اقتحم مسلحون الشقة التي يعيش فيها الطالب محمد مع عائلته العلوية في مدينة جبلة السورية في 7 مارس من العام الماضي، وأجبروا الشاب البالغ من العمر 20 عاما ووالده على الاستلقاء على الأرض ووجوههم للأسفل، بينما كانوا يتوسلون لتركهم على قيد الحياة.
وقال محمد إن المسلحين غادروا في النهاية ومعهم نقود وبعض الممتلكات، لكن العائلة انتقلت من المنزل، مصابة بالرعب من هذه المحنة وموجة عمليات القتل التي استهدفت علويين بعد سقوط بشار الأسد، الذي ينتمي إلى نفس الأقلية.
رفض آلاف الطلبات
وبعد التنقل بين المنازل على مدى 9 أشهر لتجنب استهدافه مجددا، سافر محمد إلى أمستردام بتأشيرة سياحية برفقة قريبه سلمان.
وأظهرت وثائق اطلعت عليها رويترز أنهما طلبا اللجوء عند وصولهما، لكن طلبهما قوبل بالرفض في غضون أسابيع، لعدم اعتبارهما من بين المعرضين شخصيا لخطر.
والرجلان من بين آلاف السوريين الذين رفضت طلبات لجوئهم، في وقت تشدد فيه الحكومات الأوروبية موقفها من الطلبات المقدمة من السوريين بعد الإطاحة بالأسد، وانتهاء الحرب الأهلية التي استمرت نحو 14 عاما في البلاد.
إلا أن جهود الرئيس أحمد الشرع لتوحيد البلد المنقسم تحت الحكم المركزي تعقدت بسبب العنف الدامي الذي استهدف العلويين والدروز والأكراد، وأدى إلى تأجيج شكوك الأقليات إزاء حكمه، رغم وعوده بحمايتهم.
وقال محمد، الذي طلب عدم ذكر اسمه كاملا خوفا من تعرض أقاربه للانتقام، "هل يجب أن نصل أمواتا أو فاقدين لأحد أطرافنا حتى يأخذوا طلبنا على محمل الجد؟".
وبحسب وكالة الاتحاد الأوروبي المعنية بشؤون اللجوء، صدرت قرارات برفض 27687 طلب لجوء من أصل 38407 طلبات في 2025.
وقالت الوكالة إن ذلك يعود في كثير من الأحيان إلى أسباب إجرائية مثل سعي مقدمي الطلبات سابقا إلى اللجوء في دولة أخرى من دول الاتحاد الأوروبي، أو لسحبهم طلباتهم.
ويمثل ذلك معدل قبول بنسبة 28% مقارنة مع 90% في 2024.
وانخفض معدل قبول الطلبات من المرة الأولى في أنحاء الاتحاد الأوروبي والنرويج وسويسرا لجميع الجنسيات إلى 29% في 2025 من 42%، ويرجع ذلك بالأساس إلى انخفاض كبير في عدد القرارات المتعلقة بالطلبات السورية.
وفي فبراير، قبلت السلطات 19% من الطلبات المقدمة من السوريين.
ولم تتمكن رويترز من تحديد عدد الطلبات المرفوضة المقدمة من الأقليات، لكنها وثقت 18 رفضا لأفراد أو عائلات من جماعات سورية، تعرضت لاضطهاد منذ تولي الحكومة الجديدة السلطة.
ويستند هذا الإحصاء إلى مقابلات مع طالبي لجوء ومحامين، ومراجعة ملفات القرارات والطلبات المقدمة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا من سوريين من الأقليات العلوية والدرزية والكردية والمسيحية والشيعية.
ووثقت رويترز أيضا حصول علوي في هولندا ومسيحي في فرنسا على الحماية.
وقالت وزارة الإعلام السورية إن الحكومة ملتزمة التزاما راسخا بحماية جميع السوريين، وإنها لا تسمح بالهجمات التي تستهدف المدنيين.
وأحجمت دائرة الهجرة والتجنيس الهولندية عن التعليق على الحالات الفردي، وقال متحدث باسمها إن 7% من طالبي اللجوء السوريين حصلوا على الحماية في 2025.
اللجوء لم يعد مبررا
وخلال العام الماضي، قالت عدة دول أوروبية إن اللجوء لم يعد مبررا بشكل تلقائي للسوريين، ويعتزم بعضها، مثل ألمانيا، بدء عمليات ترحيل.
وقبل سقوط الأسد في ديسمبر 2024، كان السوريون مؤهلين بشكل عام للحصول على اللجوء لأن مستويات العنف اعتبرت وقتها مرتفعة، كما كانت الخدمة العسكرية إلزامية.
وتنص توجيهات الاتحاد الأوروبي بشأن طلبات السوريين والصادرة في ديسمبر، على أن العلويين والدروز والأكراد يواجهون الاضطهاد، لكن يجب تقييم الحالات بشكل فردي لتحديد مستوى الخطر.
وقال ناندو سيجونا الأستاذ المختص بالهجرة الدولية والنزوح القسري في جامعة برمنغهام "المشكلة تكمن في كيفية تطبيق التوجيهات، ويبدو أن بعض الحكومات تترجم 'الظروف المتغيرة' إلى افتراض السلامة الذي لا تدعمه الأدلة، خاصة بالنسبة للأقليات".
وأضاف "سرعة التحول تشير إلى أن هذا ليس مجرد إعادة تقييم قانوني، بل جزء من تحرك أوسع للميل لقراءة أكثر حزما وتقييدا لملف حماية اللاجئين في أنحاء أوروبا"، رغم أنه أشار إلى أن توجيهات الاتحاد الأوروبي بشأن سوريا شددت على استمرار عدم الاستقرار.
سياسات معادية للهجرة
وتصاعدت حدة التصريحات المعادية للهجرة منذ وصول أكثر من مليون شخص، معظمهم من السوريين، إلى أوروبا في 2015.
وأعطى ذلك دفعة لأحزاب قومية يمينية، مما ضغط على الحكومات لتبني سياسات هجرة تتضمن قيودا متزايدة وتركز على الردع وإعادة الوافدين.
قال يوليسه إليان، وهو نائب من حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية المنتمي لليمين ويشارك في الحكومة الائتلافية الهولندية، إن من الممكن الآن للسوريين من بعض الأقليات العودة بأمان.
وذكر لرويترز "لإتاحة متسع في نظام اللجوء مرة أخرى، ولتقليل الحاجة إلى الملاجئ الطارئة في هولندا، فمن الضروري عودة السوريين".
وتحذر منظمات حقوق الإنسان وأكاديميون من أن رفض هذه الأعداد الكبيرة من طلبات اللجوء يضع سوريين، فر معظمهم قبل سقوط الأسد وبنوا حياتهم في أوروبا، في مأزق قانوني.
وقال ماغنوس برونر المفوض الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة لرويترز، إن الوضع في سوريا لا يزال "شديد الصعوبة" وإن جميع طلبات اللجوء يتم تقييمها بشكل فردي.
وأضاف "هذه القرارات ليست عشوائية، بل تستند إلى تقييمات لكل حالة على حدة".
طلبات مجمدة
تنص أحدث سياسة هولندية بشأن اللجوء من سوريا، والتي لها الأولوية على توجيهات وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، على أن أقليات منتمية للطائفة العلوية ومجتمع الميم معرضة للخطر.
لكن كلير مين محامية عائلة محمد قالت إنه حتى طلبات هذه الفئات، تقابل بشكل متزايد بالرفض.
وأضافت "نرى أن السلطات تحاول إيجاد أسباب كافية لرفض الناس".
وفي الحالات التي وثقتها رويترز، عزت السلطات أسباب معظم حالات الرفض إلى عدم وجود دليل أو تفاصيل بشأن وضع الشخص تشير إلى أنه سيكون معرضا شخصيا للخطر، أو أن روايات مقدمي الطلبات عامة جدا أو غير متسقة، أو أن المتقدمين من منطقة لم تتأثر بالعنف الذي يستهدف الأقلية التي ينتمون إليها.
وفرت رنا إيزولي، وهي كردية، من القتال في شمال شرق سوريا في 2023 مع ابنتها التي تبلغ من العمر الآن 11 عاما ووصلت إلى ألمانيا، حيث تقدمت بطلب لجوء في أبريل نيسان 2024.
ورفض المكتب الاتحادي الألماني للهجرة واللاجئين طلبها في ديسمبر، قائلا إن التقارير الواردة حول كيفية تعامل الحكومة الجديدة مع الرجال والنساء من الأكراد غير كافية، وإن منطقتها لا تزال تحت إدارة كردية.
ورغم أن الأقليات حصلت العام الماضي على اللجوء بنسب أعلى من السوريين عموما في ألمانيا، قوبلت معظم طلباتهم بالرفض.
وبلغت نسبة قبول طلبات العلويين 20% والدروز 9.1% والأكراد 11.8%.
ولم تعلق وزارة الداخلية الألمانية على نسب الرفض، وذكرت أن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين استأنف إجراء المقابلات مع سوريين طلبوا اللجوء.
وقالت وزارة الداخلية البريطانية إنها استأنفت التعامل مع طلبات اللجوء المقدمة من السوريين، وتتخذ القرارات بناء على كل حالة على حده.
ولم تستجب وزارتا الداخلية في فرنسا وهولندا لطلبات للحصول على تعليق.
وقال متحدث باسم المكتب الفرنسي لحماية اللاجئين وعديمي الجنسية (أوفبرا)، وهو الوكالة الفرنسية المعنية بمسألة اللجوء، إن حوالي 85% من طالبي اللجوء السوريين، نالوا الحماية في 2025.
وكان عماد عبيد، وهو فنان من السويداء، من بين آلاف السوريين الذين تم تجميد طلباتهم عندما أعادت الدول تقييم الوضع في سوريا بعد سقوط الأسد.
وغادر عبيد، وهو ناشط درزي مناهض للأسد، سوريا في 2012، ووصل إلى هولندا في 2023 وطلب اللجوء في فبراير شباط 2024.
وقال إن الفترة التي تلي تجميد طلبه، شهدت قتل أقارب له من جهة الأم خلال اشتباكات بين مقاتلين دروز وبدو في يوليو من العام الماضي.
وأضاف "أشعر بخيبة أمل وغضب شديدين، لأنني ضحيت بحياتي من أجل ما اعتقدت أنه ثورة، والآن بعد أن انتصرت هذه الثورة، دمروا مدينتي وقتلوا عائلتي وأصدقائي".
وقال عبيد (48 عاما) إن زوجته وابنيه الذين لا يزالون في السويداء لا يغادرون المنزل بعد السادسة مساء، وإن ابنه البالغ من العمر 18 عاما لا يستطيع الذهاب إلى الجامعة خوفا من التعرض للتمييز ضده.
وذكرت دائرة الهجرة والتجنيس في قرارها تجميد طلبه أن الدروز لا يعتبرون فئة معرضة للخطر، على خلاف العلويين، وأن عبيد لم يثبت أنه سيكون معرضا للخطر في حال عودته، وامتنعت الدائرة عن الإدلاء بمزيد من التعليقات حول حالته.
وترفض وزارة الإعلام السورية ما يتردد عن تمييز طائفي، بما في ذلك في مجال التعليم.
وقالت إن انتهاكات ارتكبها أفراد مرتبطون بالدولة وقعت بالفعل في السويداء، في سياق توتر محلي قائم منذ فترة طويلة وتدخلات خارجية.
التوتر لا يزال قائما
وقالت المفوضة فيونوالا ني أولين المسؤولة عن تحقيق للأمم المتحدة عن الأوضاع في سوريا، إن تقدما أحرز فيما يتعلق بإصلاحات ملف حقوق الإنسان في عهد الشرع، لكن التوتر لا يزال قائما بين طوائف في المجتمع ويجب أخذ ذلك في الاعتبار عند تقييم طلبات اللجوء.
وتابعت قائلة "ظل هناك انعدام أمن واندلاع للعنف بدرجة ملحوظة العام الماضي، العنف على الساحل، السويداء، وفي الشمال الشرقي، وكل هذا يشير إلى وجوب طرح أسئلة أساسية مثل هل تسيطر الدولة على كل قواتها؟ وهل ستحاسب قيادييها؟".
وصرحت وزارة الإعلام السورية، بأن الحكومة تعمل على إخضاع كل القوات لسيطرة موحدة وأنها تحاسب الأفراد المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات.
ومنذ تعرض علويين لهجمات العام الماضي، انقلبت حياة أسرة محمد رأسا على عقب، ويقول إن والده الذي يعمل طبيبا لم يعد قادرا على الذهاب للعمل، وشقيقته البالغة من العمر 18 عاما توقفت عن الذهاب للمدرسة خشية الاستهداف.
أما قريبه سلمان، فقد استقالت زوجته من عملها وانتقلوا من المدينة خوفا من التعرض للخطف، ولتتمكن من رعاية ابنتها البالغة من العمر 9 سنوات التي تصاب بنوبات من الهلع منذ أحداث العنف.
وقالت "نجونا حرفيا من مذبحة"، واسترجعت كيف أدخلت أطفالها للنوم، واختلقت القصص للتسرية عنهم.
ولدى انتظار محمد وسلمان للبت في طعن قدماه على رفض طلبيهما للجوء، يمارس محمد الملاكمة وتطوع كلاهما في أمستردام في أنشطة لطهي وتوزيع الطعام على المشردين.
وقال سلمان إن الأمل يحدوه في أن يعيد القضاء النظر في حالتهما.
وأضاف وهو يخفي الدموع في عينيه قبل أن يفقد السيطرة عليها "الخطر كان قريبا للغاية. تركت ورائي أعز ما أملك، زوجتي وأطفالي، والعودة إلى سوريا ستكون مثل الانتحار، أحلم فحسب بلم الشمل مع أسرتي مرة أخرى".
(رويترز)