تصدع النظام الإيراني من الداخل.. اختفاء المرشد يشعل الصراعات

آخر تحديث:

شاركنا:
انقسامات داخل النظام الإيراني تعقّد مسار التفاوض والتصعيد (أ ف ب)
هايلايت
  • الانقسامات في طهران تبرز تصدعًا في بنية القرار الإيراني.
  • مضيق هرمز يكشف عن ما هو أعمق من مجرد صراع للأجنحة داخل إيران.
  • مراقبون: التباين ليس فقط اختلافًا في الأدوات بل في تقدير كلفة التصعيد وحدود المخاطرة.

ثمّة تباينات واضحة داخل النظام الإيراني تكشف عن تصدع في بنية السلطة، مؤخرًا، الأمر الذي تبدو آثاره مباشرة بل أبعد من مجرد كونه انقسامًا تقليديًا في منظومة الحكم التي ارتكزت، تاريخيًا، على ثنائية "الصقور" و"الحمائم" أو التيار الإصلاحي والآخر المتشدد القريب من "الحرس الثوري" و"بيت المرشد".


أخبار إيجابية

ذلك ما بدا لافتًا مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل أيام عن "أخبار إيجابية نسبيًا" بشأن التوصل لاتفاق مع إيران، وتزامن مع تدوينة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عبر منصة "إكس"، ذكر فيها إعادة فتح مضيق هرمز، وقال: "تمت إعادة فتح مضيق هرمز لعبور جميع السفن التجارية (من المسار الذي تحدده إيران) بشكل كامل حتى نهاية فترة وقف إطلاق النار المؤقت مع الولايات المتحدة".

إلا أن المتحدث باسم مقر "خاتم الأنبياء" المركزي إبراهيم ذو الفقاري نفى ما صرح به وزير الخارجية، وقال إن الممر المائي "عاد إلى وضعه السابق" ويقع "تحت إدارة وسيطرة مشددة من قبل القوات المسلحة الإيرانية".

وعليه، توالت الهجمات من رموز ونخبة التيار المتشدد على عراقجي، فاعتبر رئيس بلدية طهران علي رضا زاكاني، تدوينة وزير الخارجية عراقجي قد لقيت صدى لدى الرئيس الأميركي ترامب وكأنما إيران ترضخ لشروطه، مؤكدًا على ضرورة أن تبقى الأولوية للضغوط العسكرية و"الميدانية" إلى جانب المسار الدبلوماسي.

وقال: "بعد تغريدة عراقجي، شاهدنا وقاحة واستفزاز ترامب. إذا كان الأمر كذبًا، فيجب الرد بصوت عالٍ وبحزم ومن دون تردد. وإن كان- لا سمح الله- صحيحًا، فلا يجب تقديم ما عجز العدو عن تحقيقه في الميدان على طاولة المفاوضات".

وبلغت الأمور حدتها مع وكالة الأنباء الإيرانية "مهر"، التي عدّت إعلان عراقجي بخصوص فتح المضيق قد منح ترامب "فرصة ثمينة للإعلان عن انتصاره".

أولوية الميدان على السياسة

وفي إشارة متكررة، مقصودة ومتعمدة، لضرورة أن تظل التبعية السياسية والدبلوماسية لـ"الحرس الثوري"، فقد تجاوزت وكالة الأنباء التلميح إلى التصريح، وقالت إن أي مفاوضات مرتبطة بوقف إطلاق النار ينبغي أن لا تضطلع بها وزارة الخارجية فقط.

كما طالب عضو البرلمان الإيراني مرتضى محمودي، عبر حسابه بمنصة "إكس" بضرورة مسائلة وزير الخارجية الإيراني، وقال: "إذا لم تكن هناك ذريعة حرب، لكنا حتمًا قمنا باستجواب عراقجي بسبب منشوره. هذه ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها وزير الخارجية في لحظات دقيقة بطريقة مريبة وغير مناسبة، مما يؤثر على استقرار أسواق الطاقة العالمية".

وبخلاف الإعلان عن جولة ثانية من المفاوضات، ذكرت وكالة "تسنيم" التابعة لـ"الحرس" أن المسؤولين الإيرانيين لم يحسموا أمرهم بالكلية بشأن استكمال أو بالأحرى استئناف المفاوضات.

تباينات السلطة

إذًا، تبرز التباينات الراهنة في إيران بوضوح في مقاربات السياسة الخارجية، حيث يميل جناح داخل السلطة إلى الحفاظ على قنوات التفاوض وتقديم قدر من المرونة لتخفيف الضغوط الاقتصادية، بينما يدفع جناح آخر نحو تشديد الشروط وربط أي انخراط دبلوماسي بمكاسب إستراتيجية ملموسة، سواء في ما يتعلق برفع العقوبات أو بإعادة تعريف قواعد الاشتباك في الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".

في حين يعكس هذا التباين ليس فقط اختلافًا في الأدوات، بل أيضًا في تقدير كلفة التصعيد وحدود المخاطرة، بحسب المصادر ذاتها.

تاريخيًا، قامت بنية النظام الإيراني على توازن دقيق بين مؤسسات ذات طابع راديكالي، في مقدمتها "الحرس الثوري"، وأخرى سياسية ودبلوماسية تتبنى مقاربات أكثر مرونة، مع احتفاظ المرشد الإيراني بدور نهائي على مستوى ضبط إيقاع التنافس الداخلي. إلا أن تداعيات الحرب تكشف عن تراجع فاعلية هذا التوازن، ما فتح المجال أمام تصاعد نفوذ المقاربة الأمنية العسكريتارية في إدارة الأزمة.

التطورات الراهنة تشير إلى أن ما تشهده إيران لم يعد مجرد توزيع أدوار محسوب، بل يعكس أزمة حقيقية داخل بنية النظام، في ظل مرحلة انتقالية غير مسبوقة تقترب من كونها اختبار بقاء ولحظة سياسية وجودية. 

محاور الانقسام

وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول الباحث المختص في الشأن الإيراني هاني سليمان، إن المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن تبرز كأحد أهم محاور الانقسام بين أجنحة السلطة الإيرانية، إذ تميل بعض الأطراف إلى تبني مقاربة واقعية تقوم على تقديم تنازلات محدودة مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية، في حين يربط "الحرس الثوري" أي انخراط تفاوضي بشروط أكثر تشددًا، تشمل رفع العقوبات والإفراج عن أصول مالية مجمدة بمبالغ كبيرة، إلى جانب السعي لفرض ترتيبات تضمن له مكاسب اقتصادية مباشرة.

ويعكس هذا التباين صراعًا أعمق حول طبيعة المرحلة المقبلة، حيث يسعى "الحرس الثوري" إلى استثمار الظروف الحالية لتعزيز هيمنته على مفاصل الدولة، مستندًا إلى تفوقه العسكري، مقابل تراجع دور التيار السياسي والدبلوماسي، وتقلص فرص مشاركة الإصلاحيين في صنع القرار.

وعليه، لم تعد ثنائية "الصقور والحمائم" كافية لتفسير المشهد، إذ بات الانقسام أكثر حدة وعمقًا، في ظل غياب مركزية القرار وتراجع أو انحسار دور الشخصيات التقليدية التي كانت تضطلع بأدوار توازنية داخل النظام، وفق سليمان.

كما تشير المعطيات إلى أن هذه الانقسامات مرشحة للتفاقم مع مرور الوقت، بحسب ما يشير الباحث المختص في الشأن الإيراني، خصوصًا إذا ما استمر "الحرس الثوري" في توسيع نفوذه. كما أن أي تسوية محتملة قد تكشف عن مزيد من التباينات، تحديدًا في ظل إعادة تشكيل موازين القوى الداخلية، بما يعزز الطابع العسكري للقرار على حساب المؤسسات السياسية التقليدية، ويعيد رسم ملامح النظام الإيراني في المرحلة المقبلة.

مرحلة فارقة

ومن جهته، يرى الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية محمود حمدي، أن النظام الإيراني يمر بمرحلة فارقة في تاريخه، رغم تجاوز الضربات التي تسببت في مقتل قادة الصف الأول، وعلى رأسهم المرشد الإيراني علي خامنئي.

إذ بات الوضع في طهران يكشف عن جملة أوضاع تبرز انقسامات وتباينات داخل بنية النظام، وقد ظهر في "العوار الذي نجم عن اختيار مجتبى خامنئي خلفا لوالده في منصب المرشد، وكذلك طغيان العسكري على السياسي في منظومة صنع القرار"، بحسب ما يوضح حمدي لـ"المشهد".

وأضاف: "غير أن الأصوات الوحيدة التي تسعى نحو بناء إجماع جديد لصالح السلطة بخلاف رواية أو سردية "الحرس الثوري" ومنظومة الحكم الراهنة، تنطلق من عناصر إصلاحية أصبحت على الهامش كما كانت قبل الحرب. هذه الأصوات تحاول أن تبث خطابا عقلانيا يقدر حجم الخطر الذي تتعرض له إيران وتطرح مقاربات للحل، وتخطي المأزق التاريخي الذي قد يفقد النظام سيطرته وبقاءه".

القوى المتحكمة

وفي ما يبدو أن القوى المتحكمة في القرار الإيراني مع تغلغل نفوذ "الحرس الثوري" تميل إلى عدم الإذعان بالكلية للشروط الأميركية، ومن ثم، اختبار كافة قدراتها على التحمل، والضغط بكامل أوراقها لـ"موازنة الردع وتحسين شروط التفاوض"، وفق الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية.

وبالتالي يأتي مضيق هرمز باعتباره "أهم الأوراق في يد إيران للتفاوض وتحسين وضعه، بالإضافة إلى عامل الوقت الذي يضغط على العالم ومعه الرئيس ترامب الذي ينتظر استحقاقات انتخابية مصيرية له ولحزبه الجمهوري في نوفمبر".

مع ذلك ما تزال واشنطن ترى أن النظام بطهران في مأزق، وأنه يمكن تسجيل المزيد من النقاط على طاولة المفاوضات، بحسب المصدر ذاته، موضحًا أن هذه الفجوة بين سقف إيران وتطلعات واشنطن هي جوهر الأزمة، ونقطة الخلاف الرئيسة بين الجانبين. 

(المشهد)