في كل صباح تتحوّل مدينة نابلس إلى ساحة مواجهة ضاريّة، يصاب العشرات من الشبان الفلسطينيين المدافعين عن مقام "قبر يوسف"، حيث يُختزل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في هذا المكان، الذي تحول من موقع ديني إلى بؤرة استيطانية وسياسية تكرس انهيار ما تبقى من اتفاقية أوسلو.
مقام "قبر يوسف"
وفي خطوة تندرج ضمن سلسلة الاقتحامات الاستفزازية اليومية، يقتحم المستوطنون الإسرائيليون الموقع تحت حماية الجيش الإسرائيلي، مما يقود لمواجهات عنيفة مع الشبان الفلسطينيين، ويصاب العشرات بالرصاص الحي، ويختنقون بالغاز المسيل للدموع، وهذه انتهاكات إسرائيلية ممتدة منذ احتلال الضفة عام 1967، حيث تسعى إسرائيل إلى تحويل المقام إلى "وقف يهودي"، مستغلة الروايات التوراتية المتنازع عليها، فيما يؤكد الفلسطينيون أنه ضريح لشيخ مسلم يدعى يوسف دويكات، مبني على الطراز الإسلامي العثماني.
تداعيات الاقتحامات اليومية تتجاوز الحجارة والدم، فكل اقتحام يذكر الفلسطينيين بسيناريو المسجد الإبراهيمي بمدينة الخليل، حيث تحوّل الموقع الإسلامي إلى كنيس يهودي بتقسيم زماني ومكاني، اليوم، يُخشى أن يصبح "قبر يوسف" نموذجاً جديداً لهندسة الديموغرافية الإسرائيلية، والقضية لا تتعلق بالدين وحده، بل بالسياسة الإسرائيلية الممنهجة، فالموقع يصنف ضمن المناطق "أ" الخاضعة للسيطرة الفلسطينية الكاملة وفق اتفافية أوسلو، لكن إسرائيل تعيد تفسير الاتفاقية لفرض وجود عسكري دائم، تحت ذريعة حماية زيارات المتسوطنين، وفي الكواليس، يدفع قادة المستوطنين لإضفاء الشرعية بضرورة السيطرة الكاملة عليه، بدعم من وزير المالية المتطرف سموتريتش، حيث يعتبرون الموقع حق لتاريخ الشعب اليهودي.
الرواية اليهودية ضد الرواية الفلسطينية
يروي الأكاديمي والمؤرخ الإسرائيلي د. موردخاي كيدار لمنصة "المشهد" أنه وبحسب الديانة والمعتقدات اليهودية، فإن عظام النبي "يوسف بن يعقوب" أُحضرت من مصر ودُفنت في مدينة نابلس، ويقول:
- في الديانة اليهودية يعتبر "قبر يوسف" الموجود في مدينة نابلس، هو قبر النبي يوسف بن يعقوب، من خلال الإستناد لنصوص توراتية من سفر يوشع وسفر التكوين، والتي ورد فيها نقل رفات قبر النبي يوسف من مصر.
- وتمت عملية الدفن في نابلس، ويوشع بن نون دفن العظام في قطعة أرض اشتراها يعقوب، وهذا يعطي الموقع قدسية خاصّة في المعتقد اليهودي، القبر يذهب إليه المتدينون اليهود في نهاية كل شهر ميلادي، يؤدون الشعائر الدينية والصلوات التلمودية، يصلون ويمكثون لمدة يومين تقريباً، منذ انتصاف الليل حتى طلوع الشمس، ويعد مرقداً يهودياً خالصاً للحج والصلاة.
بحسب الباحث في التراث الإسلامي العربي أسامة العيسة، هناك مقامات عدة حملت اسم سيدنا يوسف عليه السلام، في لبنان ومصر وفلسطين، وهذا دليل على أنها تسميات لا علاقة لها بالواقع، ويقول إن:
- الدلائل والأبحاث التاريخية تؤكد بأن عمر القبر لا يتجاوز 200 عام، والدليل أن النبي موسى جاء بعد وفاة النبي يوسف بـ200 عام، وظل مكان دفنه في مصر مجهولاً.
- نلاحظ بأن القبر أي المقام، مشيد على الطراز الإسلامي، تكسوه قبة، وهو حديث البناء يعود للعصر العثماني، وتؤكد الروايات أنه بنيّ تخليداً لرجل صالح كان يعلم الدين الإسلامي يدعى يوسف دويكات، وعندما توفيّ كرمته الدولة العثمانية بإقامة وبناء المقام باسمه، الذي ظل مزاراً للمسلمين.
- بعض المتصوفين كان يقيمون طقوساً كختان المواليد تيمناً بصاحب المقام، والموقع يعتبر أثرًا إسلاميًا مسجلًا لدى دائرة الأوقاف الإسلامية، وللموقع حضور مهم في الذاكرة الشعبية الفلسطينية، كمساحة اجتماعية لإحياء المولد النبوي، والإسراء والمعراج، وكذلك الصلاة والتبرك من المكان.
استغلال ثغرات اتفاقية أوسلو
يعتقد الخبير بالشؤون الإسرائيلية سليمان بشارات خلال حديثه لمنصة "المشهد" بأن اعتراف السلطة الفلسطينية وفقاً لبنود اتفاقية أوسلو، بقبر يوسف كمكان مقدس لليهود، سقطة استغلتها إسرائيل لتحويل معلم أثري وتاريخي فلسطيني إلى مسمار جحا تنطلق منه في مشروع توسعها الاستيطاني والقمعي في الضفة.
ويقول: "واحدة من أكبر الأخطاء التي وقع فيها المفاوض الفلسطيني في اتفاقيات أوسلو، إعطاء إسرائيل تحديد بعض الأماكن والخرائط من بينها "قبر يوسف"، والدهاء الإسرائيلي يمكن أن يقوم بالتلاعب بها ويجعلها مدخلاً للتدخل بالسيادة الفلسطينية، والثغرة القانونية تكمن بأن الاتفاقية نصت على التنسيق الأمني لزيارات اليهود لقبر يوسف، لكن إسرائيل توسعت في تفسير هذا البند لفرض وجود عسكري دائم، مدعية أنه موقع أمني إستراتيجي، وتجاهلت تصنيف المنطقة ألف التي يوجد بها، أنها تحت سيطرة فلسطينية كاملة، وتسعى مؤخراً لإضفاء الشرعية على إعادة الاحتلال العسكري للموقع تحت ذريعة حماية الزيارات الدينية".
وتحول المقام إلى بؤرة مواجهة مستمرة، يحاول فيها الفلسطينيون صدّ الزحف الاستيطاني فوق أراضيهم وسلب آثارهم وتاريخهم وموروثهم الشعبي الاجتماعي، وفي هذا الصدد، يوضح الخبير بشارات لـ"المشهد" أن:
- إسرائيل تدرك بأن أبرز مقومات الدولة اليهودية أن تمتلك هوية، التي يجب أن تقوم على ركائز متعددة، الأولى، البعد الديني الإيديولوجي، ولهذا تركز القوات الإسرائيلية والمستوطنين على استهداف المساجد والمواقع والمقامات الدينية، على اعتبار أنه يمكن تزوير هويتها لتحويلها ليهودية، لشرعنة الدولة اليهودية، تحت إطار البعد الديني.
- الثانية، الأماكن الدينية لا ترتبط بالهوية الدينية فحسب، وإنما في كيفية تحويل ذلك كواحدة من الأوراق السياسية للمساومة على القضايا الجوهرية، إسرائيل أبقت في كل مدينة فلسطينية مكاناً دينياً أو أكثر تحت سيطرتها.
- الثالثة، عملية تعزيز الاستيطان والمهاجرين اليهود في أرض فلسطين، صناعة مقدسات يهودية للذين يتم استقطابهم وربطهم بالأرض انطلاقاً من البعد الديني.
بؤرة صراع وجبهة ساخنة
يقرب الناشط ضد الاستيطان الإسرائيلي بمدينة نابلس نصر أبو جيش لمنصة "المشهد" حكاية "قبر يوسف" أكثر، ويشرح كيف أن "قبر يوسف" يشكل على مدار السنوات الماضية وحتى اللحظة بؤرة صراع مشتعلة بين الفلسطينيين والمستوطنين، "المقام ساحة اشتباك دائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث ارتقى عدد كبير من الشبان الفلسطينيين دفاعاً عنه، وقتل فيه عدد من الإسرائيليين، عام 1996 عندما اشتبك عناصر من الأمن الوطني الفلسطيني مع الجنود الإسرائيليين الذين قتل سبعة منهم، وفي عام 2000، ارتقى 6 فلسطينيين، وجندي إسرائيلي بفعل الاشتباك والمواجهات بالمكان".
ويمضي أبو جيش بالقول، "إسرائيل تستخدم الموقع كأداة سياسية لتعزيز الوجود الاستيطاني في مدينة نابلس، ويقتحمه المستوطنون بحماية الجيش الإسرائيلي يومياً، وهذا يحدث اشتباكات مع الفلسطينيين، فيما تعمل الحكومة الإسرائيلية على إعادة فرض سيطرة دائمة عليه، كجزء من إستراتيجية تهويد الجغرافيا الفلسطينية، هذه الخطوة لا تهدد الاستقرار في نابلس فحسب، بل تظهر كيف حولت إسرائيل الاتفاقيات إلى أداة لترسيخ الاحتلال، بدلاً من إنهائه، فالسيطرة على القبر ستزيد الاحتقان، خصوصًا مع رفض أهالي نابلس التنازل عن هويته الإسلامية، وإدراكهم لخطورة المخططات الإسرائيلية في حال تمت السيطرة عليه بشكل كامل".
(المشهد)