سوريا بعد الأسد.. صراع نفوذ بين تركيا وإسرائيل

آخر تحديث:

شاركنا:
إسرائيل على توسيع حضورها الأمني والسياسي في العمق السوري (رويترز)
هايلايت
  • تركيا توسع حضورها العسكري والإداري شمالاً.
  • محللون: إسرائيل ترسم خطوطاً حمراء داخل العمق السوري.
  • مراقبون: تنافس إقليمي يعقد إعادة بناء الدولة السورية.

تقع سوريا تحت وطأة تحولات جوهرية بعد سقوط نظام بشار الأسد، وهو ما يكشف عن مرحلة جديدة من الصراع بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، وقد برز ذلك مع احتدام التنافس التركي الإسرائيلي، مؤخراً، حيث يواصل الطرفان توسيع دوائرهما في ظل غياب النفوذ الإيراني.

وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإن مرحلة التجانس في المواقف بين أنقرة وتل أبيب انحسرت منذ مرحلة ما بعد "الأسد"، موضحين أن التنافس "الخشن" يؤشر إلى سباق على النفوذ والهيمنة في شرق المتوسط، وداخل وضع إقليمي متوتر تتسارع وتيرة أحداثه.

خطوط حمراء إسرائيلية

قبل أيام، أعلنت وزارة الدفاع التركية عن انطلاق عمليات التدريب المشتركة مع الجيش السوري، الأمر الذي عدّه الكاتب السياسي السوري شيار خليل "تحولاً مفصلياً" في مسار التنافس بين تركيا وإسرائيل، موضحاً لـ"المشهد" أن الميل التركي لاستعادة هيكلية الجيش السوري يتعارض مع الموقف الإسرائيلي، بل يفاقم تحديات المواجهة بين الطرفين.

ويؤكد خليل أن تل أبيب تنظر بـ"ريبة" و"شك" كبيرين إلى تمدد النفوذ التركي في سوريا، في ظل عملية ترسيم وإعادة تعيين موازين القوى بعد سقوط "الأسد". ويردف: "تركيا تواصل تكريس حضورها العسكري والإداري في شمال سوريا، مستندة إلى فصائل مسلحة موالية وإلى شبكة من المؤسسات الخدمية والاقتصادية التي تسعى من خلالها لترسيخ تبعية إستراتيجية وليست مؤقتة".

في المقابل، تعمل إسرائيل على توسيع حضورها الأمني والسياسي في العمق السوري. فبعد انكفاء الدور الإيراني، ترى تل أبيب أن الفرصة مواتية لرسم "خطوط حمراء" جديدة تضمن ألاَّ تكون سوريا منصة هجوم ضدها، وفق خليل، لافتاً إلى أن هذا التوجه يتجسد في "تحركات استخباراتية وزيارات غير معلنة، إلى جانب محاولات نسج قنوات تواصل غير مباشرة مع دوائر الحكم الجديدة في دمشق".

ولا يمكن النظر إلى هذا التنافس بمعزل عن التوازنات الإقليمية والدولية، فتركيا تستخدم الملف السوري كـ"ورقة ضغط" في علاقاتها مع أوروبا وحلف الناتو، وكذا تحاول إسرائيل استثمار غياب إيران لتعزيز دورها كـ"قوة إقليمية". يقول خليل.

كما يرجح أن استمرار التنافس من دون توافق أو تنسيق مع السلطة الانتقالية، قد يهدد بجعل البلاد "ساحة لتصفية الحسابات بين المحاور الإقليمية المتنازعة"، وبما يعيق إعادة الإعمار وبناء الدولة.

احتمالات التصعيد بين العسكري والسياسي

يتفق والرأي ذاته المحلل السياسي السوري فراس علاوي، والذي يؤكد أن التنافس التركي الإسرائيلي ليس أمراً طارئاً، إنما المتغير هو انسحاب أو خروج المشروع الإيراني، وبالتالي برزت ضرورة ملء هذا الفراغ، الأمر الذي رفع حدة التنافس بين المشروعين.

ويرجح علاوي لـ"المشهد" أن يكون شكل التصعيد في سوريا سياسياً ودبلوماسياً أكثر منه عسكري، مشيراً إلى أن مآلات هذا التنافس تحددها القضية الفلسطينية، حيث إن حدود التنافس في سوريا لها ارتباط بشكل كبير بما يجري في غزة، وفي حال تمت التهدئة، أو تم توصيل اتفاق بين حماس وإسرائيل، فحدة التنافس سوف تتراجع، خصوصاً أنه لا توجد مناطق اشتباك مباشرة بين الطرفين. كما ستنتهي بالتبعية عملية الضغط لتوتير المنطقة ومسارح الأحداث كما في سوريا، خصوصاً أنه إيران مستفيدة من إشعال المنطقة، وفي كافة الأحوال من غير المرجح أن نشهد مرحلة الصدام على الأرض السورية.

من جهته، يرى الباحث التركي المختص في شؤون الشرق الأوسط إسلام أوزكان، أن التنافس التركي-الإسرائيلي ليس صراعاً عسكريا مباشراً، بل هو تنافس جيوسياسي معقد ومتباين في الأولويات، تديره كلتا الدولتين "بعناية" لتجنب المواجهة المباشرة، لافتاً في حديثه لـ"المشهد" إلى أن التنافس هو جزء من علاقة إقليمية أوسع تتسم بالتقلب بين التعاون والتوتر.

مؤشرات التنافس

وبحسب أوزكان، فإن "مؤشرات هذا التنافس واضحة وتتمحور حول تضارب أولويات الأمن القومي لكل طرف، مما يؤدي إلى إستراتيجيات عملياتية متناقضة. بالنسبة لإسرائيل، التهديد الأكبر في سوريا هو المحور الإيراني (الحرس الثوري الإيراني، حزب الله والميليشيات التابعة له) الذي يسعى لإقامة جبهة تهديد مباشرة على حدودها الشمالية. ولذلك، تركز إسرائيل عملياتها الجوية بشكل كامل على استهداف الأصول الإيرانية، وتحديداً قوافل الأسلحة والمواقع العسكرية المرتبطة بطهران، بواسطة الضربات الجوية الدقيقية من دون وجود عسكري كبير ميدانياً". 

في المقابل، ترى تركيا أن التهديد الأمني الرئيسي هو بالملف الكردي، وما تعتبره قوى سياسية وعسكرية امتداد لحزب العمال الكردستاني، فتنصب جهودها العسكرية والسياسية على شمال سوريا، وتسعى لإنشاء منطقة عازلة لمنع قيام أي كيان كردي على حدودها، وفقا لأوزكان.

يمكن وصف الوضع الراهن بـ"التنافس المقنّع" أو "اللا-تصادمية"، بحسب الباحث التركي المختصص في شؤون الشرق الأوسط، موضحاً أنه برغم التنافس، إلا أن كلا الطرفين يدرك خطورة الاحتكاك المباشر، فـ"إسرائيل تتجنب استهداف مناطق النفوذ التركي بشكل مباشر، وتركيا لا تعيق العمليات الجوية الإسرائيلية التي تستهدف إيران. كما تلعب روسيا دوراً محورياً في إدارة هذا التنافس غير المعلن، حيث تعمل كمنسق غير رسمي لحركة القوى في الأجواء السورية، مما يضمن عدم تضارب المصالح المباشر بينهما".

ويلفت أوزكان إلى أنه" رغم أن تركيا كانت ضمن عملية أستانا مع روسيا وإيران، بينما ترى إسرائيل أن إيران منافس يجب إضعافه لا عدو، إلا أن تركيا ترى في إسرائيل خصماً لها، حتى وإن كانت إدارة حزب العدالة والتنمية تتبع سياسات براغماتية وانتهازية.

ويتابع: "هذا الوضع يضع تركيا وإيران في موضع شراكة تكتيكية، وإسرائيل وإيران في موضع عداء، مما يفرض على تركيا وإسرائيل صعوبة في التنسيق".

من ثم، فالنتيجة الأكثر ترجيحاً هي استمرار الحالة الراهنة من "التنافس الهادئ"، ما لم تتغير الأهداف الأساسية لكل طرف بشكل جذري، وفق المصدر ذاته. غير أن هناك احتمالًا لتوتر محدود، قد يؤدي فيه استهداف إسرائيل للقوات التركية بشكل مباشر أو متعمد أو غير متعمد، إلى توتر قصير الأمد.

ويختتم أوزكان حديثه قائلًا: "على الرغم من أن التوصل إلى اتفاق إستراتيجي شامل بين الجانبين حول سوريا قد لا يبدو ممكناً في المرحلة الأولى، إلا أنه إذا استمرت إسرائيل في "نهجها العدواني" واختارت تصعيد التوتر من خلال شن هجمات دول المنطقة، فإن هناك احتمالاً حقيقياً لتصاعد الصراع. فيما لا تزال هناك فرصة للتعاون بين الطرفين، ولكن هذا سيكون ممكناً فقط إذا انتهت الحرب في غزة وتخلت إسرائيل عن تصعيداتها الأخيرة".

ومع ذلك، فالتعاون محكوم عليه بالبقاء تكتيكياً ومحدوداً، وليس تحالفاً إستراتيجياً، إذ تتجنب تركيا المواجهة العسكرية مع إسرائيل قدر الإمكان لأسباب جيوسياسية وسياسية وعسكرية، وهذا الأمر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدقة التي توليها أنقرة لعلاقاتها بواشنطن، بحسب أوزكان. 

(المشهد )