أجرى رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي سلسلة لقاءات مع رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني وزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، خلال زيارة أجراها مع وفد من الإطار التنسيقي إلى مدينة أربيل اليوم، لبحث الملفات السياسية العالقة بين أربيل وبغداد، وتمهيداً للتنسيق المشترك لرسم ملامح المرحلة السياسية القادمة.
وتم تكليف رجل الأعمال العراقي علي الزيدي في 28 أبريل الماضي برئاسة الحكومة العراقية، ليبدأ مهمة تشكيل الكابينة الحكومية الجديدة خلال مدة دستورية أقصاها 30 يوماً من تاريخ التكليف، ثم عرضها على البرلمان العراقي للتصويت عليها وتنصيبه رسمياً رئيساً لمجلس الوزراء العراقي.
ويأتي تكليف الزيدي برئاسة الحكومة في ظل مجموعة من التحديات السياسية الداخلية في مقدمتها مقاطعة الحزب الديمقراطي الكردستاني لجلسات البرلمان الاتحادي في بغداد احتجاجاً على طريقة اختيار رئيس الجمهورية نزار آميدي، ومطالبة واشنطن الرئيس المكلّف بتشكيل حكومة خالية من الإرهاب في إشارة إلى الفصائل العراقية المسلحة، فهل ينجح الزيدي بمهتمه؟
ماذا طلبت أربيل من الزيدي؟
وصرّح مصدر خاص لمنصة "المشهد"، أن زيارة الزيدي إلى أربيل جاءت بالدرجة الأولى لطرح الحلول أمام زعماء الحزب الديمقراطي الكردستاني للإسراع بتشكيل حكومة إقليم كردستان المتعثر تشكيلها منذ انتخابات أكتوبر 2024، بسبب خلافات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني في أربيل و حزب الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية حول تقسيم المناصب الوزارية. ما أبقى برلمان الإقليم شبه معطّل وأجّل ولادة الحكومة الـ10 للإقليم.
وأوضح المصدر، أن واشنطن أوكلت هذه المهمة للزيدي، الذي عرض على مسرور بارزاني مجموعة مقترحات لحل الخلافات مع حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بداية، ثم التراجع عن مقاطعة جلسات البرلمان العراقي ثانياً والذهاب لجلسة تشكيل الحكومة القادمة، في حين كان المطلب الأول للديمقراطي هو الاحتفاظ بوزارة الخارجية في الكابينة الحكومية القادمة.
وفي السياق، كشف المصدر، أن الزيدي هو طفل واشنطن المدلل، وأن هذه الحكومة بكل تفاصيلها، (رئيس مجلس النواب، رئيس الوزراء، رئيس الجمهورية) هي صياغة أميركية بحتة، بالتالي واشنطن هي من اختارت نزار آميدي رئيساً للجمهورية، وتسعى الآن عبر الزيدي لإعادة الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى البرلمان العراقي وتشكيل حكومة إقليم كردستان بأسرع فرصة. مضيفاً: مايؤكد استياء واشنطن من خلافات الحزبين الكرديين، تصريحات ترامب الأخيرة حول عدم تسليم القوات الكردية للأسلحة الأميركية المتفق عليها خلال حرب واشنطن مع طهران.
وفي المقابل، كشف المحلل السياسي المختص بالشأن الكردي محمد زنكنة لمنصة "المشهد"، أن وزارة الخارجية هي إحدى الوزارات التي طالب بها الديمقراطي من ضمن 4 وزارات ستكون من حصة الكُرد، لكن الديمقراطي يهتم بوزارة الخارجية أولاً ، لأنها كانت الأنجح عندما كانت تحت إشرافه، حيث أسس السياسي الكردي هوشيار زيباري لسياسية عراقية ناجحة وبنى علاقات قوية مع المحيط العربي والإقليمي والدولي وأخرج العراق من طائلة البند السابع وأعاد العراق إلى جامعة الدول العربية، لذلك يرى الحزب أنه من المهم جداً الاحتفاظ بهذه الحقيبة الوزارية.
أما وزارة العدل، يشرح زنكنة: هنالك فوضى كبيرة فيما يتعلق بإدارة السجناء والمتهمين بقضايا الإرهاب، وكيفية التعامل معهم وفقاً لقانون لأمم المتحدة وشريعة حقوق الإنسان، والحزب الديمقراطي الكردستاني مؤهل لإدارة هذه الملفات داخل وزارة العدل، هنالك عدد من المرشحين تم عرضهم على الزيدي لإدارة هذه الوزارت. لكن تبقى الخارجية إحدى المطالب المهمة للديمقراطي.
كما تم خلال الاجتماع مناقشة عدد من القضايا منها الموازنة العامة ورواتب موظفي الإقليم وقانون البيشمركة، كلها وضعت بحسب زنكنة على طاولة الحوار، لكن جلسة واحدة لا تكفي لحلها جميعها، أما مسألة عودة الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى جلسات البرلمان العراقي رغم أنه تمت مناقشتها، لكنها مرهونة بإرادة قادة الحزب ورؤيتهم لمسار العملية السياسية.
لماذا تدعم واشنطن الزيدي؟
وكشف مصدر مقرّب من رئيس الحكومة المكلّف علي الزيدي، أن واشنطن كلّفت مجموعة من السياسيين العراقيين البارزين بدعم الزيدي وإرشاده وتقديم النصائح له ووضعه في صورة كافة الملفات العراقية الداخلية والخارجية. مضيفاً: حصل الزيدي على نصيحة أن تكون زيارته الأولى إلى النجف ولمحاول إعادة العلاقة بين المرجعية الدينية وبين الحكومة ثم إلى مقتدى الصدر، بعدها إلى أربيل، لكنه فضّل الذهاب إلى أربيل أولاً خصوصًا بعد تهديدات الديمقراطي بمقاطعة الحكومة ورغبة واشنطن بولادة حكومة إقليم كردستان سريعاً.
وأوضح المصدر، أن مستشاري الزيدي نصحوه بعقد مؤتمر في بغداد يضم جميع الزعماء السياسيين لمحاورتهم وكتابة النقاط أو الحلول للمشاكل الداخلية والخارجية، كي لا يكون ضحية لمؤامرات سياسية كما حدث مع رؤوساء الوزراء السابقين.
لا فصائل مسلحة في حكومة الزيدي!
وبعد يوم واحد من إعلان اسم الزيدي رئيساً مكلّفاً بتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، تلقّى الزيدي اتصالاً هاتفياً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بارك له المهمة الجديدة، وأكد دعم واشنطن ووجه له دعوة رسمية لزيارة الولايات المتحدة الأميركية بعد نجاحه بتشكيل الحكومة. ماوصفه مراقبون بأنه دعم غير مسبوق لرئيس حكومة عراقية منذ العام 2003.
ويوضح المصدر، أن الزيدي يمكن وصفه بـ"حوت الاقتصاد" العراقي، حيث يمتلك الحصة التموينية التي يرصد العراق سنوياً لها 6 مليار دولار أميركي، وسلسلة "الهايبر ماركت" (تجربة التسوّق الشاملة) وهي أكبر سلسلة في بغداد، وقناة "دجلة" الفضائية وجامعة الشعب ومعهد عشتار الطبي ومصرف الجنوب، مضيفاً: "واشنطن تدرك أن هناك قضايا متعلقة بغسيل الأموال فيما يخص تجارة الزيدي لكن لا علاقة له بدعم الفصائل المسلحة أو الحرس الثوري الإيراني".
وتزامنت زيارة الزيدي إلى أربيل مع انتشار معلومات عن تحركات بدأها لتحجيم دور الفصائل في مؤسسات الدولة، وتخلي فصيلين مسلحين هما "الإمام علي" و "أهل الحق" عن سلاحيهما وسلماه إلى هيئة الحشد الشعبي، (أسلحة ثقيلة ومتوسطة) مقابل المشاركة في العمل السياسي.
وعن ذلك يؤكد المصدر، لمنصة "المشهد": "لن يكون هناك أي وجود للفصائل العراقية المسلحة في حكومة الزيدي، تحديداً كتائب سيد الشهداء، التي أعلنت واشنطن للمرة الثانية عن مكافأة مالية بقيمة 10 ملايين دولار مقابل معلومات تقود إلى زعيمها أبو آلاء الولائي".
أما باقي الفصائل ومنها "عصائب أهل الحق" فقد بدأت فعلاً بالتطبيع مع واشنطن، حيث جرى اجتماع قبل عدة أسابيع بين قادتها وسياسيين أميركيين في العاصمة الأردنية عمّان، وتدرك واشنطن أن هذه الفصائل لم يكن لها دور واسع في استهداف المصالح الأميركية خلال الحرب مع إيران، كما أنها لا تشكل ثقلاً عسكرياً خطيراً مقارنة بكتائب "سيد الشهداء". بحسب المصدر.
وسيعمل الزيدي، بحسب المصدر، على تحجيم وتقليص دور الفصائل العراقية المسلحة في حكومته، هذا ما نقله لرئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، الذي طالب أكثر من مرة خلال الحرب الأميركية الإيرانية الأخيرة، بغداد بمنع هذه الفصائل من استهداف إقليم كردستان بالطائرات المسيّرة ومحاسبتها على استهدافها مطار أربيل الدولي والقنصلية الأميركية في أربيل.
هل يعطل الحج حكومة الزيدي؟
وفي سياق متصل، وخلال زيارة الزيدي لإقليم كردستان، تداولت مواقع إعلامية عراقية أن 180 نائباً في البرلمان العراقي سيغادرون خلال الأيام القليلة المقبلة لأداء فريضة الحج، ماقد يهدد إمكانية انعقاد الجلسة المقبلة للتصويت على رئيس الوزراء المكلّف علي الزيدي.
وعن ذلك يقول المحلل السياسي مكرم القيسي لمنصة "المشهد"، إن أكثر من 100 نائب أعلنوا فعلاً أنهم سيغادرون خلال الأيام القادمة لأداء مناسك الحج، مضيفاً: "إذا تم الاتفاق بين جميع الكتل السياسية وحصلت كل كتلة على الوزارات التي تريدها، أعتقد أنه سيتم تأخير أو تأجيل مغادرة هؤلاء النوّاب، لكن إن شهدنا أي خلاف بين هذه الكتل حول توزيع الوزارات واختيار الشخصيات المرشحة من قبلهم سواء الكتلة الكردية أو الشيعية أو السنية، نعتقد أن فريضة الحج ستكون ذريعة لتعطيل جلسة المصادقة على الزيدي".
ويرى القيسي، أن زيارة الزيدي إلى إقليم كردستان مهمة جداً لحل المشاكل السياسية الداخلية، وإعادة الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى البرلمان العراقي، لأن الزعيم الكردي مسعود بارزاني هو العصب الرئيسي وميزان الفكر السياسي العراقي، هذا مايدركه الزيدي لذلك يسعى بزيارته لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة مع إقليم كردستان، وهو أيضاً بحاجة إلى أصوات الكرد للمصادقة على تمريره في الجلسة البرلمانية القادمة.
(المشهد)