تعيش مخيمات تندوف، الواقعة جنوب غرب الجزائر والخاضعة لسيطرة جبهة البوليساريو الانفصالية، على إيقاع نقاش متزايد في الأوساط السياسية والحقوقية والدبلوماسية، وسط دعوات لتفكيك هذه المخيمات، التي أُنشئت منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، في سياق نزاع الصحراء المغربية.
وتتجاوز قضية المخيمات، مع التحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة ومن ضمنها هجمات مالي الأخيرة، بعدها الإنساني التقليدي، لتتحول إلى ملف يرتبط بالأمن الإقليمي، والهجرة، والتنمية، والاستقرار في منطقة الساحل والصحراء.
الحكم الذاتي هو الحل
وعادت قضية تفكيك المخيمات، أو إعادة تنظيمها على الأقل، إلى واجهة النقاش الدولي، خصوصاً مع تزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، التي يقترحها المغرب لحل النزاع.
ويعتبر مدير مركز الصحراء للدراسات الإستراتجية عبد الفتاح الفاتحي أن تفكيك مخيمات تندوف، هو مقترح منسجم مع الخطوات الإجرائية، التي تسرع الدخول في تفعيل بنود الحكم الذاتي بالصحراء المغربية، والذي بات في العرف الدولي والأممي "حلا نهائيا للنزاع، وفقا لمضمون القرار الأخير لمجلس الأمن الدولي رقم 2797".
ويشرح الفاتحي في تصريحه لمنصة "المشهد"، أن الشق الإنساني عنصر محوري في التسوية السياسية للنزاع، ولذلك فإن تفكيك مخيمات تندوف يعد أولوية عملية بالنسبة للولايات المتحدة، لتسريع عملية تنفيذ مبادرة الحكم الذاتي، "بعيدا عن أي تعقيدات سياسية يمكن أن تتدرع بها الجزائر، وخصوصا أنها ظلت تعرقل توصيات مجلس الأمن الدولي التي كانت تحرص على ضرورة إحصاء سكان مخيمات تندوف".
وعبّرت جهات دولية عن قلقها من غياب إحصاء رسمي ودقيق لسكان المخيمات، وهو مطلب تكرره الأمم المتحدة وعدد من الشركاء الدوليين منذ سنوات، باعتباره خطوة ضرورية لضمان شفافية توزيع المساعدات الإنسانية، وحماية الحقوق الأساسية للاجئين الصحراويين.
مخيمات خارج القانون
ويرى الباحث المختص في ملف الصحراء المغربية محمد سالم عبد الفتاح أن التوجه الداعي إلى معالجة الوضع داخل المخيمات، يأتي باعتباره أحد العناصر الأساسية المرتبطة بمستقبل النزاع، ليس فقط من زاوية إنسانية، بل أيضا "من زاوية أمنية وسياسية مرتبطة بالاستقرار الإقليمي".
ويضيف الباحث في تصريح خاص لمنصة "المشهد"، أن مطلب تفكيك مخيمات تندوف، يرتبط بتصاعد الانتقادات الموجهة إلى الوضع القانوني والإنساني داخل المخيمات، حيث تعتبر العديد من التقارير والقراءات أن استمرار هذا الوضع لعقود "خلق فضاء مغلقا يفتقر إلى الإحصاء الرسمي للسكان، وإلى آليات الحماية والرقابة الطبيعية المعمول بها في أوضاع اللجوء المشابهة".
وتشير تقارير صادرة عن منظمات حقوقية وهيئات دولية، إلى استمرار التحديات الإنسانية داخل المخيمات، في مقدمتها تراجع المساعدات الغذائية، وضعف الخدمات الصحية، وارتفاع معدلات البطالة والفقر.
وتؤكد جبهة البوليساريو من جهتها أن المخيمات تمثل "وضعاً مؤقتاً فرضه النزاع"، وترفض أي مقاربة تعتبر أن تفكيكها يمكن أن يتم خارج إطار تسوية سياسية شاملة لقضية الصحراء المغربية.
الجزائر "تتهرب" من مسؤوليتها
كما تعتبر الجزائر، التي تستضيف المخيمات فوق أراضيها، أن الملف يبقى مرتبطاً بمسار الأمم المتحدة و"بحق تقرير المصير"، في حين تشدد الرباط على أن الحل الواقعي والعملي، يتمثل في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ويعتبر المختص محمد سالم أن الجزائر، تنظر إلى أي حديث عن التفكيك باعتباره محاولة لإعادة صياغة معادلات النزاع والضغط عليها سياسيا، في ظل التحولات الجارية داخل مجلس الأمن الدولي.
ولذلك فإن الموقف الجزائري حسب محمد سالم، يظل رافضا لأي طرح يتحدث عن تفكيك المخيمات أو إعادة النظر في بنيتها الحالية، ويقول إن "الجزائر تتنكر لمسؤولياتها القانونية والاخلاقية إزاء من يفترض أنهم لاجؤون داخل ترابها الإقليمي، بالرغم من حرصها على توظيف ملف قاطني المخيمات سياسيا كورقة ضغط إنسانية، ضمن معادلة النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية".
وبدوره يؤكد رئيس مركز الصحراء للدراسات الإستراتجية أن المجتمع الدولي، قد "دأب على إدانة وضعية مخيمات تندوف فوق التراب الجزائري، الذي يدار من قبل دويلة مصطنعة، وهو ما يجعل المخيمات في تعارض مع مقتضيات القانون الدولي الإنساني ومع اتفاقية جنيف للاجئين، حيث تعتبرهم الجزائر لاجئين فوق ترابها".
مخاوف أمنية متزايدة
ويزداد الاهتمام الدولي بالمخيمات أيضاً بسبب المخاوف الأمنية المتصاعدة في منطقة الساحل، التي تشهد انتشار جماعات مسلحة وشبكات تهريب عابرة للحدود، وتحدثت تقارير أمنية غربية وإقليمية، عن مخاطر استغلال حالة الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية داخل بعض المخيمات، في عمليات تجنيد مقاتلين أو التهريب الدولي للمخدرات والبشر والسلاح.
كما تفيد تقارير دولية، بوجود ارتباط مباشر ومنظم بين سكان المخيمات والتنظيمات المتطرفة، وحتى الأذرع المسلحة للحرس الثوري الإيراني.
وذلك ما يوضحة المختص في الملف الصحراوي محمد سالم بالقول إن "التحولات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل، دفعت عددا من الفاعلين الدوليين إلى إعادة النظر في وضعية الفضاءات غير المستقرة أو الخارجة عن الرقابة المؤسساتية الكاملة، وعلى رأسها مخيمات تندوف".
ويرى مراقبون أن أي سيناريو مستقبلي لتفكيك المخيمات أو إعادة هيكلتها، سيكون مرتبطاً بتوافقات سياسية معقدة تشمل المغرب والجزائر والبوليساريو، إضافة إلى الأمم المتحدة والقوى الدولية المؤثرة في الملف.
تنظيم انفصالي إرهابي
ويعتقد الفاتحي أن مقترح الجزائر بترحيل سكان مخيمات تندوف نحو المنطقة العازلة، في حد ذاته "اقتراحا مسيسا لا يسمح بإنهاء معاناة سكان المخيمات، الذين يجدون أنفسهم محاصرين في ظروف غير إنسانية وغير آمنة، وفيه تخلي الجزائر عن مسؤولياتها السياسية والأخلاقية حيال سكان المخيمات".
ويضيف في تصريحه لمنصة "المشهد" أن "الجزائر اليوم محرجة من الدعوة الأميركية لرفع يدها عن ساكنة مخيمات تندوف في محاولة لعزل التنظيم السياسي لجبهة البوليساريو، وبالتالي لحملها عن الانخراط في الرؤية السياسية لحل نزاع الصحراء المغربية على أساس مبادرة الحكم الذاتي".
كما يتطلب تفكيك المخيمات جنوب غرب الجزائر حسب التقارير الدولية، ترتيبات إنسانية وأمنية دقيقة لضمان حماية السكان، وتفادي أي فراغ أو اضطراب إقليمي.
ولذلك فإن تطبيق فكرة التفكيك على أرض الواقع، يظل حسب الباحث محمد سالم مرتبطا بجملة من التعقيدات السياسية والإنسانية والأمنية، أهمها غياب الارادة السياسية لدى الدولة المستضيفة.
ويقول الباحث "المخيمات ليست مجرد تجمعات سكانية عادية، بل ترتبط ببنية سياسية وتنظيمية قائمة منذ عقود، كما أن أي خطوة في هذا الاتجاه تحتاج إلى توافقات دولية وإقليمية، وضمانات مرتبطة بمصير السكان، وآليات إعادة الإدماج والتسوية".
وبعد نحو 50 عاماً من قيام هذه المخيمات، يتزايد الحديث داخل الأوساط الدولية عن ضرورة الانتقال من إدارة الأزمة إلى البحث عن حلول عملية ومستدامة، تضمن الكرامة الإنسانية للسكان، وتفتح الباب أمام تسوية سياسية تنهي واحداً من أطول النزاعات الإقليمية في إفريقيا.
وذلك ما يؤكده رئيس مركز الصحراء للدراسات الاستراتجية بالقول إن "تفكيك مخيمات تندوف، من جهة ينهي ورقة ظلت تزايد بها الجزائر لتعطيل أي عملية سياسية لنزاع الصحراء، ومن جهة أخر فإن دفع الجزائر لتفكيك المخيمات، فيه تنبيه من تداعيات استمرار وضعية إنسانية شاذة فوق ترابها، وخصوصا حين يشرف على هذه المخيمات تنظيم انفصالي، مرشح أن يصنف تنظيما إرهابيا دوليا".
(المشهد)