هكذا سيكون مستقبل إيران في ظل التحولات المتسارعة

آخر تحديث:

شاركنا:
هايلايت
  • إيران تدخل مرحلة مفصلية تهدد شكل الدولة والنظام تحت ضغط الحرب.
  • صعود خامنئي بدعم الحرس الثوري يعكس تحوّل إيران نحو نموذج عسكري أكثر تشدداً.
  • الاقتصاد الإيراني يواجه استنزافا حادا مع تضخم مرتفع وانهيار القدرة الشرائية واستمرار العقوبات.
  • خبراء يحذرون من أن مستقبل إيران بات معلقا بين تسوية دولية أو اضطرابات داخلية قد تهز استقرار النظام.

تقف إيران عند لحظة مفصلية تعيد صياغة طبيعة الدولة نفسها، لا فقط توازنات النظام. فالتداخل بين الضغط العسكري الخارجي، والإنهاك الاقتصادي، والتوترات الاجتماعية، خلق بيئة انتقالية غير مستقرة، تتآكل فيها المسافات بين الدولة ككيان مؤسسي، والنظام كشبكة سلطة.

مقتل الزعيم الأعلى علي خامنئي لم يكن مجرد فراغ في قمة الهرم، بل لحظة تفكك لفكرة المرجعية التي حافظت على تماسك النظام. وتمثل خلافة مجتبى خامنئي لوالده بتزكية من مجلس خبراء القيادة وبدعم الحرس الثوري الإيراني، تحولاً نحو نموذج حكم وراثي عسكري مغلف بشرعية دينية.

مجتبى خامنئي "عقدة"

هذا الانتقال لم يكن مجرد استمرارية للنهج السابق، بل كان انعكاساً لضيق الدائرة المقررة في النظام وتنامي نفوذ جنرالات الحرس الثوري الذين باتوا يسيطرون على مفاصل الدولة الاقتصادية والسياسية بشكل مباشر. لقد أظهرت الحرب الأخيرة أن الحرس الثوري هو المؤسسة الوحيدة القادرة على تأمين بقاء النظام في ظل غياب الكاريزما الدينية التقليدية، ما يجعل مجتبى خامنئي يبدو وكأنه "عقدة" في شبكة قوة أوسع يقودها العسكر.

ويرى الباحث الأستاذ الجامعي اللبناني حسن كريّم، في حديثه مع منصة "المشهد" أن هناك توجهًا براغماتيًا عمليًا يقف خلف البنية الأيديولوجية، وهو نمط غالباً ما يميز الدول الخارجة من حروب مدمرة، وإيران قد لا تكون استثناء من هذا التوجه. ويشير إلى أن هذا التحول قد يبدأ بتقليص نفوذ الولي الفقيه والمؤسسات العسكرية، لصالح مراكز قوى مدنية واقتصادية، تشمل التيار الإصلاحي، والقطاع الخاص، وطبقة البازار، إضافة إلى جيل شاب أكثر ارتباطاً بالعالم.

هذه البنية المؤسسية تتشابه أو تختلف عن نماذج عسكرية أو ديكتاتورية في العالم، مثل كوريا الشمالية أو حكم صدام حسين في العراق، فبينما كان النظام العراقي يقوم على السلطة الفردية المطلقة، تعتمد إيران على هندسة مؤسسية متعددة الطبقات مثل مجلس صيانة الدستور، مجلس الخبراء، مجمع تشخيص مصلحة النظام، التي تعمل كمصدات للصدمات الخارجية. إلا أن فقدان أكثر من 50 مسؤولاً كبيراً في ضربات فبراير أضعف هذه المؤسسات ودفعها لأن تصبح بأكثرها تحت قيادة الحرس الثوري المتصلب أمنياً والذي يفتقر إلى المرونة السياسية التي كانت تميز حقبات سابقة.

وهنا يرى الدكتور مهند العزاوي، الخبير في الشؤون السياسية والعسكرية أن "مستقبل إيران لا يختلف كثيراً عن تجارب دول أخرى دخلت في مواجهات مباشرة أو غير مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل". وفي حديثه لمنصة "المشهد" يؤكد أن "الولايات المتحدة اليوم تمثل القوة الأكبر عالمياً، وتتصرف بوصفها قوة إمبراطورية، مستخدمة مواردها العسكرية والاقتصادية والسياسية لتحقيق أهدافها".

وكما يبدو فإن إيران لم تعد "جمهورية إسلامية" بالمعنى الذي أراده المؤسس روح الله الموسوي الخميني، بل تحولت إلى "دولة حامية" حيث تسخر موارد الدولة كافة لخدمة المجهود الحربي وبقاء النخبة العسكرية. هذا التحول يضع إيران في منطقة رمادية بين المأسسة والانهيار، حيث يرى بعض الخبراء أن النفوذ السياسي للقوات المسلحة يفتقر إلى القدرة على التجديد أو استيعاب المطالب الشعبية المتزايدة.

إيران تستنزف القدرات العسكرية والاقتصادية

رغم شيوع المقارنات مع العراق خلال حكم صدام حسين في التسعينيات، فإن المشهد الإيراني يحتفظ بخصوصيته. فالدولة دخلت مرحلة جديدة من الانهيار، وخصوصًا في الملف الاقتصادي، وبكلفة مرتفعة ومستمرة حتى اليوم عبر الحصار الأميركي.

في هذا الإطار، يعتبر العميد المتقاعد والمحلل العسكري حسن جوني أنه "لا يمكن تجاهل الوضع الاقتصادي الصعب جداً داخل إيران، وهو عامل قد يكون حاسماً في المرحلة المقبلة، فقراءة المشهد الإيراني اليوم بظل التوتر والحصار تختلف عن قراءة ما بعد الحرب حيث تعود الأزمات الاقتصادية والمعيشية والأمنية إلى الواجهة".

ويوضح جوني، أن الخسائر في البنية التحتية، والاستنزاف العسكري، والضغط الاقتصادي، كلها عوامل تراكمية قد لا تظهر آثارها فوراً، لكنها ستؤثر بعمق في مرحلة ما بعد الحرب. ويشدد على ضرورة التمييز بين "زمن الحرب"، حيث تتقدم اعتبارات البقاء، و"زمن ما بعدها"، حيث تعود التناقضات الداخلية إلى الواجهة.

وتسير إيران في اتجاه يعيد تعريف الدولة بوصفها كياناً في حالة تعبئة دائمة، ولم تعد الحرب حدثاً طارئاً، بل أصبحت جزءاً من بنية النظام. هذا التحول يقربها من نماذج "الدولة - الجبهة"، حيث تتداخل الحدود بين الداخل والخارج، والسياسة والعسكر.

في هذا السياق، تتقلص مساحة المناورة السياسية، إذ يتحول أيّ انفتاح أو تفاوض إلى مخاطرة داخلية. ومع تصاعد الخطاب الأيديولوجي، يصبح التراجع مكلفاً بقدر التقدم، ما يضع النظام في دائرة مغلقة يصعب كسرها دون تحولات كبرى.

ويرى العزاوي أن "السيناريو الإيراني ربما يختلف في بعض تفاصيله عن تجارب سابقة، لكنه يبدو أقرب، إلى حد ما، إلى نموذج العراق بعد عام 1991؛ أي استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية، وفرض أشكال مختلفة من الحصار والضغط طويل الأمد، وهناك عوامل كثيرة يجب أخذها في الاعتبار، من بينها قدرة النظام على الصمود الداخلي، وحجم الضغوط الاقتصادية، وتأثير العزلة الدولية".

وتبقى إيران عرضة لتحديات بنيوية، أبرزها التنوع العرقي واتساع الفجوة الاقتصادية. فالمناطق الطرفية، التي تعاني تاريخياً من التهميش، قد تتحول إلى بؤر ضغط في حال تراجع قبضة المركز.

الاقتصاد يظل النقطة الأضعف في إيران

إذا كانت المؤسسة العسكرية نجحت في فرض القمع، فإن الاقتصاد يظل نقطة الضعف الأكثر وضوحاً. فالتراجع الحاد في الإنتاج، وتآكل القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات التضخم، كلها عوامل تضغط على النسيج الاجتماعي.

ويؤكد العزاوي أنه "إذا انتهت الحرب برفع العقوبات والتوصل إلى اتفاق يعيد الأموال والاستثمارات إلى إيران، فقد يمنح ذلك النظام فرصة لالتقاط الأنفاس ومعالجة جزء من أزماته الاقتصادية. أما إذا انتهت الحرب مع بقاء العقوبات والضغوط الاقتصادية والخنق المالي، رغم بقاء النظام نفسه، فهنا قد نكون أمام مشهد مختلف تماماً، إذ يمكن أن تعود التحركات الشعبية والاحتجاجات الداخلية بشكل أوسع".

ويقدّم حسن كريّم تصوراً، يضع العامل الدولي في صلب المعادلة. وبحسب تقديره، فإن مستقبل إيران يتوقف بدرجة كبيرة على مآلات العلاقة مع الولايات المتحدة، خصوصاً فيما يتعلق بالملف النووي والعقوبات.

ويذهب كريّم إلى أن غياب الاتفاق سيعني استمرار الضغط، بما يحمله من مخاطر لا تقتصر على إيران وحدها، بل تمتد إلى الإقليم بأكمله. أما في حال التوصل إلى اتفاق شامل، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مسار مختلف، لا يقوم على إسقاط النظام، بل على إعادة تشكيله تدريجياً.

كما يرى أن رفع العقوبات، وتحرير الأصول المجمدة، وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار، قد يعيد تنشيط الاقتصاد، ويمنح النظام فرصة لإعادة بناء شرعيته، ليس عبر الأيديولوجيا، بل من خلال الأداء الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة.

مع التأكيد أن هذا المسار لن يكون سريعاً أو خالياً من التوترات، بل سيأخذ طابعاً تدريجياً ومتدرجاً، وقد يشهد صدامات داخلية بين مراكز القوى، إلا أنه يعكس، في جوهره، انتقالاً نحو براغماتية سياسية تفرضها كلفة الصراع واستحالة استمراره إلى ما لا نهاية، وفق كريّم.

لا تبدو إيران متجهة نحو سيناريو واحد حاسم، بل تتحرك ضمن مساحة مفتوحة بين احتمالات عدة. فهي، تحاول الهرب من الانهيار بظل ضغوط قصوى، وتواجه في الوقت نفسه، تحديات داخلية قد تتفاقم مع مرور الوقت.

ويطرح حسن كريّم احتمال إعادة التشكل عبر تسوية سياسية تعيد إدماج إيران في النظام الدولي، وتفتح الباب أمام تحولات داخلية تدريجية.

ويلفت العزاوي إلى أنه "في حال عدم وقوع حرب شاملة أو توجيه ضربات عسكرية واسعة، فإن النتيجة قد تكون نظاماً ضعيفاً وغير قادر على مواجهة الشارع أو احتواء الأزمات الداخلية، وقد يجد نفسه عاجزاً عن إدارة الاقتصاد والخدمات الأساسية، وحتى عن إدارة اقتصاد الحرب نفسه، ما قد يفتح الباب أمام اضطرابات داخلية أو تحولات سياسية كبرى".

هناك بالتأكيد مسارات أخرى، إلا أن مستقبل إيران يبقى رهناً بقدرتها على التكيف مع المتغيرات، وبالخيارات التي ستتخذها النخبة الحاكمة في لحظة تتقاطع فيها الضرورات الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية. 

(المشهد)