وسيخلف الأمين العام الجديد أنطونيو غوتيريش في 1 من يناير، وسط سؤال أكبر من مجرد اختيار شخصية جديدة بحسب التقرير، وهو هل يستطيع القائد المقبل إعادة الأمم المتحدة إلى مركز إدارة الأزمات الدولية، أم أن المنظمة تتجه نحو تراجع بطيء يصعب عكسه؟
"موت بطيء" للمنظمة
عرفت الأمم المتحدة في تاريخها العديد من الأزمات، ففي عام 1959، لم يتمكن مجلس الأمن من إصدار أكثر من قرار واحد طوال العام، في ظل مواجهة الحرب الباردة. لكن الأزمة الحالية تبدو أكثر تعقيدا بحسب التقرير، بعدما أصبحت المنظمة تواجه تراجعا في سلطتها وفي الفكرة التي قامت عليها، أي التعددية الدولية.
وتعاني الأمم المتحدة من شلل متزايد بحسب التقرير، في مجلس الأمن منذ الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، بينما تتجاوز الولايات المتحدة المجلس في ملفات دولية كبرى.
أما الصين فتدعم التعددية رسميا، لكنها غالبا ما تصطف مع روسيا لتعطيل قرارات غربية بحسب التقرير، ويزيد من الأزمة، أن تركيبة مجلس الأمن ما زالت تعكس موازين القوة التي كانت قائمة عام 1945، فيما تطالب دول عديدة بإصلاحه وتوسيع تمثيله.
ومع استمرار حق النقض للدول الـ5 الدائمة العضوية، تبدو فرص الإصلاح الجوهري محدودة حسب التقرير، إذ لا تقتصر الأزمة على الأمن والسلام، فقد تراجع الدور الأممي في ملفات التنمية وحقوق الإنسان والمناخ، بينما أدت تخفيضات التمويل الأميركي إلى أزمة مالية، وإلغاء آلاف الوظائف.
ويقر موظفون أمميون حسب التقرير، بأن بعض البرامج والوكالات متداخلة، وتحتاج إلى إصلاح جذري، وتواجه المنظمة أيضا منافسة متزايدة من منظمات دولية أخرى، أبرزها مجموعة الـ 20، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب "مجلس السلام" باعتباره إطارا بديلا يملك طموحات تتجاوز غزة.
وفي ظل تراجع الاهتمام بالتعددية، أصبحت الأمم المتحدة بحسب التقرير، أقل حضورا في حروب أوكرانيا وغزة وإيران، ويحذر رافائيل غروسي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية وأحد المرشحين للمنصب، من "موت بطيء" للمنظمة، معتبرا أنها تنزلق نحو عدم الأهمية بعدما تراجعت مساهمتها في إدارة الحروب والأزمات الدولية.
7 مرشحين لإعادة بناء النفوذ
ويتنافس 7 مرشحين على خلافة غوتيريش، لكن المنافسة تتركز حاليا بحسب التقرير حول ريبيكا غرينسبان نائبة الرئيس الكوستاريكي السابقة والأمينة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، التي تصدرت أول استطلاع تمهيدي داخل مجلس الأمن بـ 10 أصوات مؤيدة، وإذا فازت، ستصبح أول امرأة تتولى الأمانة العامة.
وجاءت ممثلة غيانا الدائمة لدى الأمم المتحدة كارولين رودريغيز-بيركيت ثانية، بينما حل غروسي ثالثا.
أما المرشحون الـ 4 الآخرون، وهم ماريا فرناندا إسبينوزا من الإكوادور، والرئيس السنغالي السابق ماكي سال، والمسؤول الأممي الأوغندي المخضرم أولارا أوتونو، ورئيسة تشيلي السابقة ميشيل باشليه، فيبدون حاليا أقل حظا.
لكن النتيجة لا تزال مفتوحة بحسب التقرير، لأن القرار النهائي يعود إلى مجلس الأمن، حيث تستطيع أي دولة من الدول الـ 5 الدائمة العضوية إسقاط مرشح باستخدام "الفيتو".
ويظل الموقف الأميركي عاملا حاسما، كما حدث في مراحل سابقة من تاريخ المنظمة، عندما ساهمت واشنطن في ترجيح كفة كوفي uنان عام 1996 وبان كي مون عام 2006.
وتواجه غرينسبان وغروسي تحديات مختلفة، فالأولى تركز على الدبلوماسية وإدارة المنظمة وإقامة شراكات أوسع، مستحضرة دورها في اتفاق تصدير الحبوب عبر البحر الأسود عام 2022.
أما غروسي فيقدم نفسه باعتباره وسيطا مستعدا للتفاوض مع جميع الأطراف، حتى مع قادة تعتبرهم دول غربية مسؤولين عن أزمات وحروب، لكن المطلوب من الأمين العام المقبل لن يكون مجرد إصلاح البيروقراطية بحسب "فاينانشال تايمز".
ويرى مسؤولون أمميون سابقون في التقرير، أن الأولوية يجب أن تكون استعادة الدور السياسي للمنظمة، خصوصا عبر الوساطة في النزاعات، فالأمم المتحدة، وفق هذا التصور، ليست مطالبة بحل كل مشكلات العالم، وإنما بمنع الحروب من التحول إلى أزمات مستعصية.
وتبقى العلاقة مع الولايات المتحدة الاختبار الأكثر حساسية بحسب التقرير، فواشنطن تريد منظمة أكثر تركيزا وأقل كلفة، لكنها تحتاج إليها في ملفات لا ترغب في إدارتها مباشرة، خصوصا المساعدات الإنسانية.
وقد نجح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الحفاظ على تمويل أميركي مهم، رغم التحولات التي أحدثتها إدارة ترامب، وهنا تكمن فرصة الأمين العام المقبل بحسب التقرير: إعادة بناء نفوذ الأمم المتحدة من الملفات التي تستطيع تحقيق نتائج ملموسة فيها، قبل الغرق في إصلاحات مؤسساتية، قد تستنزف سنوات من ولايته.
(ترجمات)
