لم تعد التحذيرات الإسرائيلية الأخيرة تدور فقط حول تسليح مصر أو تحركاتها في سيناء، بل إن رقمًا بعينه أصبح جزءًا من النقاش: نحو 440 ألف جندي مصري في الخدمة، مقابل أقل من 170 ألفًا في الجيش الإسرائيلي. هنا لا تبدو المقارنة عسكريةً فقط، بل نفسية أيضًا، لأنها تضع القوة البشرية المصرية في قلب حسابات تل أبيب.
ولا يلغي التفوق النوعي الإسرائيلي، ربما في التكنولوجيا والطيران والاستخبارات، قيمة الكتلة البشرية التي تشكل عاملًا حاسمًا في الحروب طويلة الأمد، من حيث القدرة على امتصاص الخسائر وتدوير القوات.
أرقام متغيرة
عن هذه الأرقام ودلالاتها تحدث من القاهرة، اللواء أسامة كبير، المستشار في كلية القادة والأركان المصرية لـ"المشهد" مؤكدا أنها أرقام متغيرة وسرية لا يقع الكشف عنها.
وأوضح أن الرقم الذي يتداول عادة في الصحافة أو لدى الجانب الآخر يبدو غريبًا عندما يذكر بدقة متسائلا: كيف قاموا بعده؟
وبشكل عام أكد أن مصر دولة ردع بشري، فمنذ أيام الرئيس جمال عبد الناصر، وحتى قبل ذلك، كانت مصر تمتلك قاعدة سكانية كبيرة.
دوافع التركيز
وعن دوافع هذا التركيز على هذه الأرقام، قال اللواء المصري إنه في الحقيقة تركيز إعلامي.
وأشار إلى أنه في الآونة الأخيرة، ومع خضم الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، بدءًا من السابع من أكتوبر 2023، وصولًا إلى الحرب الأخيرة مع إيران، أصبحت البوصلة تتجه إلى خسائر حكومة اليمين في إسرائيل.
كما اعتبر أن الاتفاق الذي وُقع بين واشنطن وطهران أحدث إشكالية، وأوجد حالة من التباين الإعلامي والسياسي.
ووفق رأيه فإن الحديث عن تعبئة الجيش والاحتياط والقوات النشطة في مصر وإسرائيل يصدر غالبًا عن جنرالات متقاعدين يثيرون مثل هذه القضايا، بحثًا عن مسار آخر للنقاش.
العنصر البشري مقابل التكنولوجيا
وعن مقارنة أهمية العنصري البشري بالنسبة للجيوش بالتكنولوجيا العسكرية الحديثة قال اللواء أسامة كبير إن فكرة إسرائيل قامت منذ تأسيس الدولة عام 1948 على ما يسمى بنظرية التفوق النوعي، لتعويض ما أسموه بالفارق الكمي. فإسرائيل رأت نفسها محاطة بدول الطوق العربية، وكانت مصر وسوريا والأردن ولبنان، إضافة إلى العراق، تمثل مصدر تهديد لها.
ومن هنا وفق تقديره تبنت فلسفة عسكرية تقوم على تعويض التفوق العددي العربي، سواء في أعداد الجنود أو الدبابات أو المدافع، عبر التفوق النوعي.
لكن هذا الأمر وحده لا يكفي كما أكد. فالحروب الحديثة، سواء الحروب الذكية أو الحروب غير المتماثلة أو الحروب الهجينة، تعتمد بالفعل على تقليص الاعتماد على العنصر البشري إلى حد ما، مع الاستعاضة عنه بالتكنولوجيا لكنها لا تستغني عنه، وأوضح: نجد الاهتمام أولًا بالقوات الجوية والبحرية، للسيطرة على الأجواء والمضائق والبحار وخطوط الإمداد، ثم تأتي بعد ذلك التكنولوجيا، من الأسلحة الذكية إلى الطائرات المسيّرة بمختلف أنواعها، سواء الطائرات الانتحارية أو طائرات الاستطلاع أو المسيّرات الصغيرة.
تدريب مستمر
وعن مدى استعداد القوة البشرية في مصر لهذا التحول التكنولوجي؟ وهل يجري تدريبها على ذلك لتكون مؤهلة لمواكبة هذا التطور؟ قال اللواء أسامة كبير غت ذلك مؤكد متحدثا من واقع خدمته في صفوف القوات المسلحة المصرية.
وأوضح أن القوات المسلحة المصرية متواكبة ومتطورة ومتوافقة مع كل ما يحدث من تحديث وتطوير في مجالات التكنولوجيا والتصنيع العسكري وتعتمد سياسة تنويع مصادر السلاح، وتحرص على الحصول على أحدث المعدات والأنظمة ذات القدرات العالية.
كما أشار إلى أنها بدأت بالفعل مرحلة التصنيع المحلي، بالتعاون مع العديد من دول العالم، "وهو أمر بالغ الأهمية"، وفق قوله، مؤكدا أن مصر، شأنها شأن كثير من الدول في الشرق الأوسط والعالم العربي، تواكب هذا التطور، لأنه لا يمكن لأي دولة أن تتخلف عن هذا المسار.
(المشهد)