لا يبدو ملف إيران في الولايات المتحدة، اليوم، مجرد تفاوض نووي أو محاولة لوقف حرب إقليمية، بل أقرب إلى معركة سياسية في واشنطن، حيث تتقاطع حسابات الرئيس دونالد ترامب مع ضغوط جناح داخل الحزب الجمهوري.
ويظهر تباين في أوساط المحافظين بين من يرى في الاتفاق مخرجًا ضروريًا من التصعيد، ومن يعتبره خطرًا إستراتيجيًا يمنح طهران فرصة جديدة للتمدد.
ورغم كثافة التسريبات حول قرب التوصل إلى تفاهم، فإنّ الصورة داخل واشنطن لا تزال ضبابية، اتفاق يُطبخ تحت الضغط، واعتراضات تتصاعد، ورئيس يحاول أن يقدم نفسه كصاحب "صفقة كبرى" في منطقة لا تحتمل الأخطاء.
حسم عسكري وواقعية سياسية
ترى الخبيرة في السياسات الأميركية وعضو مجموعة واشنطن، حنان البدري، أنّ الحديث عن "انقسام حاد" داخل الحزب الجمهوري فيه قدر من المبالغة، موضحة أنّ ما يجري أقرب إلى خلاف سياسي طبيعي داخل حزب واحد، وليس شرخًا إستراتيجيًا.
وتشير البدري في حديثها لمنصة "المشهد"، إلى أنّ جوهر الخلاف لا يتعلق بمبدأ الاتفاق مع إيران، بل بتفاصيله، وهل يُسمح ببعض أنشطة التخصيب تحت رقابة مشددة؟ أم يتم الذهاب نحو تفكيك كامل للبرنامج النووي؟
وتضيف، أنّ التيار المتشدد داخل الحزب، والذي يقوده عدد من الأصوات البارزة في الكونغرس وعلى رأسهم السيناتور ليندسي غراهام، الداعم بقوة لإسرائيل، والذي يرفع سقف المطالب إلى حد الحسم الكامل، بينما يميل تيار آخر يمثله رئيس المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، المستقيل، جو كينت، والإعلامي اليميني الشهير تاكر كارلسون، إلى مقاربة أكثر واقعية، تعتبر أنّ منع الحرب هو الأولوية، حتى لو كان الاتفاق غير مثالي.
وترى البدري أنّ العامل الانتخابي يلعب دورًا أساسيًا في هذا النقاش، مع اقتراب الاستحقاقات النصفية، التي ستُجرى في نوفمبر المقبل، والرئاسية القادمة بعد عامين، حيث يخشى الجمهوريون من انعكاس أيّ تصعيد عسكري على المزاج الشعبي والاقتصاد الداخلي.
وتعتبر أنّ الرئيس ترامب يتعامل مع الملف الإيراني بمنطق مختلف عن سابقيه، فهو لا ينظر إليه كأزمة أمن قومي تقليدية، بل كفرصة لصياغة صفقة سياسية كبرى يمكن تسويقها داخليًا وخارجيًا.
لكنها تشير في المقابل إلى أنّ هذا التوجه يضعه أمام ضغط مزدوج، ضغط من الجناح المحافظ الذي يرفض أيّ اتفاق ناقص، وضغط من الداخل الأميركي الذي يريد إنهاء الحروب وتجنب الانزلاق العسكري.
وبحسب هذا التوصيف، فإنّ ترامب يحاول فرض معادلة وسطية، تقوم على عقد اتفاق يمنع امتلاك إيران للسلاح النووي، ويقيّد برنامجها الصاروخي، ويقلّص نفوذها الإقليمي، من دون الذهاب إلى خيار تغيير النظام.
معركة تعريف الاتفاق
من جانبه، يرى رئيس التحالف الأميركي الشرق أوسطي توم حرب، أنّ ما يُوصف بانقسام داخل الحزب الجمهوري مبالغ فيه إعلاميًا، وأنّ الصورة الحقيقية أكثر ميلًا إلى الاصطفاف خلف ترامب.
ويقول حرب لمنصة "المشهد"، إنّ التيار المعارض داخل الحزب رغم صوته العالي، لا يمثل الأغلبية الفعلية، بل هو جناح محدود التأثير السياسي مقارنة بحجمه الإعلامي.
ويضيف، أنّ الشخصيات الأكثر تشددًا داخل الحزب رغم حضورها القوي، لا تعكس اتجاه القاعدة الجمهورية العامة، التي تميل غالبًا إلى دعم أيّ مسار يمنع الحرب ويحقق مكسبًا سياسيًا للإدارة.
وبحسب حرب، فإنّ معارضة الاتفاق مردّها غياب التفاصيل الحقيقية لمقترحات الاتفاق، وحضور معلومات منقوصة يتداولها الإعلام.
ويتوقع حرب اصطفاف الحزب الجمهوري بمختلف أطيافه خلف الرئيس دونالد ترامب، حين تتضح الصورة الكاملة للاتفاق الذي سيعقده مع إيران، وأنّ ترامب لا يخضع لضغوط الحزب، بقدر ما يعيد صياغة هذه الضغوط داخل مسار تفاوضي واحد، يجعل من نفسه مركز القرار لا طرفًا فيه.
في المقابل، تؤكد البدري أنّ العامل الداخلي يبقى حاسمًا في فهم سلوك واشنطن، مشيرة إلى أنّ التضخم وأسعار الطاقة والإرهاق الشعبي من الحروب، كلها عوامل تجعل أيّ إدارة أميركية بما فيها إدارة ترامب، تميل إلى خيار التهدئة بدل التصعيد.
وترى أنّ هذا ما يفسر وجود تيار جمهوري أوسع من مجرد الصقور التقليديين، يميل إلى دعم أيّ اتفاق يحد من الكلفة الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة.
وفي المحصلة، لا يبدو المشهد في واشنطن متجهًا نحو إجماع كامل ولا نحو انقسام حاسم، بل نحو منطقة وسط تُصاغ فيها القرارات تحت ضغط سياسي وإعلامي وانتخابي متداخل.
(المشهد)