حينما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل، حربا على إيران، حرصت الصين طوال هذه الفترة على إدارة مصالحها بحذر، بدلا من أخذ زمام المبادرة في حل النزاع أو الانحياز علنا لأي طرف، وفق تحليل لشبكة "سي إن إن".
ورغم أن بكين كانت تواجه احتمالا حقيقيا لسقط نظام حليف آخر، كما حدث في فنزويلا، إلا أن الوضع اختلف تماما بعد مرور 4 أشهر تقريبًا: فقد توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق مؤقت بعد أسابيع من محادثات السلام. ولا يزال النظام في طهران قائمًا، ويُنظر إلى الحرب على نطاق واسع على أنها كشفت حدود القوة الأميركية.
في غضون ذلك، بدا أن النفوذ الدبلوماسي لبكين قد ازداد، إذ استضافت عددًا كبيرًا من القادة الأجانب، وقدمت نفسها كداعية للسلام، حتى أنها حظيت بإشادة متكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لردها على الحرب.
كما أن ثاني أكبر اقتصاد في العالم قد تجاوز أزمة الطاقة التاريخية التي أثارها الصراع بشكل أفضل من العديد من جيرانه، ويعود ذلك بشكل خاص إلى احتياطياته النفطية الإستراتيجية الوفيرة، وتبنيه للتكنولوجيا الخضراء والسيارات الكهربائية.
ما دور الصين في الاتفاق؟
رحّبت وزارة الخارجية الصينية، في تصريحات أدلت بها هذا الأسبوع، بالإعلان عن اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، حيث قال متحدث باسمها إن بكين "على أتم الاستعداد" للعب دور فاعل في "إعادة السلام والاستقرار" إلى الشرق الأوسط.
وعندما سُئل المتحدث لين جيان، عما إذا كان لبكين دور في الاتفاق، لم يؤكد أي دور محدد. لكنه لم يتردد في الإشارة إلى جهود الصين "الدؤوبة" لإنهاء الحرب، بما في ذلك من خلال طرح الرئيس شي جين بينغ مقترح السلام ذا النقاط الـ4 في أبريل.
خلال الحرب، اتّبعت الصين نهجا دبلوماسيا حذرا. فقد أدانت الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران، واستمرّت في شراء النفط الإيراني، متحدّية العقوبات الأميركية. لكنها في الوقت نفسه أبقت قنوات الاتصال مفتوحة مع الأطراف الفاعلة من كلا الجانبين.
وقد توجّه العديد من القادة الأجانب إلى بكين مع استمرار النزاع، بمن فيهم ترامب الشهر الماضي، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قبل ذلك بأيام، وقادة باكستان، الوسيط الرئيسي في النزاع.
في بداية المفاوضات، كانت طهران حريصة على ضمان دعم الصين كضامن في اتفاق السلام، لكن بكين لم تُبد اهتماما يُذكر بلعب هذا الدور الرسمي، الذي قد يكون مُثيرًا للجدل.
وفقا للشبكة الأميركية، ليس من الواضح ما إذا كانت بكين قد استخدمت نفوذها الدبلوماسي، وإلى أي مدى، للتأثير على الاتفاق الأخير، وهو مذكرة تفاهم وُقعت رسميًا يوم الأربعاء، مما يُفعّل فترة 60 يوما للتفاوض على بنود الاتفاق النهائية.
لكن بالنسبة لبكين، عززت هذه الزيارات العلنية رسالتها بأنها، في حين يشن الآخرون حروبًا، قوة عالمية مسؤولة، ووسيط مؤثر.
نقاش حول "لحظة السويس"
مع دخول الجانبين المرحلة التالية من المفاوضات، يترقب المحللون عن كثب المكاسب التي حققتها الولايات المتحدة من هذا الصراع الذي ألحق خسائر اقتصادية عالمية فادحة.
في الصين، حيث يُعدّ رفض النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة ركيزة أساسية في السياسة الخارجية، يناقش المفكرون السياسيون أيضًا تأثير هذا الصراع على مكانة الولايات المتحدة على الساحة الدولية.
يتساءل بعض المحللين عما إذا كان هذا الصراع يُمثل "لحظة السويس" بالنسبة للولايات المتحدة، في إشارة إلى فقدان بريطانيا السيطرة على قناة السويس في خمسينيات القرن الماضي، والتي يُنظر إليها على نطاق واسع كمؤشر على تراجع بريطانيا الدولي وتراجع نفوذها أمام الولايات المتحدة كقوة عالمية.
تساءل مدير مركز دراسات الشرق اأوسط بجامعة فودان في شنغهاي سون ديغانغ، في مقال رأي نُشر يوم الثلاثاء في صحيفة "غلوبال تايمز" الصينية الحكومية: "هل يتكرر المشهد الذي ألقى بظلاله على الإمبراطورية البريطانية خلال أزمة السويس بالنسبة للولايات المتحدة في مضيق هرمز؟".
وأضاف سون: "منذ نهاية الحرب الباردة، أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة في العالم".
لكن هذه المرة، لم تثبت القوة أنها طاغية كما تصورت واشنطن، في حين أن غياب حلفاء رئيسيين يدعمون حربها يُعد مؤشراً على أن "نظام التحالفات العالمية بقيادة الولايات المتحدة يُظهر علامات متزايدة على الانقسام"، وفق سون.
لكن الصراع أثّر على نظرة العالم إلى الصين، مُظهراً نجاح "تخطيطها الإستراتيجي" في تجاوز صدمات الطاقة وجاذبية "مسارها التنموي" السلمي، على حد قوله.
كما كتب هو أن الحرب "قلّصت بشكل كبير" قوة الردع الأميركية الشاملة فيما يتعلق بتايوان، مشيراً إلى كيف أظهرت محدودية مخزونات الذخائر الأميركية وعجزها عن تشكيل تحالف غربي حتى ضد عدو معزول مثل إيران.
(ترجمات)