في ضربة وُصفت بالقوية بين الأوساط المختلفة داخل البلاد لأبواق جماعة "الإخوان"، أصدرت السلطات في مصر إجراءات تصعيدية ضد حسابات سوشيالية لأشخاص موالين للجماعة التي تحظرها الحكومة المصرية، وذلك من خلال حجب حسابات عدد من الإعلاميين وصناع المحتوى من على منصات التواصل الاجتماعي كافة.
قائمة أسماء الحسابات المطلوب غلقها على منصات التواصل ومنع الوصول إليها داخل مصر، والتي أصدرتها النيابة العامة المصرية عبر بيان رسمي، ضمت 12 إخوانيًا، من بينهم يحيى موسى أحد مؤسسي حركة حسم الإرهابية المقيم في تركيا، والمدرج على قوائم الإرهاب في مصر، والصادر بحقه حكم بالإعدام في قضايا مرتبطة بالعنف، إلى جانب عدد من الإعلاميين وصناع المحتوى السياسي، من بينهم محمد ناصر، وأسامة جاويش، وهيثم أبو خليل، وسامي كمال الدين، وصانع المحتوى عبد الله الشريف، وجميعهم صدرت بحقهم أحكام قضائية مرتبطة بوقائع تتعلق بنشر أخبار كاذبة أو الانضمام إلى جماعة محظورة، إضافة إلى الممثل عمرو واكد المقيم خارج مصر، والذي يواجه أحكامًا غيابية في قضايا تتعلق بنشر أخبار كاذبة وإهانة مؤسسات الدولة.
النيابة العامة المصرية أكدت في بيانها، أنّ تنفيذ قرارات الحجب يأتي بالتنسيق مع الشركات المالكة للمنصات الرقمية، وذلك وفقًا للإجراءات القانونية المنظمة في إطار متابعة المحتوى المنشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية تجاه الحسابات التي يثبت مخالفتها للضوابط والقوانين المعمول بها.
ضربة قوية لأبواق التنظيم
وفي معرض تعليقه على قرارات قضائية بحجب عدد من الحسابات والمنصات الرقمية التابعة لموالين لجماعة "الإخوان"، أكد عضو مجلس الشيوخ المصري ناجي الشهابي في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد"، أنّ "هذه الخطوة تعدّ ضربة قوية للأبواق الإعلامية التي تتبنى أفكار الجماعة، وتسعى إلى بث الأكاذيب ونشر الشائعات وتدشين حملات تحريضية ضد مؤسسات الدولة المصرية، بما يتوافق مع أجندتها التخريبية عن طريق الفضاء الإلكتروني، بدلًا من العمل الميداني المباشر في ظل تراجع حضورها التنظيمي على الأرض".
وأشار إلى أنّ "الإخوان لا تملّ ولا تكلّ من محاولة العودة إلى المشهد من جديد بأيّ طريقة كانت، أملًا في تنفيذ مشروعهم ضد الوطن، لكنه أوضح في الوقت نفسه، أنّ تلك الجماعة فقدت الحاضنة الشعبية التي كانت تراهن عليها داخل البلاد، خصوصًا بعد كشف مخططاتهم الرامية إلى الفوضى والتخريب".
وأكد الشهابي أنّ "الأذرع المسلحة لجماعة الإخوان، تلقت ضربات كبيرة خلال الأعوام الماضية من قبل الأجهزة الأمنية المصرية، لذا باتت المنصات الرقمية والسوشيال ميديا السلاح الوحيد الذي يملكه أعضاء الإخوان في استقطاب المواطنين عبر تزييف الوعي، وذلك من خلال إعادة تدوير المحتوى المضلل، وتوظيف الأحداث اليومية في سياقات غير دقيقة".
وبيّن أنّ الجماعة اتخذت من سلاح الشائعات والمنصات الرقمية ملاذا أخيرا لها، وذلك بعد سقوطها السياسي المدوي عقب الثورة الشعبية التي أطاحت بها داخل مصر في عام 2013، لكنّ هذا السلاح نشط وزادت وتيرته بشكل أكثر خلال الفترة الأخيرة، ومن ثم كان يجب التصدي له من قبل الحكومة المصرية.
آلية العمل
وكشف البرلماني المصري، أنّ آلية عمل الجماعة الإخوانية في الفضاء الرقمي، تعتمد على استغلال الأمور الاقتصادية والمعيشية للمواطنين، من خلال المبالغة في تضخيم التحديات التي تواجه الدولة وتقديم معلومات غير صحيحة حول الأوضاع والخدمات والأسعار، وهو الأمر الذي يسهم في خلق حالة من القلق وعدم الاستقرار داخل المجتمع.
وأضاف، أنّ الجماعة تعتمد على تشغيل حسابات وصفحات متعددة تنشر المحتوى نفسه بصيغ مختلفة، وهو ما يخلق انطباعًا زائفًا بالتعدد والتنوع، كما أنها تلجأ إلى إعادة صياغة الأحداث واجتزاء التصريحات الرسمية، بما يغيّر من مضمونها الحقيقي، وذلك بهدف التأثير على الرأي العام وإثارة الجدل حول أداء الحكومة.
ملاحقة عناصر "الإخوان" في الخارج
أما الخبير القانوني ورئيس حزب الشعب الديمقراطي خالد فؤاد، فقد أوضح خلال حديثه معنا، أنّ "القانون المصري يسمح بملاحقة أيّ شخص يستهدف الداخل المصري حتى وإن كان خارج البلاد"، مبيّنًا أنّ القانون المصري وفقًا لمواده، يحق له ملاحقة من يستهدف الداخل المصري، حتى لو ارتكب الجرم في أيّ مكان بالعالم، وإن لم يسهل مقاضاته بالداخل يمكن حظر الوصول إلى حساباته الاجتماعية داخل مصر، وهذا ما أقدمت عليه النيابة العامة المصرية.
وذكّر أنّ الأشخاص الذين شملهم قرار الحجب صادر بحقهم أحكام قضائية نهائية من القضاء المصري، تتنوع ما بين إعدامات ومؤبدات وخلافه، وذلك لأسباب بعضها يتعلق بالتحريض على ممارسة العنف، والبعض الأخر يتعلق بالمشاركة في تنفيذ عمليات إرهابية، وبالتالي فمن الطبيعي أن يتم غلق تلك الحسابات التي تبث محتوًى يشجع على الإرهاب والعنف.
وأكد فؤاد أنّ التحريض الرقمي من قبل الإخوان، تنامى بشكل واضح في الأعوام القليلة الماضية، وبالتالي فإنّ هذه الإجراءات ستكون لها تداعيات إيجابية في تطويق الشائعات التي تُبث عبر المنصات الخاصة بأعضاء الجماعة، كما أنها ستساهم في استقرار البلاد وحماية المواطنين.
وتوقّع استمرار الحكومة المصرية في اتخاذ مزيد من الإجراءات خلال المرحلة المقبلة لمواجهة عناصر جماعة "الإخوان" والموالين لها والمحرضين ضد الدولة.
"ملاذ الإخوان الآمن"
ومن جهته وصف الخبير في شؤون الجماعات المسلحة منير أديب قرار حجب حسابات هؤلاء الأشخاص، بأنه جاء في محله رغم تأخره، مشيرًا إلى أنّ أعضاء تلك الجماعة "الإخوانية" عندما فقدوا وجودهم على الأرض بحثوا عن وسيلة أخرى لكي يمارسوا من خلالها نشاطاتهم العدائية تجاه أوطانهم، فكانت مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها ملاذهم لتنفيذ تلك الأنشطة الهدامة، مبينًا أنّ أبرز أهداف قرار حجب تلك الحسابات، تتعلق بوقف هذه المنصات التي تحرّض على استخدام العنف وتقويض مؤسسات الدولة المصرية.
ولفت إلى أنّ الإرهاب ليس هو الإرهاب الجنائي فقط، بل هناك ما يسمى بالإرهاب الرقمي، تستخدم فيها المنصات الرقمية من أجل التحريض وخلق الفوضى بالإضافة إلى التجنيد.
قرار النيابة المصرية لم يقتصر فقط على حجب حسابات خاصة بموالين لجماعة "الإخوان"، بل طال الصحفي الإسرائيلي المعروف بإيدي كوهين، لذلك أوضح أديب أنه لا يوجد فرق بين التابعين "للإخوان" والحسابات الإسرائيلية، فكلاهما يشتركان في نشر المحتوى المتطرف، الذي يدعو إلى ممارسة العنف والكراهية ضد الدولة الوطنية، فالمتابع لما يتم نشره على منصات الطرفين، يستطيع بسهولة أن يكشف حجم التطابق الكبير بينهم، في تشويه مؤسسات الدولة عبر ملفات حساسة كالوضع الاقتصادي والأزمات الداخلية المفتعلة.
وأوضح أنّ هناك الكثير من محاور التلاقي الرقمي التي تجمع إعلاميي وصناع المحتوى التابعين لجماعة "الإخوان"، وبين الحسابات الإسرائيلية، وذكر أنّ أبرز هذه المحاور تقوم على الآتي:
- استغلال الأحداث المحلية من أجل تدويلها لإثارة الرأي العام الداخلي.
- استخدام الهاشتاغات والشعارات التحريضية نفسها في توقيتات متزامنة.
- التركيز على خلخلة الثقة بين المواطن والحكومة من خلال بث اليأس والإحباط.
ووفقًا للخبير في شؤون الحركات المسلحة، فإنّ الدولة لا تستطيع أن تواجه الإرهاب والتطرف من خلال الشق الأمني والعسكري فقط، بل يجب أن تكون هناك وسائل أخرى لمواجهة هذا الإرهاب، مشيرًا إلى أنّ أولى هذه الوسائل يتمثل في التصدي للمنصات الرقمية التي يستخدمها العناصر التابعة للإخوان.
ويرى أنّ هذه الحسابات التي تم حجبها للموالين لجماعة "الإخوان"، ليست حسابات شخصية، بل هي حسابات تعبّر عن تنظيم مؤسسي متطرف له أهدافه ونهجه الخاص به، كاشفًا في الوقت نفسه، أنّ الصراع الموجود حاليًا ليس صراعًا بين الدولة الوطنية وبين هؤلاء الأشخاص، لكنه صراع ما بين الدولة وبين ما يمثله هؤلاء الأشخاص من أفكار هدفها هو تقويض الدولة الوطنية.
(المشهد - القاهرة)