فرنسا تستنفر أمنيا.. ماكرون يواجه "الإخوان" ويوجه رسائل سياسية

آخر تحديث:

شاركنا:
السلطات الفرنسية تلقت تهديدات جدية بوقوع أعمال إرهابية (أ ف ب)

في مناخ أمني مقلق، اتّخذ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موقفًا حازمًا تجاه جماعة "الإخوان" في فرنسا، في إطار إستراتيجيته لمكافحة ما يُسمى "الانعزالية الإسلامية" وتعزيز قيم العلمانية، التي تُعد من ركائز الجمهورية الفرنسية.

وجاء هذا التحرك بالتوازي مع تحذيرات أمنية عالية المستوى، بعد أن كشف مصدر برلماني مقرّب من ماكرون لمنصة "المشهد" عن تلقي السلطات الفرنسية تهديدات جدية بوقوع أعمال إرهابية، دفعت إلى تعزيز الإجراءات الأمنية في المطارات، والتجمّعات، والمدارس، خصوصًا مع بداية موسم الفعاليات والطقس الربيعي الصيفي.

في هذا السياق المترابط بين العوامل الأمنية والسياسية، استند ماكرون إلى تقرير حكومي استخباراتي صدر حديثًا، يُحذر من نشاط جماعة "الإخوان" عبر شبكات محلية تعمل سرًّا لتقويض القيم الجمهورية والعلمانية.

ويتهم التقرير الجماعة بمحاولة التأثير على المدارس والمساجد والجمعيات الأهلية، كما يربطها بجمعية "مسلمون من فرنسا"، رغم نفي الأخيرة لأيّ علاقة تنظيمية بالجماعة.

وفي ظل ضغوط متزايدة من التيار اليميني المتشدد، الذي لا يفوت فرصة لانتقاد سياسة الحكومة تجاه الهجرة، يرى ماكرون أن مواجهة "الإخوان" لا تندرج فقط في إطار الأمن، بل تُعد معركة ثقافية لحماية الهوية الجمهورية الفرنسية.

محاور خطة ماكرون

تشمل خطة ماكرون محاور رئيسية، أبرزها:

  • فرض رقابة مشددة على المدارس الخاصة والجمعيات التي يُشتبه في ارتباطها بالتيارات الإسلامية المتطرفة.
  • منع التمويل الأجنبي للمساجد والجمعيات الإسلامية، خصوصًا من جهات يُعتقد أنها تدعم أيديولوجيات متطرفة.
  • إغلاق المؤسسات التي تروّج لخطاب يتعارض مع القيم الجمهورية.
  • دعم "إسلام فرنسي" من خلال فرض "ميثاق قيم الجمهورية" على المنظمات الإسلامية.
  • اقتراح حظر ارتداء الحجاب للفتيات دون سن 15 عامًا في الأماكن العامة، في سياق مكافحة ما يُعرف بـ"الانعزالية الإسلامية".

تهديدات إرهابية في فرنسا

وأفصح النائب الرديف في مجلس النواب الفرنسي، جو مكرزل، لـ"المشهد" عن تلقي السلطات تهديدات جدّية بوقوع أعمال إرهابية، ما استدعى تنفيذ إجراءات أمنية مشددة شملت المطارات الأوروبية، والتجمّعات العامة، والاحتفالات. ولفت إلى أن برقيات دورية تصل إلى المدارس من جهات مجهولة، تعكس ارتفاع مستوى التوتر الأمني.

وربط هذه التهديدات بحالة الغليان الإقليمي، خصوصًا الحرب في غزة، التي تُسهم – بحسب تعبيره – في تغذية عقول المتطرفين ودفعهم إلى التحرك.

ذبح صامويل باتي

وأوضح المصدر أن تحرك ماكرون ينبع من سلسلة أحداث مفصلية، أبرزها جريمة ذبح المدرّس صامويل باتي عام 2020، وهجمات مسرح الباتاكلان عام 2015، بالإضافة إلى عمليات إرهابية استهدفت مدنيين وقوات الأمن في نيس، وكونفلان سانت أونورين، وستراسبورغ.

وأضاف أن السلطات تراقب انتشار جمعيات ذات توجهات دينية محافظة في الضواحي الفرنسية، تُعتبر – وفق تقديرات حكومية – أدوات لنشر رؤية منغلقة تتعارض مع قيم الجمهورية.

كما كشفت تقارير استخباراتية عن استخدام بعض هذه الجمعيات كواجهات لشبكات تأثير مرتبطة بالإخوان، بهدف اختراق المشهد الاجتماعي الفرنسي بأجندات أيديولوجية مموّهة.

رسائل سياسية إلى أنقرة

من جهة أخرى، لم تستبعد مصادر فرنسية مقرّبة من حزب ماكرون أن يكون تحركه أيضًا رسالة غير مباشرة إلى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، باعتبار أن حزب "العدالة والتنمية" يُعد راعيًا رئيسيًا لجماعة الإخوان على المستوى الدولي. وتشير تلك المصادر إلى أن ماكرون يبعث برسالة مفادها أن فرنسا لن تقبل بوصاية تركية على أي مسار سياسي في سوريا، وأن أمامها خيارات إستراتيجية بديلة لا تمرّ عبر أنقرة.

في المقابل، أثارت هذه الإجراءات انتقادات واسعة من شخصيات داخل الجالية المسلمة. فقد اعتبرت النائبة السابقة وعضو لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الفرنسي، صونيا كريمي، في تصريح لـ"المشهد"، أن تلك التدابير "تُسهم في وصم المسلمين وتهدد حرية المعتقد"، مؤكدة أن المسلمين في فرنسا ملتزمون بقيم العلمانية والوحدة الوطنية.

وأضافت: "التركيز على جماعة الإخوان يُستخدم سياسيا لصرف الانتباه عن الأزمات الداخلية، لأن بعض رجال السياسة مفلسون وغير قادرين على معالجة مشاكل البلاد". وأشارت إلى أن "المقاربة الأمنية قد تفضي إلى تهميش فئات من المجتمع بدل دمجها، كما أن بعض القوانين قد تُستخدم لتقييد حرية التعبير الديني بشكل عام".

وختمت بالقول: "أنا لا أنتقد الرئيس ماكرون، فقد كان مجبرًا على طرح هذه الخطة بعد أن وُضع هذا التقرير الاستخباراتي على مكتبه".

زيارة الشرع إلى باريس: تقاطع ملفات إقليمية؟

وردا على سؤال بشأن ما إذا كانت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى باريس هذا الشهر مرتبطة مباشرة بموقف ماكرون من "الإخوان المسلمين"، أوضحت كريمي أن الزيارة تهدف بالدرجة الأولى إلى تعزيز العلاقات الثنائية بعد سنوات من القطيعة، إضافة إلى مناقشة ملفات إقليمية مثل استقرار لبنان ورفع العقوبات الأوروبية المفروضة على دمشق.

أخيرا، بين مكافحة التطرف، والتصدّي للتهديدات الإرهابية، وحماية الحريات، تبقى فرنسا أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن فرض الانضباط الأمني من دون المساس بمبادئ الديمقراطية؟ وهل سيكون التصعيد ضد "الإخوان المسلمين" إجراء أمنيا فعّالا، أم مجرّد ورقة سياسية تُستخدم في معارك الداخل والخارج؟

ويأتي هذا التساؤل في ظل اتهامات لماكرون باستخدام الجماعة كـ"فزّاعة" سياسية لإلهاء المواطنين عن الأزمات المعيشية الحقيقية، في مشهد يُعيد تكرار لعبة قديمة بوجه جديد، وفق مُراقبين.

(المشهد)