تحاول بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، الدفع نحو مسار سياسي يفضي إلى انتخابات تشريعية ورئاسية، وتوحيد المؤسسات عبر حوار يجمع بين ممثلي بنغازي وطرابلس في روما، غير أن الانقسامات الداخلية والصراع على الموارد، يهددان بنسف هذه الجهود.
وكانت بعثة الأمم المتحدة قد حذرت أخيرا من استمرار حالة الجمود السياسي، معتبرة أن تمسك القوى النافذة بالوضع القائم، يقوض فرص الاستقرار وإعادة بناء الدولة في ليبيا.
الحوار الليبي في روما
وتتحرك الولايات المتحدة كذلك بشكل متسارع لدفع مسار سياسي جديد ليبي، يقوم على إعادة ترتيب موازين السلطة بين الشرق والغرب، في وقت تتزايد فيه أهمية البلاد النفطية مع استمرار التوترات المرتبطة بحرب إيران، واضطراب إمدادات الطاقة العالمية.
ويعتبر الباحث والكاتب السياسي الليبي محمد غميم أن تحركات البعثة الأممية الحالية، ليس في إطار مبادرة جديدة، بل هي "تراتبية خطة البعثة، وإحدى خطواتها في خارطة الطريق".
وأضاف في تصريحه الخاص لمنصة "المشهد" أن "البعثة أعلنت في حال فشل المجلسين التشريعيين في الوصول لتسوية القضايا العالقة ( القوانين الانتخابية وتشكيل المفوضية)، ستتبنى اختيار الحوار المصغر أو مايعرف حاليا بطاولة 4+4".
وتقوم طاولة 4+4 في العاصمة الإيطالية روما، على جمع ممثلين من حكومة الشرق والقيادة العامة للجيش الليبي في بنغازي برئاسة الجنرال خليفة حفتر، بأعضاء من حكومة الوحدة الوطنية في العاصمة طرابلس، التي يقودها عبد الحميد الدبية.
"اقتسام السلطة" في ليبيا
وشهدت ليبيا خلال الأشهر الأخيرة سلسلة تطورات سياسية وأمنية عكست وجود مساع لإعادة تشكيل المشهد الداخلي، من بينها التوصل في أبريل 2026 إلى اتفاق على أول ميزانية موحدة منذ أكثر من 10 سنوات، إضافة إلى تنظيم مناورات عسكرية برعاية القيادة الأميركية في إفريقيا شاركت فيها قوات من شرق البلاد وغربها.
ويصف المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ في تصريح لـ"المشهد"، الوضع الحالي ليبيا بأنها تعيش "وضع اقتسام السلطة، ولو بشكل غير ظاهر، وذلك عبر مؤسسات الدولة وشركاتها المنقسمة بين الأطراف عبر الميزانيات التي يقرها البرلمان والبنك المركزي".
وجاءت خطة كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، بهدف الدفع نحو إعادة هيكلة السلطة التنفيذية، عبر صيغة تقاسم نفوذ بين معسكري بنغازي وطرابلس، بما يضمن تمثيلا متوازنا ويحد من احتمالات العودة إلى الحرب.
طاولة 4+4 وصفقة مسعد بولس
ورغم تقديم المبادرتين باعتبارهما مؤشرات على إمكان إعادة توحيد المؤسسات الليبية، فإن الانقسام السياسي والعسكري لا يزال قائما، وسط استمرار نفوذ الميليشيات المسلحة وتضارب مصالح القوى الخارجية المتدخلة في البلاد.
وتسيطر حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة على غرب ليبيا انطلاقا من طرابلس، بينما يهيمن الجنرال خليفة حفتر وقواته على الشرق وأجزاء واسعة من الجنوب، بدعم من مجلس النواب برئاسة عقيلة صالح.
ويعتقد الباحث محمد غميم أن طاولة 4+4 تنافس صفقة المستشار الأميركي مسعد بولس، بل و"تلغيها واقعيا"، ويعلل ذلك بالقول "بعد أن كان الأمر بين قوى الأمر الواقع فقط، مع انعدام الشفافية في صفقة بولس، أصبحت الأمور مع مسار البعثة عبر مسار الطاولة المصغرة، أكثر وضوحا وأوسع مشاركة".
وتعثرت الجهود الدولية الرامية إلى تنظيم انتخابات وطنية منذ تأجيل الاقتراع الذي كان مقررا نهاية 2021، بسبب الخلاف الواسع حول القوانين ومشاركة سيف الإسلام القذافي، الذي قتل في حادث إطلاق نار بمنزله بمدينة الزنتان شهر فبراير الماضي.
ويؤكد المختص في الشأن الليبي محمد محفوظ أن تقاسم السلطة وموارد النفط في البلاد، وصل دائما ومنذ إسقاط نظام العقيد معمر القذافي، إلى "طريق مسدود ينتهي بحالة صراع وحرب".
عائلتا الدبيبة وحفتر
وبرزت التحركات الأميركية التي يقودها مسعد بولس، مبعوث الرئيس دونالد ترامب، بهدف الدفع نحو اتفاق لتقاسم السلطة بين عائلتي الدبيبة وحفتر.
وتقوم الخطة المطروحة على إعادة تشكيل السلطة التنفيذية عبر تولي إبراهيم الدبيبة رئاسة الحكومة خلفا لعبد الحميد الدبيبة، مقابل منح صدام حفتر نجل الجنرال خليفة حفتر، دورا محوريا في قيادة مؤسسات ليبيا الموحدة.
وتأتي هذه التحركات في وقت ارتفعت فيه أهمية النفط الليبي بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا، مع تراجع تدفقات الطاقة عبر الخليج نتيجة التوترات المرتبطة بحرب إيران، واستمرار إغلاق مضيق هرمز.
وتملك ليبيا حسب تقارير مختصة، أكبر احتياطات نفطية مؤكدة في إفريقيا، إذ تقدر بنحو 48 مليار برميل، بينما سجل الإنتاج خلال الأشهر الأخيرة أعلى مستوياته منذ سنوات، متجاوزا 1.4 مليون برميل يوميا وفق تقديرات رسمية.
هل تفك العقدة الليبية؟
ورغم الاتفاق على الميزانية الموحدة بوساطة أميركية عن طريق مسعد بولس، لا تزال مؤسسات ليبيا الرئيسية منقسمة بين الشرق والغرب، بما في ذلك الأجهزة الأمنية والعسكرية والمالية.
كما أن التعاون العسكري الذي ظهر خلال مناورات "فلينتلوك" الأخيرة بقيادة أميركية عن طريق "أفريكوم"، لم ينعكس على الأرض في شكل خطوات فعلية نحو توحيد المؤسسة العسكرية.
وتقول تقديرات دبلوماسية إن القوى الدولية، باتت تميل إلى دعم ترتيبات تقوم على تقاسم النفوذ بين العائلات والقوى المسلحة المهيمنة، بدل الرهان على انتقال ديمقراطي شامل في المدى القريب.
ويعارض هذا التوجه المحلل محمد غميم باعتبار أن شريحة واسعة من الليبيين تفضل المسار الأممي الدولي، لأنه في نظره "يتمتع بنوع من الثقة داخل الأوساط السياسية الليبية".
ويضيف غميم في تصريحه لـ"المشهد": "تفاصيل بنود البعثة الأممية واضحة، ومهام عملها ونطاقها أيضا، صحيح أنها تضم ممثلين عن قوى الأمر الواقع، ولكنها أيضا تضم ممثلين عن أجسام منتخبة"، في إشارة إلى مجلسي النواب والدولة.
ويعزز هذا التوجه اقتناع قطاعات واسعة من الليبيين بأن الأولوية لدى الأطراف الخارجية باتت مرتبطة بضمان استقرار إنتاج النفط، وتأمين المصالح الاقتصادية والأمنية، أكثر من الدفع نحو تسوية سياسية كاملة.
ويضيف المحلل السياسي "مبدئيا هناك قبول من الطرفين، على عكس صفقة بولس التي رفضها حتى بعض أبناء حفتر وبعض مدن الغرب الليبي مثل مصراتة، التي أعلنت عن موقفها ونسفت السقف التفاوضي الذي كان الدبيبة يتمناه، باعتبار المدينة التي ينتمي إليها، ستقف معه في هذه الصفقة".
وحاليا، يؤكد غنيم "هناك حالة هيجان من تيار يقوده مفتي طرابلس الصادق الغرياني المتشدد، وهو رافض لأي حل سياسي، ولا يملك أي مشروع مستغلا نفوده في المجلس الأعلى للدولة الذي بدوره يحاول العرقلة والفوضى، ولكنه في الأخير سينصاع لمجريات الأحداث، بعد أن يفقد ثقله السياسي، كما حصل في الحوارات السابقة".
(المشهد)