيها غاز طبيعي وتؤثر ليس فقط على منطقة الخليج، بل على أوروبا والدول الأخرى كافة.

لكنه أوضح في الوقت نفسه أنه لا يمكن الجزم باتهام طرف بعينه فيما يتعلق بحادث ميناء دمياط وخصوصا إيران، إلا إذا انتهت التحقيقات العسكرية بشكل كامل.

نفي المسؤولية

وعقب وقوع حادث ميناء دمياط سارعت أطراف عديدة وخصوصاً التي تُشير إليها أصابع الاتهام ( إيران وإسرائيل والحوثي في اليمن) بإعلان عدم تورطها في هذا الحادث، وفي هذا الإطار تقول الباحثة في العلاقات الدولية الدكتورة مونيكا وليم، إن نفي معظم الأطراف المرجحة جاء ليعكس اعتبارات إستراتيجية تتجاوز مجرد نفي المسؤولية، فإيران تدرك أن استهداف الأراضي المصرية لا يحقق لها أي مكسب إستراتيجي، بل يضيف خصمًا إقليميًا مهمًا في وقت تسعى فيه إلى تجنب توسيع دوائر المواجهة المباشرة، خصوصا مع استمرار الضغوط السياسية والاقتصادية عليها، كما أن مصر بالتعاون مع دول الخليج تمثل أبرز الأطراف القليلة القادرة على الحفاظ على قنوات اتصال مع مختلف القوى الإقليمية، وهو ما يجعل الإضرار بهذه العلاقة أمرًا لا يخدم الحسابات الإيرانية.

أما بالنسبة للأذرع الإقليمية فإن توسيع نطاق العمليات ليشمل مصر لا يخدم أهداف الجماعة المعلنة، بل قد يدفع مصر إلى تبني مقاربة أكثر تشددًا في البحر الأحمر على سبيل المثال، بما يغير قواعد الاشتباك ويؤدي إلى توسيع التحالفات المضادة لهم، ومن ثم فإن نفي الجماعة يأتي أيضًا في إطار تجنب فتح جبهة جديدة مع دولة ذات ثقل عسكري وسياسي كبير، غير أن استبعاد الدوافع السياسية لا يعني استبعاد أي فرضية بصورة نهائية، لأن الحسم يظل مرهونا بنتائج التحقيق الفني.

تداعيات الحادث

واستبعدت الباحثة في العلاقات الدولية أن حادث ميناء دمياط سيؤثر سلبًا على جهود القاهرة في التهدئة، بل ربما يعزز قناعتها بأن استمرار الصراعات دون تسويات سياسية يزيد من احتمالات انتقال تداعياتها إلى دول الإقليم كافة، مبينةً أن مصر ومنذ اندلاع الأزمات الإقليمية، تبنت رؤية تقوم على أن الأمن الإقليمي يتحقق من خلال احتواء النزاعات ومنع اتساعها، ومن ثم فإن الواقعة قد تدفع مصر إلى مضاعفة تحركاتها الدبلوماسية بالتوازي مع تعزيز إجراءاتها الدفاعية لحماية المجالين البحري والجوي.

وكشفت عن بروز محاولات من بعض المنصات الإعلامية لتوظيف الحادث بهدف الزج بمصر في معادلة الصراع الإقليمي، وذلك عبر الدفع نحو استنتاجات سريعة أو تحميل أطراف بعينها المسؤولية قبل انتهاء التحقيقات، إلا أن السياسة المصرية حافظت على نهجها التقليدي القائم على ضبط النفس، وعدم الانجرار إلى استنتاجات غير مدعومة بالأدلة.

سيولة إستراتيجية

وفي الوقت ذاته يثير الحادث تساؤلًا أوسع حول ما إذا كانت المنطقة قد دخلت مرحلة الفوضى الإقليمية من عدمها، ومن هنا تقول مونيكا وليم إن الإجابة الأكثر دقة هي أن الشرق الأوسط يعيش مرحلة سيولة إستراتيجية أكثر منه مرحلة فوضى كاملة، فالفاعلون لم يعودوا يقتصرون على الدول والتكنولوجيا العسكرية، وفي مقدمتها الطائرات المسيرة، أعادت تشكيل طبيعة التهديدات، وأصبحت الحدود الجغرافية أقل قدرة على احتواء آثار الصراعات.

وبالتالي، فإن حادث دمياط لا ينبغي قراءته باعتباره واقعة أمنية بعيدة عن المسار الجاري كونها مؤشرا على تحول أعمق في البيئة الأمنية الإقليمية، حيث تتزايد التهديدات وتتعقد عملية تحديد المسؤولية، ويصبح الاعتماد على الأدلة الفنية أكثر أهمية من التقديرات السياسية، وفي هذا السياق يظل النهج المصري القائم على استبعاد الفرضيات وفق المعطيات، والاعتماد على المؤسسات، واتخاذ القرار وفق حسابات الأمن القومي.

اختبار القدرات الدفاعية

وفيما يتعلق بالتساؤلات التي باتت على ألسنة الكثيرين خصوصاً بعد حادث ميناء دمياط، والتي تفيد بأن المسيرات تعد اختبارا حقيقيا للقدرات الدفاعية لأي دولة من عدمه، أوضح الخبير العسكري اللواء محمد الزيات أن المسيرات أصبحت متطورا جديدا يعيد هيكلة الجيوش ليس فقط داخل المنطقة، بل على المستوى العالمي، لأن هذه المسيرات بات يطلق عليها "سلاح الفقراء"، وسلاح الدول التي لا تمتلك القدرة على شراء صواريخ باليستية أو تصنيعها، أو شراء أحدث الطائرات مثل f35 أو su57.

وأكد أن هذا المتغير الجديد "المسيرات" قَلبَ موازين الحرب العالمية وسيُعيد هيكلة الجيوش، وضرب مثالاً بالحرب الأوكرانية الروسية والتي بدأت تتغير ملامحها خلال العام الأخير لها، وذلك عندما تمكنت كييف من تصنيع آلاف المسيرات، وبدأت تضرب بها موسكو حتى وصلت إلى عمقها الإستراتيجي، بل وصلت أوكرانيا لما هو أبعد ذلك في سلاح المسيرات، حيث استطاعت تصنيع أجهزة ومعدات لإسقاط تلك المسيرات، وشرعت بالفعل في بيعها للعديد من الدول، وبالتالي فإن الطائرات المسيرة أصبحت سلاحا جديدا يعيد هيكلة الجيوش.

وكشف الخبير العسكري أن مشكلة الطائرات المسيرة وخصوصاً الصغيرة منها والتي تفتقد للتطورات التكنولوجيا العالية أمثال (شاهد 136، أو هيرو الإسرائيلية وغيرها)، أصبحت منتشرة على مستوى العالم ويتم استنساخها، فهذه الطائرات يصعب رصدها إلكترونياً، ورغم أن قدراتها ما تزال محدودة في إحداث الضرر، إلا أنها باتت تمثل خطراً داهماً على لا يمكن إنكاره.

(المشهد - القاهرة)