مع انتهاء مهلة الـ 60 يوما التي يفرضها "War Powers Resolution" أو "قانون صلاحيات الحرب" لعام 1973، تدخل العملية العسكرية الأميركية في إيران مرحلة حساسة، لا يطغى عليها فقط التصعيد الميداني، بل أيضا جدل قانوني ودستوري معقد قد يحدد مسار القرار في واشنطن خلال الأسابيع المقبلة.
عقدة المهلة الدستورية
أمام حقيقة الانقسام الحاد في مجلسي النواب والشيوخ، وصعوبة حصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تفويض من الكونغرس، يدرس البيت الأبيض مجموعة من الخيارات التي تتراوح بين التصعيد العسكري أو المناورة القانونية لتفادي مواجهة المشرعين في مبنى الكابتول لتمديد مهلة الستين يوما، التي تعتبر منتهية في الـ30 أبريل المنصرم، إذا لم يُحتسب وقف إطلاق النار الذي بدأ في الـ8 أبريل، لأن العملية العسكرية "الغضب الملحمي" ضد إيران بدأت في الـ28 فبراير الماضي.
يشرح المحامي والدبلوماسي السابق ستيف جيل لمنصة "المشهد" أن النقطة المحورية تكمن في تفسير أثر وقف إطلاق النار، على مهلة الستين يوما، فالقانون لا يقدم إجابة واضحة، ما يفتح الباب أمام قراءتين قانونيتين متباينتين:
- أولا: ما يُعرف بـ"Restart Argument" أو "طرح إعادة التشغيل"،حيث يُنظر إلى وقف إطلاق النار باعتباره نهاية للعملية العسكرية الأولى، وبناء عليه، فإن أي استئناف للضربات يُعد بداية لعملية جديدة، ما يعني انطلاق مهلة جديدة كاملة مدتها 60 يوما، فور عودة الضربات العسكرية، من دون الحاجة الفورية لموافقة الكونغرس.
- ثانيا: ما يُصطلح عليه بـ"Pause Argument" أو "طرح الإيقاف المؤقت"، والذي يفترض أن وقف إطلاق النار لا يُنهي المهلة، بل يعلقها مؤقتا. وعند استئناف العمليات، يُستكمل العد من النقطة التي توقف عندها. فإذا كانت المدة المتبقية مثلا 3 أسابيع، فإنها تظل قائمة.
مساحة مناورة سياسية
وبين هذين التفسيرين، تجد الإدارة الأميركية مساحة واسعة للمناورة، فكلا الطرحين يمنحان البيت الأبيض وقتا إضافيا دون الاضطرار للذهاب إلى كونغرس منقسم قد لا يمنح التفويض المطلوب. وهنا، يقول ستيف جيل، يمكن للإدارة أن تدفع بحجة بسيطة "لا يوجد أي استعجال" مثلما قال الرئيس ترامب في أكثر مناسبة، وما زالت العمليات ضمن الإطار القانوني. وهي مقاربة تتيح تأجيل المواجهة السياسية، وربما تفاديها بالكامل.
لكن هذه المناورة، وفق جيل، لا تخلو من المخاطر، إذ يمكن للكونغرس أو أطراف أخرى الطعن في هذا التفسير أمام القضاء. غير أن عامل الزمن يلعب لصالح الإدارة، إذ إن إجراءات التقاضي قد تستغرق وقتا طويلا، ما يمنحها فعليا هامشا إضافيا للتحرك قبل صدور أي حكم.
وعلى الرغم من وجود حالات سابقة لرؤساء أميركيين نفذوا عمليات عسكرية من دون تفويض صريح من الكونغرس، فإن هذا السيناريو يظل مختلفا. فالجديد هنا هو الجمع بين وقف إطلاق النار وإعادة تفسير المهلة القانونية، سواء باعتبارها قد أعيد تشغيلها أو تم تعليقها.
هذا الغموض القانوني، كما يشير جيل، يفتح الباب أمام تأويلات متعددة يمكن توظيفها سياسيا، خصوصا في ظل غياب سابقة مشابهة يمكن الاستناد إليها.
بين العودة لشن ضربات والانتظار
سياسيا، يقدم المحلل السياسي المختص في الشأن الأميركي والشرق الأوسط مختار كامل لمنصة "المشهد"، قراءة للخيارات الإستراتيجية المطروحة حاليا أمام الرئيس دونالد ترامب.
- السيناريو الأول، يتمثل في تنفيذ ضربة عسكرية مركزة وقوية ضد إيران، بهدف فرض واقع جديد يدفع طهران إلى طاولة المفاوضات. في هذا السيناريو، تسعى الإدارة إلى تحقيق مكسب سريع يمكن تسويقه سياسيا على أنه "انتصار"، يفتح الباب أمام تسوية بشروط أفضل للولايات المتحدة.
- أما السيناريو الثاني، فيقوم على الاستمرار في سياسة الحصار والضغط الأقصى، وترك الكرة في الملعب الإيراني. وهنا يتحول الصراع إلى اختبار إرادات وقدرة على التحمل، مع رهان على أن الضغوط الاقتصادية التي يُطلق عليها البيت الأبيض تسمية "الغضب الاقتصادي"، وتأثيرها على قطاع النفط، قد تدفع إيران إلى الرد بعمل عسكري، ما يبرر تصعيدا أميركيا لاحقا.
وفق مختار كامل، لا تنفصل هذه الخيارات عن السياق الجيوسياسي الأوسع، حيث تلعب كل من روسيا والصين دورا داعما لإيران، وإن كان هذا الدعم بطرق غير مباشرة، كما ترتبط هذه الحسابات، وفق كامل، بملفات أخرى، من بينها الحرب في أوكرانيا، والتنافس مع بكين على النظام المالي العالمي. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية النفط الإيراني ليس فقط كعامل اقتصادي، بل كعنصر مؤثر في معادلة النفوذ الدولي، خاصة في ظل محاولات تقويض هيمنة الدولار عالميا.
في المحصلة، وبين تعقيدات القانون وحسابات السياسة، يبدو أن إدارة ترامب تميل إلى إستراتيجية واضحة ترتكز على تجنب طلب تفويض من الكونغرس، والاستفادة من الغموض القانوني المحيط بوقف إطلاق النار. وسواء تم اعتماد تفسير "إعادة التشغيل" أو "الإيقاف المؤقت"، فإن النتيجة واحدة، كسب وقت قد يكون كافيا لإعادة رسم ملامح المواجهة مع إيران أو لتفاديها بالكامل من خلال التوصل لاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران.
(المشهد - واشنطن)