تأتي زيارة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران، وهي الأولى منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، في لحظة مفصلية من الصراع بين إيران والولايات المتحدة، مع تعثر المسار التفاوضي وتصاعد التوتر في مضيق هرمز وتزايد الضغوط الاقتصادية على طهران.
جهود الوساطة
وبينما تسعى موسكو إلى توظيف علاقاتها مع طرفي الأزمة لتعزيز دورها الدولي واستعادة نفوذها الإقليمي، تظل قدرتها على إحداث اختراق مرهونة بمدى استعداد إيران لتقديم تنازلات بشأن الملف النووي وحرية الملاحة، في ظل تحفظات إيرانية وأميركية على الدور الروسي، ومخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع إذا أخفقت جهود الوساطة في احتواء التصعيد، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".
ورغم أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد صرح اليوم الثلاثاء، أن التقارب بين طهران وموسكو بلغ أعلى مستوياته مع زيارة لافروف، إذ تضمنت المباحثات بين الطرفين جملة ملفات تمتد من أوروبا مرورًا بغرب آسيا، وحتى لبنان وفلسطين وأوكرانيا واليمن، إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد كتب على "تروث سوشيال"، الاثنين، بأن روسيا لا تقدم سوى القليل، إن كانت تقدم شيئًا، من المساعدة لإيران، بالأساس، وذلك مقارنة بما تستطيع تقديمه، مشددًا على رغبته في استمرار هذا الوضع، ومحذرًا من تدخل "أشخاص أغبياء" قد يفسد الأمور.
مواجهة عسكرية أوسع
وفي حديثه لـ"المشهد"، قال الباحث في مركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية محمود حمدي، إن زيارة لافروف إلى المنطقة تمثل ترجمة عملية لجهود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للوساطة بين طهران وواشنطن، في إطار مساعٍ لخفض التصعيد وإعادة الأطراف إلى المسار الدبلوماسي.
وأوضح حمدي، في تصريحات لمنصة "المشهد"، أن بوتين سبق أن أجرى اتصالات مع الرئيس الإيراني، كما أجرى اتصالاً هاتفيًا مع ترامب، مؤخراً، بما أتاح لموسكو إنشاء قناة اتصال مع الجانبين. ورجّح أن يكون لافروف قد حمل مبادرة روسية يسعى إلى طرحها على الطرفين، بهدف التوصل إلى تسوية للصراع الراهن وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية أوسع.
وأشار إلى أن موسكو تراهن على نجاح هذه الوساطة في احتواء صراع إقليمي واسع النطاق، بما يعزز مكانتها ودورها على الساحة الدولية، ويعيد توسيع نفوذها الإقليمي، فضلاً عن تحسين صورتها العالمية في أعقاب حربها على أوكرانيا.
وتابع: "روسيا قد تستفيد أيضًا من التقارب مع إدارة ترامب، ومن اتساع الخلافات بين الولايات المتحدة وأوروبا، بما يتيح لها هامشًا أوسع لتحقيق أهدافها في الملف الأوكراني، وربما الحد من انخراط واشنطن في الصراع، الأمر الذي قد يساعد موسكو على تثبيت مكاسبها العسكرية".
الدور الروسي
ولفت الباحث في مركز الأهرام للدراسات الاجتماعية والتاريخية إلى وجود تحفظات إزاء الدور الروسي المحتمل، سواء من الجانب الإيراني، الذي قد يتوجس من سعي موسكو إلى توظيف الوساطة لتحقيق مصالحها الخاصة على حساب طهران، أو من بعض الأوساط الأميركية التي قد ترى أن منح روسيا دورًا محوريًا في تسوية الصراع سيعزز مكانتها الدولية والأوروبية، بما في ذلك في سياق مواجهتها المستمرة مع أوكرانيا.
في المقابل، رأى أن روسيا تمتلك في المرحلة الراهنة أوراق قوة تمنحها فرصة للاضطلاع بدور الوسيط القادر على ضمان أي اتفاق محتمل، باعتبارها قوة كبرى تمتلك أدوات تأثير في أطراف الصراع، بخلاف باكستان التي كانت، بحسب تقدير المصدر ذاته، تفتقر إلى أدوات القوة الكافية للتأثير في حسابات الأطراف المتنازعة.
كما أكد أن الجهود الروسية يمكن أن تحظى بدعم صيني، في ظل عدم رغبة بكين في تطور الأحداث نحو مواجهة عسكرية واسعة، قد تفضي إلى انهيار النظام الإيراني وتغيير موازين القوى الاستراتيجية في المنطقة على نحو لا يخدم مصالحها أو مصالح حليفتها إيران.
وختم حمدي بالإشارة إلى أن طهران تواجه وضعًا صعبًا في ظل تراجع موقفها التفاوضي، ما يجعل العودة إلى مذكرة التفاهم السابقة أمرًا بالغ الصعوبة، وكذلك التوصل إلى تسوية مماثلة لشروطها السابقة، في ضوء التطورات الميدانية والمأزق الذي يواجهه النظام الإيراني على مختلف المستويات.
دلالة الزيارة
إلى ذلك، قال مدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية ديمتري بريجع، إن دلالة زيارة وزير الخارجية الروسي إلى طهران تكمن في مسارها وتوقيتها بقدر ما تتصل بمضمونها، موضحًا أن وصوله إلى العاصمة الإيرانية قادمًا من المنامة، عقب لقائه وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، يعكس سعي موسكو إلى التواصل مع طرفي المعادلة الخليجية في آن واحد، في وقت تعطلت فيه قنوات التفاوض بين واشنطن وطهران وتصاعدت فيه الهجمات على السفن في مضيق هرمز.
وأضاف بريجع، في تصريحات لمنصة "المشهد"، أن معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين روسيا وإيران، الموقعة عام 2025، لا ترقى إلى مستوى التحالف الدفاعي، مشيرًا إلى أن الدعم الروسي لطهران يتركز في المجالات السياسية والاقتصادية، بما يشمل التعاون في محطة بوشهر النووية، ومشروع سكة حديد رشت–أستارا، وقطاع الطاقة، والتبادل التجاري في إطار الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، من دون أن يعني ذلك استعداد موسكو للتدخل عسكريًا في أي مواجهة.
قناة اتصال
وفي ما يتعلق بمسارات المرحلة المقبلة، رجّح بريجع استمرار حرب الاستنزاف البحرية بالتوازي مع تجميد المفاوضات بوصفه السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب، موضحًا أن الدور الروسي، في هذه الحالة، سيظل محصورًا في توفير قناة اتصال بين الأطراف ومظلة دبلوماسية لإيران، من دون انخراط عسكري مباشر.
وقال إن "احتمال توجيه الولايات المتحدة ضربة جديدة إلى إيران بعد الانتخابات لن يدفع موسكو، على الأرجح، إلى الرد عسكريًا، بل إلى التحرك عبر مجلس الأمن الدولي وتعزيز الروابط الاقتصادية التي تدعم قدرة طهران على الصمود في مواجهة الضغوط".
أما السيناريو الأخير، والحديث لمدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، يتمثل في التوصل إلى تسوية سياسية واقتصادية وجيوسياسية تستند إلى المقترح الإيراني القائم على فتح مضيق هرمز مقابل رفع الحصار والعقوبات، وهو مسار قد يتيح لروسيا الاضطلاع بدور في تقديم الضمانات اللازمة لتنفيذ الاتفاق، أو المساهمة في معالجة ملف اليورانيوم الإيراني المخصب.
توقيت حرج
عليه، فإن زيارة وزير الخارجية الروسي إلى طهران تتجاوز الطابع البروتوكولي، خلافًا لما حاول نظيره الإيراني تصويره، إذ تأتي في توقيت حرج تتزايد فيه تداعيات الحصار على إيران، فيما تسعى واشنطن إلى خفض التصعيد بما يتيح لها إنهاء المواجهة من دون تقديم تنازلات تُضعف روايتها بشأن تحقيق أهدافها، بحسب ما قال المستشار السابق بوزارة الخارجية السعودية الباحث في العلاقات الدولية سالم بن عسكر اليامي.
وأضاف بن عسكر اليامي لمنصة "المشهد" أن الوسطاء باتوا أمام هامش أضيق للتحرك، بعد نحو 7 أشهر من الجهود التي لم تحقق اختراقًا يُذكر، مرجحًا أن تكون الرسالة الأبرز التي حملها لافروف إلى طهران بمثابة نصيحة أخيرة، مفادها "فتح مضيق هرمز، والتوصل إلى تفاهم بشأن الملف النووي، ووقف تهديد الملاحة قبل خروج الأمور عن السيطرة".
وأوضح المستشار السابق بوزارة الخارجية السعودية الباحث في العلاقات الدولية أن مآلات الزيارة ستتوقف على السلوك الإيراني؛ فخفض التصعيد في المضيق وضمان حرية الملاحة ووقف استهداف الناقلات قد يشكل بداية لانفراجة ونزع فتيل الصراع، أما استمرار التصعيد، فيرجّح أن يدفع المنطقة نحو مواجهة أوسع.
(المشهد)
