انطلقت مسابقات كرة القدم في موسمها الجديد عبر بلدان القمة في أوروبا، وكذلك في عدد كبير من الدول العربية، حيث تترقب الجماهير مباريات فرقها المفضلة بشغف، ويعيش اللاعبون أحلام المنافسة أسبوعًا بعد الآخر، ولكن الوضع ليس كذلك في غزة.
لم تعد كرة القدم في غزة مجرد رياضة توقفت بسبب الحرب، بل تحولت إلى مرآة مأساوية تكشف حجم المعاناة الإنسانية التي يعيشها اللاعبون وأسرهم منذ 7 أكتوبر 2023.
فبيّن حكايات النزوح والفقر والجوع، وغياب الملاعب وتحولها إلى معسكرات اعتقال، وصولًا إلى مقتل نجوم بارزين مثل سليمان عبيد الملقب بـ"بيليه الفلسطيني"، تبدو قصص الرياضيين في القطاع شهادة دامغة على الثمن الباهظ الذي دفعه مجتمع الكرة وسط حرب مدمرة.
في هذا التقرير الممتد نستعرض بعضًا من أبرز تلك القصص الإنسانية، لتشكل معًا رواية واحدة عن معاناة كرة القدم الفلسطينية تحت القصف.
حكاية حمادة حمد.. حارس مرمى بلا قفازات
كان حمادة حمد (23 عامًا) يستعد لحراسة مرمى أهلي بيت حانون في مواجهة شباب الزوايدة يوم 8 أكتوبر 2023، لكن فجر ذلك اليوم غيّر مسار حياته. إذ أُجبر على النزوح مع أسرته بعد أوامر إسرائيلية بإخلاء المدينة تمهيدا لعملية عسكرية.
يقول حمد لوكالة "رويترز": "تلقينا خبر النزوح الساعة الثانية بعد منتصف الليل.. واضطرينا للسير أكثر من 5 كيلومترات على الأقدام حتى نصل لأقرب مركز للإيواء".
ترك حمد كل شيء خلفه، حتى قفازاته التي كانت رمزا لمسيرته، ليواجه واقعا جديدا في وسط غزة بلا مصدر رزق.
راتبه المتواضع توقف، وحملات التبرع لعلاج والده لم تعد تكفي بسبب العمولة المرتفعة.
يقول حمد: "التبرعات اللي بتيجي قليلة أوي بالنسبة للوضع اللي بنعيشه هنا.. 100 دولار اللي بتيجيني بستلمها 50 دولار".
ماجد أبو لبن.. رصاصة قناص بدلا من المساعدة
ماجد أبو لبن (34 عاما) لاعب شباب جباليا ومنتخب فلسطين الأولمبي السابق، لم يكن يتخيل أن رحلة البحث عن الغذاء قد تكلفه حياته.
يروي لـ"رويترز": "أول مرة رحت فيها للحصول على المساعدات الأمريكية انقصفت أنا والشباب اللي معي، انصبت إصابات مش سهلة".
لكن الحاجة دفعته لتكرار المحاولة.. في المرة الثانية أصيب بطلق قناص في صدره وبشظايا في وجهه.
يقول: "هل تتصور المعاناة والمخاطرة علشان أوفر أبسط الاحتياجات لأطفالي.. كيلو العيش صار 30 دولار".
إصاباته الكثيرة جعلت عودته للملاعب شبه مستحيلة: "مفيش مجال ترجع للرياضة.. لا في تغذية ولا في علاج".
حمادة صالح.. يبيع حذاءه ليحيا
أما المهاجم حمادة صالح لاعب الأهلي الفلسطيني، فقد لجأ إلى بيع مقتنياته.
ويروي: "الحرب دمرت مسيرتنا الكروية.. لجأت لبيع بعض مقتنياتي عشان أقدر أعيش أنا وزوجتي. وصلت فيا المطاف إني أعرض حذائي الخاص.. وانباع بـ50 دولار".
وتابع عن إصابته: "انصبت بشظية بس الحمد لله ربنا سلم"؛ لكنه يؤكد أن "الرياضة انتهت في غزة لأنه ولا ملعب صالح للعب".
بنية تحتية مُدمّرة
بحسب مصطفى صيام، المسؤول الإعلامي بالاتحاد الفلسطيني لكرة القدم في غزة، فإن أكثر من 80% من البنية التحتية الرياضية دُمرت.
الملاعب تحولت إلى معسكرات اعتقال وإيواء للنازحين، مثل ملعب اليرموك الذي جُرّف بالدبابات الإسرائيلية، وملعب فلسطين الدولي الذي صار مأوى للعائلات.
صيام نفسه استخدم دروع التكريم التي حصل عليها لإشعال النيران لطهي الطعام: "لعدم توافر الغاز في غزة".
الانتهاكات في أرقام
وثّق الاتحاد الفلسطيني مقتل أكثر من 325 شخصا من عناصر اللعبة ما بين لاعبين وإداريين ومدربين حتى 9 أغسطس 2025، إضافة إلى تدمير 265 منشأة رياضية.
وتقول نائبة رئيس الاتحاد سوزان شلبي: "إسرائيل دمرت تقريبا كافة البنى الأساسية وقُتل 435 من عناصر اللعبة.. والملاعب تم استخدامها كمعسكرات اعتقال وتعذيب".
وأضافت أن الاتحاد خاطب "فيفا" مرارا لتعليق نشاط الاتحاد الإسرائيلي: "لكن لا حياة لمن تنادي".
سليمان عبيد.. "بيليه الفلسطيني" الذي رحل جائعا
من بين القصص الأكثر مأساوية تبرز حكاية سليمان عبيد (43 عاما)، أحد أبرز نجوم الكرة الفلسطينية، الذي قُتل وهو يبحث عن الغذاء لأطفاله الخمسة في خان يونس.
عبيد لعب 24 مباراة دولية بقميص فلسطين، وأحرز أحد أجمل أهدافها في بطولة اتحاد غرب آسيا 2010.
زملاؤه يصفونه بأنه "أحد أفضل 10 لاعبين في تاريخ فلسطين".
لكن أسطورته انتهت فجأة يوم 6 أغسطس 2025، حين أصيب بقذيفة من طائرة إسرائيلية مسيّرة أثناء انتظاره المساعدات.
تقول زوجته دعاء: "ما فعله إلا أنه كان يبحث عن الطعام لأطفاله.. بعد سليمان حياتنا اتدمرت".
الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا" ودّعه ببيان مقتضب: "وداعا سليمان عبيد، بيليه الفلسطيني"، لكن النجم المصري محمد صلاح رد بتساؤل مباشر: "هل يمكن أن تخبرونا أين مات؟ وكيف؟ ولماذا؟"، في إشارة لغياب ذكر الدور الإسرائيلي في مقتله.
صدى دولي وتفاعل محدود
أثار مقتل عبيد غضبا واسعا، خاصة بعد تغريدة صلاح، إذ وصفه زملاؤه بأنه "إنسان دعم الفقراء وكان يحلم بمستقبل أفضل لأطفاله".
في المقابل، اكتفى الاتحاد الأوروبي لكرة القدم بعرض لافتة "أوقفوا قتل الأطفال" خلال مباراة السوبر الأوروبي.
في إنجلترا، أوضح ريتشارد ماسترز رئيس رابطة الدوري الإنجليزي أنه "لا توجد أي خطط لبيان رسمي حول الحرب"، خلافا للتضامن الذي أبدته المسابقة مع أوكرانيا عام 2022.
منذ اندلاع الحرب، توفي أكثر من 200 لاعب فلسطيني، وتضررت حياة 1680 لاعبا مقيدين في 54 ناديا. من لم يُقتل منهم يواجه الجوع والتشرد وفقدان المستقبل الرياضي.
أو كما يقول اللاعب حمادة صالح: "انتهت الرياضة بغزة".
(رويترز)