في 25 ديسمبر 2025، أطلق الجيش الأميركي أكثر من 12 صاروخًا على أهداف في ولاية سوكوتو النيجيرية، استهدف مناطق تنشط فيها فصائل تابعة لتنظيم "داعش" الإرهابي، وفد سجّل إقليم تيلابيري في النيجر أكثر من 1200 قتيل خلال العام ذاته، ليصبح الإقليم الأكثر دموية في منطقة الساحل الإفريقي، متجاوزًا مناطق النزاع في مالي وبوركينا فاسو، بحسب تقرير لموقع وأحداث النزاعات المسلحة ACLED.
توسع التنظيمات الإرهابية بغرب إفريقيا
وأشار التقرير إلى أن تنظيم "داعش- ولاية الساحل" كان المسؤول الأول عن عدد الضحايا، يليه تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين" وهو فرع تنظيم "القاعدة" الإرهابي.
وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإن توسع التنظيمات الإرهابي على تخوم نيجيريا والنيجر وبنين في غرب إفريقيا يفرض "بؤرة صراع" تجعل المنطقة مرشحة لتوسيع الولايات المتحدة عملياتها العسكرية النوعية.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن المشهد الأمني الإقليمي يشهد تدهورًا متسارعًا في ظل تراجع واضح في نشاط قوات "أفريكوم" منذ الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ما أتاح للجماعات الإرهابية، وفي مقدمتها تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين" بقيادة إياد أغ غالي، توسيع نفوذها في مالي ودول الساحل والصحراء، بالتوازي مع انسحاب غير مسبوق للقوات الفرنسية وحالة من الفوضى السياسية التي تجعل السيناريوهات الأسوأ هي المرشحة.
في المقابل، تبدو إفريقيا خارج أولويات واشنطن الراهنة، في ظل غياب إستراتيجية أميركية للتنمية أو دعم الاستقرار، وفق مصادر "المشهد" مقارنة بالحضور الصيني الاقتصادي والدور الروسي عبر "الفيلق الروسي" وريث "فاغنر".
البوصلة الإستراتيجية لواشنطن
في حديثه لـ"المشهد"، يقول الباحث في معهد "روسي" البريطاني والمختص في شؤون غرب إفريقيا وعمل سابقًا في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه" مايكل شوركين، إن المعطيات الإقليمية والدولية تشير إلى احتمال متزايد بأن تعيد الولايات المتحدة توجيه بوصلتها الإستراتيجية في غرب إفريقيا، مع تركيز أوضح على نيجيريا وخليج غينيا، وربما غينيا نفسها، مقابل "تراجع نسبي" أو "إحجام مدروس" عن الانخراط العميق في منطقة الساحل.
ويقول شوركين إن هذا التوجه يعكس قراءة أميركية متجددة لتعقيدات المشهد الأمني والسياسي في القارة الإفريقية، ولحدود الفاعلية التي أظهرتها المقاربات السابقة، خصوصًا في البيئات غير المستقرة،إذ تمثل نيجيريا "حجر الزاوية" في أي إستراتيجية أميركية في غرب إفريقيا، ليس فقط بحكم ثقلها الديموغرافي والاقتصادي، بل أيضًا لدورها المحوري في أمن الطاقة، مكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي.
ويردف: "فالولايات المتحدة تنظر إلى نيجيريا باعتبارها شريكًا قادرًا على استيعاب الدعم السياسي والعسكري والتنموي، وتحويله إلى نفوذ فعلي على الأرض، سواء في مواجهة الجماعات المسلحة أو في ضبط التوازنات داخل الإقليم. كما أن خليج غينيا يكتسب أهمية متزايدة في الحسابات الأميركية، في ظل تصاعد التهديدات المرتبطة بالقرصنة البحرية، وتهريب السلاح، والجريمة العابرة للحدود، فضلًا عن أهميتها المتنامية في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية".
ومن ثم، تبدو غينيا مرشحة وفق شوركين للمساهمة بـ"دور إضافي، سواء بحكم موقعها الجغرافي أو مواردها الطبيعية، أو بسبب التحولات السياسية التي تجعلها ساحة تنافس محتملة بين القوى الدولية. وقد يدفع ذلك واشنطن إلى انتهاج سياسة انخراط انتقائي، تجمع بين الضغط الدبلوماسي والدعم المشروط، بما يخدم مصالحها الإستراتيجية من دون الانجرار نحو التزامات مكلفة طويلة الأمد. فيما يظهر الساحل الإفريقي بوصفه مساحة أقل جاذبية للانخراط الأميركي المباشر. فالانقلابات المتتالية، وتراجع الشركاء المحليين الموثوقين، وتصاعد النفوذ الروسي عبر أدوات عسكرية غير نظامية، كلها عوامل تقلّص من هامش الحركة الأميركي".
إعادة ترتيب الأولويات
يمكن فهم التوجه الأميركي المحتمل بوصفه انتقالًا من سياسة "الانتشار الواسع إلى إستراتيجية التركيز النوعي"، التي تراهن على شركاء أكثر استقرارًا وقابلية للتعاون، مع الإبقاء على الساحل ضمن دائرة المراقبة لا الانخراط المباشر، وفق الباحث في معهد "روسي" البريطاني والمختص في شؤون غرب إفريقيا وعمل سابقًا في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه"، مضيفًا أن هذا التحول لا يعني انسحابًا كاملاً من غرب إفريقيا، بقدر ما يعكس إعادة ترتيب للأولويات وفق منطق المصالح والجدوى السياسية والأمنية.
كما لا يُتوقّع أن تنخرط الصين في القضايا الأمنية في المنطقة سوى من خلال بيع الأسلحة، فيما يتركّز حضورها الأساسي، منذ أعوام، في قطاعات الصناعة والبنية التحتية على نطاق واسع، بحسب ما يوضح المصدر ذاته، ويضيف: "أما الدور الروسي، فيبقى أكثر غموضًا وإشكالية؛ إذ لم يواكب الحضور العسكري المحدود نموًّا يُذكر في الاستثمارات الاقتصادية، كما لم تشهد المنطقة تدفّقًا ملحوظًا لرؤوس الأموال أو المستثمرين الروس. ويُضاف إلى ذلك أن مهمة "فيلق إفريقيا" في مالي لم تحقق النتائج التي كانت موسكو تراهن عليها، سواء على الصعيد الأمني أو من حيث توسيع النفوذ"
وعليه، لا توجد مؤشرات واضحة على تمدّد روسي نحو النيجر، بينما يظل الوجود الروسي في بوركينا فاسو محدودًا، مع تداول تقارير تفيد بتراجعه خلال الفترة الأخيرة، وفق شوركين، بما يعكس صعوبات بنيوية تواجه موسكو في تحويل حضورها العسكري إلى نفوذ مستدام.
تراجع "أفريكوم"
ومن جهته، يرى الباحث المختص في شؤون الإسلام السياسي باسل ترجمان أن هناك تراجعا واضحا وعدم اهتمام لعمل قوات "أفريكوم" منذ تولي الرئيس الأميركي ترامب منصبه وتمدد الجماعات الإرهابية ومنها تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين" الفرع الإقليمي لتنظيم "القاعدة" الذي يقوده إياد آغا غالي سواء في مالي أو غيرها من دول الساحل والصحراء، مع انسحاب غير مسبوق للوجود العسكري الفرنسي من المنطقة وحالة الانفلات السياسية التي تعيشها، بما يجعل من "المشهد الحالي مفتوحا على كل الاحتمالات السيئة".
ويضاف لذلك وفق ترجمان في حديثه لمنصة "المشهد" ما تشهده منطقة شمال شرق سوريا من تفكيك لمخيمات "داعش" ونقلهم إلى العراق في ظل انسحاب القوات الأميركية من المناطق الكردية في سوريا، الأمر الذي يجعل من ملف عودة نشاط الجماعات الإرهابية "أمرًا لا يمكن تجاهله أو السكوت عنه في ظل رفض الدول التي أتى منها الإرهابيون إلى سوريا قبول عودتهم".
وتابع: "وفي ظل بقاء هؤلاء بهذا الشكل المرتبك ومع حالة الفوضى التي تعيشها سوريا، سيجعل ملف "داعش" بمثابة قنابل موقوته، وبالتالي سيكون سيناريو ترحيل هؤلاء باتجاه مناطق الساحل والصحراء ودولها أمرًا محتملًا".
ويختتم ترجمان حديثه قائلًا إن واشنطن لا تعنيها حاليًا القارة الإفريقية، وبالتالي لا تقع ضمن أولوياتها لجهة "بناء سياسة تنموية اقتصادية واجتماعية، وفي المقابل تتمدد روسيا والصين".
(المشهد)