إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنهاء مذكرة التفاهم مع إيران، بعث بتساؤلات عديدة حول مستقبل التهدئة الهشة بين واشنطن وطهران.
نذر تصعيد جديد
وبينما تبدو المنطقة أمام نذر تصعيد سياسي وعسكري جديد، إلا أن مراقبين تحدثوا لـ"المشهد" قد ألمحوا إلى أن قرار ترامب يعكس، مرحليًا، عودة سياسة "الضغط الأقصى" لإجبار إيران على تقديم تنازلات في ملفات خلافية، أبرزها مضيق هرمز وسلوكها الإقليمي.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن الخطوة قد تسرّع انهيار وقف إطلاق النار، الأمر الذي تبرز تداعياته المباشرة على أسواق الطاقة، توازنات الأمن الإقليمي بالمنطقة، والانقسام داخل إيران بين جناحي السلطة حول مسار التفاوض أو الصدام والتصعيد.
وكان ترامب قد أعلن الأربعاء عن أن مذكرة التفاهم مع طهران قد "انتهت"، بينما شدد على عدم رغبته الانخراط في أي تعاملات مستقبلية مع النظام الإيراني، وقد وصف المسؤولين الإيرانيين بأنهم "مرضى".
كما شدد أن واشنطن لن تسمح لإيران بامتلاك سلاح نووي.
اتفاق هشّ
في حديثه لمنصة "المشهد" يؤكد المحلل السياسي الإيراني وجدان عبد الرحمن، أن احتمال عودة التصعيد العسكري بين طهران وواشنطن كان قائمًا منذ بداية الإعلان عن "مذكرة التفاهم" التي أنهت الحرب بشكل بدا مؤقتًا، ولم تبد للحظة نهاية مستدامة.
إلا أن عبد الرحمن عزا ذلك إلى طبيعة التعاطي الإيراني مع ملفات التفاوض. ويقول: "طهران لم تكن مستعدة للتنازل عن بعض القضايا التي تعدها إستراتيجية، وغالبًا ما تسعى إلى كسب الوقت أو المناورة التكتيكية في تنفيذ التزاماتها، وهو ما انعكس في الجدل الذي رافق ملف مضيق هرمز، وتعمدها استهداف شاحنات النفط والمدنيين".
فقد جرى التوقيع على اتفاق أولي، على أن يتم خلال 60 يومًا التوصل إلى اتفاق شامل، إلا أن الطرفين لم ينجحا حتى في تنفيذ بعض البنود الأساسية التي تم الاتفاق عليها، خصوصًا في ما يتعلق بالمضيق الذي يمر منه خُمس إمدادات الطاقة والغاز الطبيعي المسال عالميًا.
ومن وجهة النظر الأميركية، يشير المحلل السياسي الإيراني إلى أن الممارسات الإقليمية للنظام في طهران لم تكن منسجمة مع الالتزامات التي نصّت عليها الاتفاقية، الأمر الذي أدى إلى تصاعد التوتر ووقوع بعض المناوشات.
عليه، فإن إعلان الرئيس ترامب لا يبدو مفاجئًا، والحديث للمصدر ذاته، بل يأتي ضمن إستراتيجية تقوم على ممارسة أقصى درجات الضغط السياسي والعسكري على النظام الإيراني، بهدف دفعه إلى العودة إلى طاولة المفاوضات والالتزام بما تم الاتفاق عليه.
أما الضربات التي وجهتها الإدارة الأميركية، مؤخرًا، يرى عبد الرحمن أنها تندرج ضمن سياسة ترسيخ "الردع العسكري"، إذ أرادت واشنطن توجيه رسالة واضحة مفادها أنها مستعدة لاستخدام القوة إذا رأت أن إيران لا تلتزم بتعهداتها أو تحاول تغيير قواعد الاتفاق.
سياسة الضغط القصوى
كما تهدف هذه الضربات إلى زيادة "الضغوط النفسية والسياسية" على القيادة الإيرانية، بما قد يفاقم التباينات داخل مراكز صنع القرار، خصوصًا بين التيار المؤيد للتفاوض مع الولايات المتحدة والتيار الرافض لأي تفاهمهات وتسوية، الأمر الذي من شأنه أن يوسع مساحة الخلافات الداخلية بشأن كيفية التعامل مع الأزمة.
وليس خافيًا أن لهذه التطورات انعكاسات إقليمية واضحة، وفق عبد الرحمن، منها ردود فعل طهران المتمثلة في استهداف الدول الخليجية عقب الضربات الأميركية، بما يعكس اتساع دائرة التوتر. وتابع: "مثل هذه التحركات تعزز الانطباع بأن إيران لا تلتزم دائمًا بالتفاهمات أو الضمانات التي تقدمها، سواء تجاه واشنطن أو تجاه دول الجوار".
بالمحصلة، لا يرجح المحلل السياسي الإيراني أن أيًا من إدارة ترامب أو القيادة الإيرانية يرغب في الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة؛ لأن كلفة مثل هذا السيناريو ستكون مرتفعة على الطرفين وعلى المنطقة بأسرها.
لذلك يبدو أن الهدف الأساسي هو إدارة التصعيد ضمن حدود محسوبة، مع استمرار الولايات المتحدة في توجيه رسالة حازمة إلى طهران مفادها أن الاستجابة للمطالب الأميركية والالتزام بالاتفاقات سيظلان شرطين أساسيين لتجنب مزيد من التصعيد.
وفي حين بدا لافتًا أن الرئيس الأميركي عاود الحديث عن احتمال مواصلة المفاوضات، وذلك في غضون دقائق من تصريحاته بانتهاء مذكرة التفاهم، وقال: "سأترك لمفاوضينا الرائعين مواصلة الحديث إن أرادوا، لكنني لا أرى ذلك مناسبًا. لا أُحب هؤلاء الناس (الإيرانيين)"، فإن ذلك التباين حدا بالباحث في معهد (روسي) البريطاني والذي سبق أن عمل في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية مايكل شوركين، للقول بأنه من الصعب تفسير الدوافع الحقيقية لموقف لترامب، والذي يحمل التباسات عديدة.
وأوضح شوركين في تصريحات لمنصة "المشهد"، أن ترامب، ربما، يسعى إلى احتواء الانتقادات التي تعرض لها من معارضين اعتبروا أن "مذكرة التفاهم" عكست تراجعًا في الموقف الأميركي، أو أنها أنهت الحرب من دون تحقيق مكاسب كافية لواشنطن. لذلك؛ قد يكون الهدف من قراره توجيه رسالة أكثر تشددًا إلى منتقديه، وبنفس الدرجة إلى إيران.
استئناف العمليات العسكرية
من ثم، لا تبدو هناك أي مؤشرات على وجود إستراتيجية أوسع تقف وراء هذه الخطوة، حسبما يوضح الباحث في معهد (روسي) البريطاني والذي سبق أن عمل في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، مشددًا على أنه لا يتصور كيف يمكن لاستئناف الأعمال العسكرية أن يفضي إلى تحسين الموقف الأميركي، في ظل "محدودية أدوات الضغط والنفوذ التي تمتلكها الولايات المتحدة في هذه المرحلة".
ومن جهته، يرى الأكاديمي الأميركي المتخصص في العلوم السياسية بجامعة جامعة فلوريدا إريك لوب، أن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنهاء مذكرة التفاهم مع إيران يجعل الاتفاق، الذي كان يعاني أساسًا من الهشاشة، أكثر عرضة للانهيار، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن ترامب أبقى الباب مفتوحًا أمام مواصلة المفاوضات.
وقال لوب لمنصة "المشهد"، أن القرار، إلى جانب تعليق أو إلغاء واشنطن إعفاءات العقوبات المتعلقة بصادرات النفط الإيرانية، يضاعف من احتمالات انهيار وقف إطلاق النار وتجدد المواجهة العسكرية في مضيق هرمز كما بالخليج العربي، حتى وإن كانت طهران وواشنطن تفضلان تجنب العودة إلى تصعيد واسع النطاق.
هذه التطورات قد انعكست سريعًا على الأسواق، إذ ارتفعت أسعار النفط، وهو مؤشر على تنامي المخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة العالمية مرة أخرى.
وخلص لوب إلى أن الخلاف بين طهران وواشنطن يتمحور حاليًا حول قضيتين رئيسيتين:
- سعي إيران إبقاء سيطرتها على مضيق هرمز وفرض رسوم على ناقلات النفط وسفن الشحن وغيرها من السفن التجارية، وفي المقابل، تواصل الولايات المتحدة ودول أخرى تحدي هذا التوجه من خلال عبور سفنها الممر الجنوبي للمضيق بمحاذاة السواحل العُمانية من دون الحصول على تصاريح أو موافقة إيرانية.
- محاولات توسيع نطاق وقف إطلاق النار ليشمل لبنان، في وقت تواصل إسرائيل وجودها العسكري بمناطق نفوذ "حزب الله" لتقويض بنيته الأمنية والعسكرية.
ويختم الأكاديمي الأميركي المتخصص في العلوم السياسية بجامعة جامعة فلوريدا الدولية، إلى أن "الاتفاق الإطاري" بين لبنان وإسرائيل يزيد المشهد تعقيدًا، إذ يربط الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان بنزع سلاح "حزب الله"، وهو شرط "من غير المرجح تحقيقه في المدى المنظور".
مواجهة أوسع
يتخوف الكاتب والباحث الإماراتي المختص في الشؤون السياسية والإقليمية محمد خلفان الصوافي، من تداعيات موقف ترامب، خصوصًا أن هذه الخطوة تقلص فرص التوصل إلى تهدئة قريبة مع إيران، وترجح عودة التصعيد بين الجانبين، بما قد يفضي إلى اندلاع مواجهة عسكرية واسعة مجددًا، بالتوازي مع فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية على طهران.
ومن المرجح أن يعمق قرار ترامب الانقسام بين التيار المؤيد لخيار التفاوض مع الولايات المتحدة، والتيار الرافض لأي تسوية معها، بحسب خلفان الصوافي لـ"المشهد".
ورأى أن تداعيات التصعيد لن تقتصر على الداخل الإيراني، بل قد تمتد إلى المنطقة، مع احتمال عودة استهداف دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما من شأنه التأثير في أمن المنطقة والاقتصاد العالمي، بالنظر إلى الأهمية الإستراتيجية للخليج في أسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية.
إلا أن مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية وعضو الحزب الجمهوري توم حرب، اعتبر قرار ترامب "موقفًا حازمًا" قد تأخر اتخاذه تجاه النظام الإيراني الذي "لا يمكن الوثوق به"، ومتهماً إياه بتوظيف الاتفاقات لمواصلة برنامجه النووي ودعم "الأنشطة الإرهابية".
وقال حرب لـ"المشهد"، إن هذه الخطوة تضع حدًا لما وصفه بسياسة "الاسترضاء الفاشلة"، وتعكس استعادة واشنطن لنهج أكثر صرامة في التعامل مع طهران، بما يهدف لزيادة الضغوط عليها ودفعها نحو تغيير سلوكها.
(المشهد)