أكبر أرشيف لجرائم الأسد يُكشف.. آلاف الضحايا في شبكة الموت السرية

آخر تحديث:

شاركنا:
70 ألف صورة من الجحيم.. وثائق تكشف أعمق جرائم نظام الأسد (إكس)
هايلايت
  • وفاة 10 آلاف معتقل داخل زنازين  نظام بشار الأسد خلال العقد الأخير من حكمه.
  • أرشيف صور ضخم سرّبه ضابط سابق في الشرطة العسكرية بدمشق.
  • 10,212 معتقلًا ماتوا داخل السجون أو بعد نقلهم إلى المستشفيات العسكرية.
  • القوانين منحت عناصر الأمن حصانة كاملة من أصغرهم إلى رأس النظام.

يكشف تقرير جديد مجموعة هائلة من الصور، تُظهر ملامح "آلة القتل" التي شيدها نظام بشار الأسد عبر سنوات حكمه، حيث توثّق أكثر من 70 ألف صورة، مصير الآلاف من السوريين الذين قضوا نتيجة التعذيب، والجوع، والإهمال الطبي أو الإعدامات داخل شبكة السجون والفروع الأمنية، بين عامَي 2015 و2024، وفق صحيفة "واشنطن بوست".

في بلدة إنخل السورية، أمضت عائلة مطلق مطلق سنوات طويلة تبحث عنه منذ اعتقاله في العام 2015، لكن من دون جدوى. قصدت العائلة السجون والفروع الأمنية، ودفعت رشاوى، واستعانت بوسطاء وسياسيين، وحتى بعد سقوط الأسد قبل عام، بحثت بين المقابر الجماعية.

لكنّ الإجابة جاءت على شكل صورة مرعبة: مطلق عارٍ تمامًا، محمولًا على أرضية فولاذية، وعلى جسده علامات تعذيب واضحة، واسمه مكتوب بقلم أخضر على بطنه فوق بقعة دم حمراء. أظهرت بيانات الصورة أنه مات بعد أشهر قليلة من اعتقاله.

هذه الصورة واحدة من أرشيف ضخم سرّبه ضابط سابق في الشرطة العسكرية بدمشق. الأرشيف يضم أكثر من 30 ألف صورة لجثث معتقلين، واضحة وقاسية، التُقطَت من زوايا متعددة، ضمن منظومة بيروقراطية توثّق الموت بقدر ما تُنفّذه.

10,212 ضحية موثّقة بالصور

يكشف تحليل البيانات الذي أجرته فرق من "الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين" (ICIJ) أنّ 10,212 معتقلًا ماتوا داخل السجون أو بعد نقلهم إلى المستشفيات العسكرية، بين 2015 و2024؛ ذروة سنوات الحرب، والتدخل الروسي، والقمع الأمني الذي بلغ حدوده القصوى.

الأعداد الأكبر سُجلت بين 2015 و2017، وهي الفترة التي شهدت أشد موجات الاعتقال والتصفية. وبالمقارنة مع صور "قيصر" التي صدمت العالم عام 2014، تتجاوز الدفعة الجديدة حجم الفظائع وتوثيقها.

الأرشيف الجديد أكبر من "ملفات قيصر"، وأوضح. ورغم أنّ الصور السابقة أفضت إلى محاكمات دولية وعقوبات، إلا أنّ النظام استمر بحسب ما تكشف الصور في ممارسة التعذيب والقتل بصورة منظمة، وبثقة مطلقة بأنه بمنأى عن العقاب.

تظهر الصور رجالًا في الأغلب، بعضهم مسنّون وآخرون مراهقون، بعضهم هزيل إلى حد العظم. وهناك نساء، منهنّ سيدة توفيت عام 2024، وجسدها ملفوف بالضمادات ومغطى بجروح ضخمة.

صورة أخرى تُظهر رضيعًا مات عام 2017، ملفوفًا ببطانية خضراء، وذُيّل الوصف بأنه "ابن معتقلة" في فرع 235 وهو الفرع المعروف بـ"فرع فلسطين".

"لم يكن أحد يتوقع المحاسبة"

يقول المحامي السوري أنور البني للصحيفة، إنّ الصور تكشف "تعذيبًا أسوأ مما ظهر في ملفات قيصر"، مشيرًا إلى أنّ النظام كان يشعر براحة كاملة، إذ لم يكن ثمة من يجرؤ على تخيل محاسبة حقيقية. القوانين منحت عناصر الأمن حصانة كاملة، من أصغرهم إلى رأس النظام.

في عام 2024، وهو العام الذي انتهى بسقوط الأسد بعد هجوم خاطف قادته فصائل معارضة برئاسة أحمد الشرع، لم تتجاوز صور الضحايا 100 حالة. ضعف النظام، العقوبات، وتراجع دعم حلفائه وخصوصًا "حزب الله" المنهمك بحرب مع إسرائيل، قلّصوا عملياته الأمنية، من دون أن يوقفوها.


أحد الضحايا، عبد الرحمن سفاف، الشاب الجامعي البالغ 30 عامًا، اعتُقل في يونيو 2024. بعد شهرين، أخبرت السلطات أسرته بالحضور لاستلام جثمانه. أُجبرت العائلة على توقيع تعهد بعدم الاحتجاج أو الثأر، ودفع 300 دولار لقاء نقل الجثمان من دمشق إلى حماة.

قال والده بمرارة: "أعرف أنّ ابني لم يفعل شيئًا… أعتقد أنهم كسروا عنقه".

مستودع موت

يقول الضابط الذي سرّب الصور، إنّ معظم الجثث صُوّرت في مستشفى حرستا العسكري، لكنه لا يعرف أين مات أصحابها. تُظهر الصور كثيرًا من الضحايا عراة على أرضيات شاحنات معدنية، وبعضهم كُتبت أسماؤهم على بطونهم، وآخرون بلا هوية.

وفي كل صورة تقريبًا، تظهر الأقدام: أحذية بيضاء، أو أقدام ملفوفة بالشاش. ربما لمصورٍ، أو طبيب، أو عنصر أمن، أو حفّار قبر.

كان كثير من المعتقلين يُحتجزون من دون سبب مفهوم، لمجرد مرورهم على حاجز، أو انتمائهم لبلدة "مشبوهة"، أو لمجرد الشك. يقول البني: "السلطات لم تكن بحاجة لمعلومات… كانت بحاجة لضحايا".

عام على سقوط النظام ونزع الأقفال عن السجون، ولا تزال آلاف العائلات تبحث عن مصير أبنائها. جزء من الأرشيف قد يساعد في كشف الحقيقة، لكن من غير الواضح ما إذا كانت السلطات الجديدة ستتسلم نسخة منه. فالضابط الذي سرّبه قال إنه أخذ القرص الصلب، لكنه لم يقرر إن كان سيقدمه للحكومة.

شُرِّدت الملفات خلال سقوط النظام، إذ أُحرقت مقرات الأمن والقضاء. حتى اليوم، اللجان الرسمية لا تعرف إن كانت تملك الحق أو القدرة على الاطلاع على الأرشيف.

(ترجمات)