في لحظة مفصليّة من تاريخ المنطقة، حين تتهاوى المسلّمات القديمة وتُعاد كتابة قواعد اللعبة الإقليمية والدولية، تتقدّم أسئلةٌ ثقيلةٌ إلى واجهة المشهد: هل تُمسك بريطانيا بزمام المبادرة الأوروبية لفتح مضيق هرمز؟ وإلى أيّ مصيرٍ تسوقنا هذه التحرّكات؟ وهل تصمد العلاقات بين واشنطن وعواصم أوروبا أمام عواصف الخلاف، أم أنّ حلف شمال الأطلسي يترنّح اليوم على حافّة أزمةٍ وجوديّة؟
للإضاءة على هذه التحوّلات العميقة وقراءة ما وراء العناوين، كان لمنصة "المشهد" حديثٌ مع السيد فلاح كنو البغدادي، المتخصّص في شؤون السياسات الخارجية، نائب رئيس الهيئة الاستشارية لمكافحة الإرهاب في شمال غرب بريطانيا وعضو الهيئة الاستشارية لشرطة مانشستر، الذي قدّم قراءة بانوراميّة لما يجري، ولما ينتظرنا.
هرمز شريانٌ لا يحتمل العبث
واعتبر البغدادي أنّ "أهمية التحرّكات الأوروبية التي تقودها بريطانيا لفتح مضيق هرمز وتأمينه، تتجاوز حدود الحسابات التقليدية، لأنّ المضيق ليس مجرّد ممرٍّ بحريٍّ عاديّ، بل هو أحد أهمّ شرايين الطاقة في العالم".
وأوضح أنّ "أولى هذه الأهميّات تكمن في حماية إمدادات النفط والغاز"، مُشيراً إلى أنّ جزءاً ضخماً من صادرات النفط العالمية، يمرّ عبر هذا المضيق، وأنّ "أيّ تهديد أو إغلاق يعني ارتفاع الأسعار فوراً واهتزاز الأسواق العالمية".
ولفت إلى أنّ "أوروبا تعتمد بشكل غير مباشر على نفط الخليج وعلى استقرار التجارة العالمية، ولذلك فإنّ أيّ أزمة في المضيق تعني ارتفاع أسعار الوقود والطاقة وزيادة التضخّم وضغطاً اقتصاديّاً على الدول الأوروبية".
وأضاف: "البعد الثالث يتمثّل في ضمان حرية الملاحة الدولية"، مُنبّهاً إلى "أنّ بريطانيا وأوروبا تسعيان إلى التأكيد أنّ الممرّات الدولية لا تخضع لسيطرة دولة واحدة أو لتهديدات سياسية، لأنّ السماح بذلك سيخلق سابقةً خطيرة في العالم".
ورأى أنّ "التحرّكات العسكرية والبحرية تهدف في جوهرها إلى ردع إيران وتقليل نفوذها البحريّ، ومنعها من احتجاز السفن أو تهديد الناقلات أو فرض واقع سياسيٍ بالقوّة في المضيق".
وختم تحليله لهذا المحور بالإشارة إلى البعد البريطانيّ تحديداً، مُعتبراً "أنّ لندن تحاول عبر لعب دورٍ قياديٍ في ملفّات حسّاسة، تثبيت نفسها كقوّة أمنيّة بحريّة عالميّة، خصوصاً بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي".
٤ سيناريوهات.. من التهدئة إلى الاشتباك
وفي قراءته لمآلات هذه التحرّكات، طرح البغدادي 4 سيناريوهاتٍ محتملة:
● السيناريو الأوّل هو "التهدئة المؤقّتة وتأمين الملاحة"، وذلك في حال نجحت القوّات الأوروبية في فرض حمايةٍ قويّةٍ للسفن التجارية، ممّا قد يُفضي إلى استقرارٍ نسبيٍّ وتراجعٍ في عمليّات الاحتجاز، مع استمرار مرور النفط في ظلّ توتّرٍ سياسيٍّ محدود.
● السيناريو الثاني يتمثّل في "التصعيد التدريجي مع إيران"، إذ قد تعتبر طهران الوجود الأوروبيّ الأكبر استفزازاً، فتردّ بمضايقاتٍ بحريّةٍ وتهديداتٍ سياسيّة ودعمٍ لعمليّاتٍ غير مباشرةٍ عبر حلفائها، ممّا سيُفضي إلى زيادة الاحتكاك العسكريّ واحتمال وقوع حادثٍ يؤدّي إلى أزمةٍ كبرى.
● السيناريو الثالث قد يتجسّد في "تشكيل تحالفٍ بحريٍّ دائم"، مُوضّحاً أنّ التحرّكات قد تُفضي إلى تأسيس قوّةٍ أوروبيّة - دوليّةٍ دائمةٍ لحماية المضيق، على غرار تحالفات مكافحة القرصنة، وهو ما سيُقيّد قدرة إيران على الضغط، لكن مع استمرار التوتّر على المدى الطويل.
● السيناريو الرابع وهو الأخطر، وقد حذر منه، وهو "المواجهة العسكريّة المحدودة"، مُوضّحاً أنّ أيّ احتكاكٍ كبيرٍ، كاستهداف ناقلة أو إسقاط طائرة مسيّرة أو احتجاز سفينة أوروبيّة، قد يتطوّر إلى ضربةٍ محدودة أو اشتباك بحريٍّ مباشر.
الناتو تحت الضغط.. فهل ينهار؟
وفي تحليله لتأثير الخلاف الأوروبي - الأميركي على مستقبل حلف شمال الأطلسي، قال البغدادي إنّ هذا الخلاف المتصاعد قادرٌ على التأثير في مستقبل الحلف، لكنّه استدرك بأنّه لن يؤدّي غالباً إلى انهياره في المدى القريب، "لأنّ الحلف قائمٌ على مصالح أمنيّة عميقة، وليس فقط على التفاهم السياسيّ".
ورأى أنّ أوّل مسارات التأثير يتمثّل في تراجع الثقة السياسية داخل الحلف، مُوضّحاً أنّ استمرار الخلافات بشأن ملفّات كأوكرانيا والتجارة والطاقة والعلاقة مع الصين قد يُضعف التنسيق الإستراتيجيّ في اتّخاذ القرارات الكبرى.
وأشار إلى أنّ المسار الثاني هو تنامي استقلال أوروبا الدفاعيّ، مُعتبراً أنّ الخلاف يدفع القارّة إلى التفكير جدّيّاً في بناء قوّةٍ دفاعيّةٍ مستقلّة، عبر مشاريعَ كـ"الجيش الأوروبي" أو تعزيز القدرات الدفاعية للاتحاد الأوروبي، وهو ما قد يجعل الناتو أقلّ مركزيّةً في الأمن الأوروبيّ، أو يخلق ازدواجيّةً في المؤسّسات العسكرية.
وأضاف أنّ المسار الثالث يتمحور حول الصراع بشأن التمويل وتقاسم الأعباء، مُذكّراً بأنّ واشنطن تضغط منذ سنوات على الدول الأوروبية لرفع إنفاقها العسكريّ، وأنّ هذه القضيّة قد تتحوّل، مع تصاعد التوتّرات، إلى أداة ضغط سياسيّة تُهدّد تماسك الحلف.
ولفت إلى أنّ المسار الرابع يكمن في اختلاف الأولويّات الأمنية، مُوضّحاً أنّ الولايات المتحدة ترى في الصين التهديد الأكبر مستقبلاً، في حين تعتبر أوروبا أنّ روسيا هي الخطر المباشر، وأنّ هذا التباين قد يخلق انقساماً حول توجّه الحلف: هل يركّز على أوروبا الشرقية أم على المحيطَين الهنديّ والهادئ؟
وعاد البغدادي ليُؤكّد أنّ انهيار الحلف غير مُرجَّحٍ في المنظور القريب، مُعلّلاً ذلك بسبب بسيطٍ ومركزيّ، مفاده أنّ "الناتو بالنسبة لأوروبا هو الضمانة الأمنية الأقوى، وبالنسبة لأميركا هو أداة نفوذ إستراتيجيّة تمنع ظهور منافس قويٍّ في أوروبا وتحدّ من نفوذ روسيا".
وختم بالقول إنّ الحرب في أوكرانيا جعلت كثيراً من الدول الأوروبية أكثر تمسّكاً بالحلف بدلاً من الابتعاد عنه، مُرجِّحاً أنّ السيناريو الأقرب للمستقبل هو "ناتو مستمرٌّ لكنّه أكثر توتّراً، خصوصاً خلال إدارة الرئيس ترامب".
ومن جهة أخرى، كان لـ"المشهد" حديثٌ آخر مع السيد نديم شحادة، المحلّل السياسي المتخصّص بالشؤون الدولية، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في معهد تشاتام هاوس في لندن الذي قدّم قراءةً بانوراميّة لما يجري، ولما ينتظرنا.
بريطانيا في قلب المعادلة.. رغماً عن ستارمر
رأى شحادة ان انخراط المملكة المتحدة في هذا الملف بات أمراً واقعاً، مهما بدا أنّ رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يُضمر عدم ارتياح تجاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مُعتبراً أنّ الظروف تجاوزت حدود المواقف الشخصية، وفرضت منطقها على الجميع.
ورأى أنّ العالم بأسره، شاء أم أبى، أصبح طرفاً أصيلاً في هذه الحرب وصاحب مصلحة مباشرة في مآلاتها، ولم يعد في وسع أيّ دولةٍ أن تقف على الحياد بعد اليوم.
وعلى صعيد التداعيات الاقتصاديّة، وصفت وكالة الطاقة الدولية إغلاق مضيق هرمز بأنّه يمثّل "أكبر اضطرابٍ في إمدادات سوق النفط العالمي على الإطلاق"، فيما قفزت أسعار الغاز الأوروبيّ المرجعيّة (TTF الهولندي) إلى ما يقارب ضِعفَي قيمتها لتتجاوز 60 يورو للميغاواط/ساعة بحلول منتصف الشهر الماضي، وفق بيانات متداولة في الأسواق، وسط توقّعات بأن تواجه القارّة العجوز أزمة طاقة ثانيةً وأزمة اقتصاديّة مترتّبة عليها.
خطأ الحرس الثوري "الفادح"
وأشار شحادة إلى أنّ "الحرس الثوري الإيراني وقع في خطأ إستراتيجيّ فادحٍ هذه المرّة، مُستحضراً قاعدةً أساسيّة في فنّ الحرب مفادها أنّ "الحكمة تقتضي إبعاد القتال عن أرضك"، وهي القاعدة التي أتقنتها طهران لعقود ببراعة عبر أذرعها و"ميليشياتها" الموالية في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن وسواها. غير أنّ إيران، وفق شحادة، بالغت في استخدام هذه الورقة يوم 7 أكتوبر، فحوّلت المجتمع الإسرائيلي إلى ما وصفه بـ"الوحش" الذي بات يضربها اليوم مباشرةً في عقر دارها.
ولفت إلى أنّ مرحلة تجزئة الصراعات والتعامل معها بمعزل عن بعضها قد ولّت إلى غير رجعة، مُستذكراً أنّ واشنطن دأبت في الماضي على مقاربة كلّ نزاع على حدة، في العراق وسوريا واليمن ولبنان وفلسطين، في حين يبدو المشهد اليوم مختلفاً جذرياً. واستعمل توصيف "المواجهة الإقليمية الشاملة مع إيران" لقراءة ما يجري، مؤكّداً أنّها باتت تدور هذه المرّة على الأراضي الإيرانية نفسها، لا على أطرافها.
أوروبا بين نفور ترامب ورهائن إيران
وشدّد شحادة على أنّه بات من الواضح تماماً أنّ جوهر المشكلة يكمن في إيران، وأنّ الأوروبيين لا يملكون ترف الوقوف خارج هذه المواجهة بعد الآن، مضيفاً أنّهم "مهما بلغت درجة نفورهم من ترامب، فإنّ لديهم مصالح جوهريّة كبرى يخسرونها، ولا يمكنهم القبول بأن يبقوا رهائن في يد إيران".
وفي هذا السياق، يتّسع الشرخ عبر الأطلسي بشكلٍ واضح، إذ رفضت إسبانيا السماح باستخدام قاعدتَي "روتا" و"مورون" المشتركتَين لشنّ ضرباتٍ على إيران، فيما وصف الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير في 24 مارس الماضي الحملةَ العسكريةَ الأميركية-الإسرائيلية ضدّ طهران بأنّها "خطأٌ سياسيٌّ كارثيّ وانتهاكٌ للقانون الدوليّ"، بحسب تصريحاتٍ نقلتها وسائل إعلامٍ دوليّة، في وقتٍ تتوالى فيه تلميحات ترامب إلى احتمال انسحاب الولايات المتحدة من حلف الناتو.
وختم حديثه بالتأكيد أنّ حلف شمال الأطلسي يمرّ بأزمة وجوديّة حقيقيّة، وهو أمام مفترق طرق حاسم: فإمّا أن يُصلح بنيته ويُعيد تعريف دوره ليخرج من هذه المحنة أكثر قوّةً وتماسكاً، وإمّا أن يذوي تدريجاً ويموت موتاً طبيعياً.
(المشهد)