يُجري رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي منذ منتصف شهر يوليو، سلسلة زيارات دولية، بدأت من واشنطن ثم طهران وتستمر عبر زيارته اليوم 28 يوليو إلى أنقرة، تلبية لدعوة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ما وصفه مراقبون بأنه محاولة عراقية لبناء علاقات متوازنة مع الدول الإقليمية اللاعبة في المنطقة، في ظل التصعيد العسكري التي يشهده الشرق الأوسط.
وبعد أيام عدة، من عودة الزيدي من طهران، التقى برئيس مجلس الوزراء اللبناني نوّاف سلام في بغداد، في زيارة تهدف إلى تجديد عقد تزويد العراق للبنان بالوقود الخاص بتشغيل المحطات الكهربائية اللبنانية، مقابل تسهيل تصدير النفط العراقي عبر بيروت على البحر الأبيض المتوسط.
ويرى مراقبون أنّ الملفات الاقتصادية العراقية تزداد تشابكا، خصوصا في ظل مطالبة طهران بديون تصدير الغاز الإيراني، التي تبلغ نحو 12 مليار دولار أميركي، وتعجز بغداد عن تسديدها نتيجة للعقوبات الأميركية على إيران، إضافة إلى تضييق الخناق على حاملات النفط العراقي عبر مضيق هرمز، ما قد يؤدي إلى انهيار اتفاقيات العراق الاقتصادية مع دول المنطقة.
ماذا تريد بيروت من بغداد؟
وتجمع العراق بلبنان، اتفاقية لتبادل الطاقة، تمنح من خلالها بغداد مادة زيت الوقود الثقيل، مقابل خدمات وسلع تحصل عليها من بيروت، إلا أنّ الجانب اللبناني لم يسدد الأموال المترتبة عليه الناتجة عن بيع الفيول العراقي، والتي بلغت 2.7 مليار دولار أميركي.
وكشف مصدر سياسي لمنصة "المشهد"، أنّ زيارة سلام لبغداد تحمل رسالتين:
- الأولى: خاصة بالداخل اللبناني، لإظهار حاجة الشعب اللبناني لدعم الحكومة العراقية باستمرار تصدير الفيول بأسعار زهيدة.
- الثانية: فهي رسالة طمأنة لبنانية حول اتفاقية السلام مع إسرائيل، حيث أكد سلام للزيدي أنّ هذه الاتفاقية فقط لتهدئة المنطقة وخفض التصعيد سواء في جنوب لبنان أو طهران أو دول الخليج العربي.
أما مسألة تصدير النفط العراقي عبر ميناء بيروت، رغم أنه تم التطرق إليها خلال اللقاء، إلا أنه مشروع غير قابل للتحقيق في ظل ظروف الحرب القائمة، ووجود مجموعات مسلحة تابعة لـ"حزب الله" اللبناني على الأراضي البنانية، وسيطرة جزء منها على مساحات من ميناء بيروت، بحسب المصدر.
ووقعت حكومتا لبنان وإسرائيل في 25 يوليو الحالي، بدعم من واشنطن اتفاق إطار ثلاثيا يهدف إلى تحقيق السلام وإنهاء النزاع بينهما واستعادة القوات المسلحة اللبنانية لسلطتها على كامل الأراضي اللبنانية بعد نزع سلاح الجماعات المسلحة وتفكيك البنية التحتية المرتبطة بها.
ملف المياه على طاولة إردوغان
وبعد زيارة رئيس الوزراء اللبناني، انطلق الزيدي إلى أنقرة، حاملا العديد من الملفات العالقة بين البلدين، أبرزها بحسب المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، ملف المياه بموجب الاتفاق الإطاري العراقي – التركي 2025 الذي تم توقيعه خلال حكومة محمد شياع السوداني.
وكشف مصدر سياسي مقرّب من الزيدي، لمنصة "المشهد"، أنّ "برنامج زيارة رئيس الوزراء إلى أنقرة أشار إلى ملف المياه، إلا أنه لم يضف أيّ نقطة جديدة على مضمونه الذي شمل زيادة أنقرة لتصريف مياه نهري دجلة والفرات إلى العراق بمقدار 420 متر لكل نهر على المدى القريب. لكنّ أنقرة لم تنفذ الاتفاق. وسيسعى الزيدي خلال زيارته لتفعيل هذا الاتفاق من دون المطالبة بتطويره أو زيارة كميات ضخ المياه".
وبحسب المصدر، ستقوم أنقرة بعملية تسويف، كما حدث مع جميع رؤوساء الحكومات العراقية السابقة، مضيفا: قبل فترة عندما ازداد ضغط المياه عليها فتحت السدود على سوريا والعراق، هذا ما سيجعل زيارة الزيدي بروتوكولية شبيه بزيارة رؤوساء الحكومات السابقة ضمن العرف السياسي في العملية السياسية العراقية.
ويُعتبر ملف المياه من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للعراق، في ظل موجات الجفاف المتزايدة على مدى سنوات، وانخفاض المخزون المائي في السدود العراقية، ما انعكس على جوانب حياة المواطن العراقي كافة، هذا ما سيبحثه الزيدي مع إردوغان خلال الزيارة، بحسب المصدر.
زيارة الزيدي تحت منظار أربيل
وعلى الرغم من أنّ ملف المياه هو الملف الأبرز الذي سيناقشه الزيدي مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، إلا أنّ هناك الكثير من الملفات الأخرى الشائكة المرتبطة بالقضية الكردية، وحزب العمال الكردستاني وملف الوجود التركي العسكري على أراضي إقليم كردستان.
ويقول عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني والمحلل السياسي، محمد زنكنة لمنصة "المشهد"، إنّ "العديد من الملفات الشائكة بين العراق وتركيا توجد في إقليم كردستان، لأنّ معظم المنافذ الحدودية تمر من الإقليم، سواء مسألة تصدير النفط أو ضخ المياه وغيرها".
وحول ملف حزب العمال الكردستاني، يوضح زنكنة، أنّ "القصف المتبادل بين مقاتلي حزب العمال الكردستاني والجيش التركي سيكون على طاولة الحوار مع تركيا، وسيتم خلال الزيارة الاتفاق على تحييد نسبة من القوات التركية داخل إقليم كردستان، ما سيؤثر بشكل إيجابي على الإقليم".
ولم يتم التعليق من قبل حكوكة إقليم كردستان على زيارة الزيدي لتركيا، إلا أنّ بعض المسؤولين الكرد سيرافقون الزيدي في زيارته في مقدمتهم وزير الخارجية فؤاد حسين، ويوجد تواصل بين أربيل وأنقرة حول بعض الملفات التي سيتم مناقشتها خلال زيارة رئيس الحكومة العراقي، بحسب زنكنة.
وفي سياق متصل، يقول القيادي في الاتحاد الوطني الكردستاني عباس كاريزي، لمنصة "المشهد"، إنّ "الحزب الاتحادي يدعم سلسلة الزيارات التي أجراها الزيدي إلى واشنطن وطهران وثم أنقرة، ونتمنى أن يتم مناقشة وجود قواعد عسكرية تركية داخل أراضي الإقليم، وقد حال الآوان لانسحابها، نرى أنّ سياسية الزيدي ستحقق نتائج إيجابية في ما يخص إقليم كردستان".
هل ينجح الزيدي بالانفتاح على جميع الأطراف؟
ويوضح الباحث في الشؤون الإستراتيجية والمتخصص في الشأن الإيراني وجدان عبد الرحمن لمنصة "المشهد"، أنّ "زيارة الزيدي إلى تركيا التي سبقتها زيارة إلى الولايات المتحدة، وتليها زيارة مرتقبة إلى المملكة العربية السعودية، تعكس رغبة رئيس الوزراء العراقي في الانفتاح على دول المنطقة، لكنّ هذه المهمة ليست سهلة في ظل النفوذ الإيراني الواسع داخل العراق، سواء عبر الأذرع المسلحة المنتشرة على نطاق كبير، أو من خلال التأثير السياسي داخل البرلمان"، مضيفا، "لا ننسى أنّ الزيدي جاء إلى رئاسة الوزراء بتكليف ودعم من الإطار التنسيقي، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه يتمتع بعلاقات وثيقة مع إيران".
ويلفت عبد الرحمن إلى أنّ "فرص نجاح الزيدي في تحقيق انفتاح حقيقي على دول المنطقة تبدو شديدة الصعوبة، فرئيس الوزراء الذي لا يستطيع اعتقال المجموعات المسلحة التي تستهدف دولًا يسعى إلى توطيد العلاقات معها، أو حتى منعها من تنفيذ هجمات ضد تلك الدول، يواجه تحديات كبيرة في بناء شراكات إقليمية مستقرة".
ومن هذا المنطلق، لا يرى عبد الرحمن هذه المهمة ستكون سهلة، خصوصًا في ظل استمرار الزيارات التي يقوم بها مسؤولون إيرانيون إلى العراق، وتحريض بعض الأذرع المسلحة ضد دول المنطقة. لذلك، فإنّ المشهد يبدو بالغ التعقيد، وستظل قدرة الحكومة العراقية على تحقيق توازن حقيقي في علاقاتها الإقليمية مرهونة بمدى قدرتها على بسط سلطة الدولة على جميع الفاعلين داخل العراق.
(المشهد - العراق)
