تتزايد التقديرات التي ترجح احتمال عودة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل اتساع الفجوة بين مواقف الطرفين وتعثر المسار الدبلوماسي، بل إن مراقبين تحدثوا لـ"المشهد" قد أكدوا أن "الحرب حتمية"، وذلك رغم استمرار الوساطات الإقليمية ومحاولات منح التفاوض فرصة إضافية.
ورقة مضيق هرمز
وبحسب المصادر ذاتها، فإن طهران باتت أكثر تشددًا بعد إدراكها أهمية ورقة مضيق هرمز وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي، مستفيدة أيضًا من الانقسامات الغربية وفشل تشكيل جبهة دولية موحدة ضدها. غير أن دوائر مقربة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ترى في الضغط العسكري ما قد يدفع إيران مجددًا نحو تقديم تنازلات.
بالتبعية، فإن المواجهة العسكرية باتت شبه حتمية لكنها مؤجلة؛ بسبب اعتبارات داخلية أميركية، كما أن النظام الإيراني يواجه "مأزقًا إستراتيجيًا" حادًا بين القبول بتسوية لها أثمان هائلة داخليًا، أو الوقوع في مواجهة تضاعف من العزلة الدولية والضغوط القصوى.
وبينما كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس الثلاثاء أنه على وشك إصدار أمر باسئناف الضربات العسكرية على إيران، فإنه عاود اليوم الحديث عن مهلة "يومين أو ثلاثة" للتوصل إلى اتفاق.
إذ قال الرئيس الأميركي إنه سيمنح "فرصة أخيرة" للمفاوضات مع إيران، وتابع أنه ليس في عجلة من أمره.
مهلة نهائية
في حديثه لمنصة "المشهد" يقول الدكتور محمد الزغول مدير وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات، إنه لا يمكن الجزم بشكل قاطع ما إذا كانت المنطقة تتجه فعليًا نحو عودة المواجهة العسكرية، أو إذا كانت المهلة، التي منحها ترامب للجانب الإيراني لتقديم تنازلات مقبولة أميركيًا، تمثل "مهلة نهائية" أو مجرد "مرحلة تفاوضية" جديدة.
غير أن مؤشرات عدة تدفع باتجاه احتمال استئناف العمليات العسكرية، في ظل ما يوصف بضرورة العودة إلى "لحظة إسلام آباد"، التي توقفت عندها المواجهات، باعتبارها نقطة مرجعية في مسار التوتر الحالي، وفق الزغول.
من ثم، فإن التطورات التي أعقبت تلك المرحلة أظهرت أن إيران باتت أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات في مراحل معينة، حيث قدّم وفدها التفاوضي، بقيادة محمد باقر قاليباف، تنازلات فعلية. إلا أن هذا المسار تراجع تدريجيًا مع الابتعاد عن تلك اللحظة، لصالح تشدد واضح في المواقف الإيرانية، بحسب ما يوضح مدير وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات.
ويُعزى هذا التحول، إلى مجموعة من العوامل، أبرزها إعادة اكتشاف إيران لقدرتها على استخدام ورقة مضيق هرمز، بما عزز داخل دوائر صنع القرار في طهران قناعة مفادها أن هذه الورقة تمثل "أداة ضغط إستراتيجية" قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي. بالتالي يمكن استخدامها لإعادة صياغة التوازنات التفاوضية.
موقف أكثر تشددًا
كما يشير الزغول إلى أن استخدام بعض القوى الدولية لحق النقض (الفيتو) مرتين، وإفشال مشاريع قرارات تدين التحركات المرتبطة بالمضيق الحيوي والإستراتيجي، الذي يمر من خلاله خُمس إمدادات الطاقة والغاز الطبيعي المسال عالميًا، بالإضافة إلى الانقسامات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، وعدم تشكيل جبهة دولية موحدة، كلها عوامل ساهمت في تعزيز القناعة الإيرانية بجدوى التمسك بموقف أكثر تشددًا.
في المقابل، يرى الزغول أن دوائر قريبة من الرئيس ترامب بدأت تعيد طرح خيار العودة إلى العمليات العسكرية، بهدف إعادة الأطراف إلى "لحظة التوازن الأولى"، ودفع إيران نحو تقديم تنازلات جديدة، بما يمنع انزلاق الوضع إلى مواجهة أوسع قد تُلحق أضرارًا كبيرة بالبنية الاقتصادية والعسكرية والسياسية الإيرانية.
وتابع: "تشير معطيات إلى أن وساطات إقليمية أعادت فتح قناة تواصل غير مباشرة، نجحت في الحصول على مهلة إضافية من الرئيس الأميركي، بعد نقل مؤشرات تفيد بوجود استعداد إيراني لتقديم تنازلات محدودة، تسمح باستئناف المسار التفاوضي".
ومن المتوقع، والحديث للمصدر ذاته، أن تتضح خلال أيام قليلة جدية هذا المسار وإمكان استمراره. فمن اللافت أن عامل الوقت بات حاسمًا في تحديد اتجاه الأزمة، إذ تواجه واشنطن ضغوطًا مرتبطة باعتبارات داخلية، فيما تتمتع طهران بـ"هامش زمني" أوسع يمكنها من تحمل الحصار لفترة أطول، ما ينعكس على طبيعة الحسابات بين الطرفين".
الخيار العسكري
وبينما تتزايد المؤشرات على احتمال العودة إلى الخيار العسكري، يؤكد مدير وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات، أن الهدف المحتمل لأي تحرك عسكري لن يكون "الحسم النهائي" بقدر ما سيكون إعادة الأطراف إلى نقطة تفاوض أكثر مرونة، وإجبار إيران على العودة إلى مسار تفاوضي أكثر واقعية.
كما ألمح إلى استمرار الضغط الإسرائيلي باتجاه تصعيد الخيار العسكري، رغم أن القرار النهائي لا يزال خاضعًا لتوجهات الإدارة الأميركية التي تمسك، حتى الآن، بزمام تحديد الإيقاع الإستراتيجي، في انتظار ما ستسفر عنه التطورات خلال الأيام المقبلة.
فجوة هائلة
إلى ذلك، يوضح مدير شؤون الخليج في "البنتاغون" سابقًا ديفيد دي روش، أن هناك فجوة هائلة بين موقفي إيران والولايات المتحدة، وقد باتت هذه الفجوة واسعة للدرجة التي تجعل إمكانية ردمها عبر المسار الدبلوماسي وحده عملية محدودة للغاية، في ظل تمسك كل طرف بشروط يُنظر إليها على أنها أقرب إلى مطالبة الطرف الآخر بالتراجع الكامل أو الإذعان السياسي لشروطه.
بالتالي، فإن جوهر الأزمة لا يتعلق بتفاصيل تفاوضية قابلة للتعديل، بقدر ما يعكس "تعارضًا بنيويًا" في الأهداف الإستراتيجية لكلا الجانبين، ما يجعل مساحة التفاهمات ضيقة أو شبه معدومة في المرحلة الراهنة، بحسب ديفيد دي روش لـ"المشهد".
وبفعل هذا الجمود، يُرجَّح مدير شؤون الخليج في "البنتاغون" سابقًا، أن العودة إلى المواجهة العسكرية تبدو حتمية، لافتًا إلى أن غياب المواجهة، حتى اللحظة، لا يعكس بالضرورة تحولًا في المواقف، بقدر ما يرتبط بعوامل ظرفية ومؤقتة، في مقدمتها اعتبارات داخلية في الولايات المتحدة، بما في ذلك الحسابات السياسية والإدارية التي قد تؤثر على توقيت اتخاذ قرارات تصعيدية أو عسكرية.
خياران رئيسان
وبحسب المحلل السياسي والمعارض الإيراني مهدي عقبائي، فإنه لا يمكن الجزم بأن أي مهلة، سياسية أو عسكرية، تمثل "الفرصة الأخيرة" بشكل قطعي، إذ إن تقييم مثل هذه المهل يبقى مرهونًا بتطورات المرحلة المقبلة ومواقف الأطراف تحديدًا إيران.
وفي حين تبدو السيناريوهات مفتوحة كافة، فإن ذلك يظل مرتبطًا بخيارين أساسيين، كما يشير عقبائي لـ"المشهد": إما قبول طهران بتسوية سياسية، أو الذهاب نحو مزيد من التصعيد.
وتابع: "في حال اختارت إيران قبول أي اتفاق، فإن ذلك قد يضع النظام أمام تحديات داخلية معقدة، تماثل "تجرّع كأس السم"، في إشارة إلى ما حدث مع الإمام الخميني عام 1988 عند إنهاء الحرب الإيرانية العراقية".
أما في حال رفض التفاهمات أو المضي نحو نهج المواجهة مع المجتمع الدولي، فإن ذلك قد يقود إلى مزيد من العزلة وتفاقم الضغوط السياسية والاقتصادية، بما يضع النظام أمام معادلة صعبة خصوصًا مع تراجع النفوذ الإقليمي، وتزايد التحديات الداخلية واحتمالات الاحتجاجات الشعبية، حسبما يقول المحلل السياسي والمعارض الإيراني.
ويختتم عقبائي حديثه قائلًا: "قوى المعارضة الإيرانية لا تعتمد على تدخل خارجي، بل ترى أن أي تغيير سياسي يجب أن ينبع من الداخل عبر الحراك الشعبي، وتصورهم لمستقبل مغاير لإيران يقوم على أساس نظام ديمقراطي غير نووي، يفصل بين الدين والدولة، ويضمن المساواة وحقوق الإنسان، بما في ذلك إلغاء عقوبة الإعدام".
(المشهد)