في ظل تواصل الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة، جدّد وزير الخارجية الإيراني رفض طهران لحل الدولتين في تكرار لموقف بلاده الرافض للخيار، الذي بات أكثر تداولاً مؤخّراً من قبل العديد من الجهات الدولية، فضلاً عن كونه ركيزة المبادرات العربية المتتالية لحل المسألة الفلسطينية.
وقال أمير عبد اللهيان أمس الاثنين في تصريحات تناقلتها وسائل إعلام إيرانية "إن الشيء الوحيد الذي يجمع إيران وإسرائيل هو أنهما لا يؤمنان بحل الدولتين"، مكرراً المقترح الإيراني لإجراء استفتاء لتحديد مصير فلسطين مع السماح فقط لأحفاد أولئك الذين عاشوا هناك قبل عام 1948 بالتصويت.
انقسام إيراني حيال الموقف الرسمي من الملف الفلسطيني
كلام عبد الليهان جاء متطابقاً لما قاله الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي خلال كلمته في القمة العربية الإسلامية بالرياض يوم 11 نوفمبر الماضي الذي دعا إلى "إقامة دولة فلسطينية موحّدة من البحر إلى النهر وفق مبادئ الديمقراطية" "كحل للقضية الفلسطينية".
يقول المحلل والكاتب الإيراني وجدان عبد الرحمن في تصريح خاص إلى منصة "المشهد" إن كلام عبد اللهيان "ليس بالجديد، فهو يمتد إلى اتفاقيات أوسلو، عندما رفضت إيران الاتفاق حينها، وكذلك رفضه اليمين الإسرائيلي المتطرف، وقتل عرّابه إسحاق رابين آنذاك".
وينقسم الإيرانيون في الرأي حول سياسات بلادهم اتّجاه قضايا الشرق الأوسط وعلى رأسها الملف الفلسطيني بين رافض لانخراط طهران الواسع فيها ومؤيد لهذا الدور.
ويرى عبد الرحمن أن كلاً من طهران وتل أبيب تلتقيان في نقطة عدم الرغبة في السلام "فاليمين المتطرف في إسرائيل يريد السيطرة على الضفة الغربية وغزّة، لذا فلن نشهد أي استقرار اليوم بسبب توجه اليمين المتطرف، الذي دعا إلى تجنبه أقرب الحلفاء إلى إسرائيل، وعلى النقيض من ذلك تريد إيران أن تسيطر على كل الأراضي الفلسطينية، وهي تعرف تماما أن هذا الأمر يعد مستحيلاً اليوم، لكن من خلال هذا التصريح لا تريد أن يكون هناك أي استقرار في المنطقة".
وكدليل على ما ذهب إليه يستشهد عبد الرحمن بقول المرشد الإيراني بأنه "حتى إذا وافق الفلسطينيون على حل الدولتين، نحن لن نوافق، وسنسعى على القضاء على إسرائيل"، مشيراً إلى أن "تصريحات وزير الخارجية الإيراني تأتي في هذا الإطار، في ظل وجود تحرك غربي لحل الدولتين بعد حرب غزة".
منتقدو رفض حلّ الدولتين
يصف منتقدو رفض حل الدولتين سياسات بلادهم بشكل من أشكال "الملكية أكثر من الملك" متّهمين طهران بالمزايدة على الفلسطينيين والدول العربية في مواقفها المتشددة، خصوصا تلك المتعلّقة بخطاب القضاء على إسرائيل.
بالمقابل، يدافع المؤيدون عن المواقف الرسمية الإيرانية بالتركيز على السياسات الإسرائيلية ومن خلفها الدول الغربية الداعمة لتل أبيب تّجاه إيران، بالإضافة إلى "الحرب الصامتة" التي تخوضها هذه الدول ضد إيران من خلال تنفيذ عمليات اغتيال واستهدافات لعلماء برنامجها النووي والشخصيات العسكرية والاستخباراتية الإيرانية، أبرزها اغتيال قائد "فيلق القدس" السابق الجنرال قاسم سليماني.
مع اشتداد القصف الإسرائيلي على غزة والذي خلّف حتى الساعة أكثر من 18000 قتيل فلسطيني وفق أرقام وزارة الصحّة التابعة "لحماس"، بدأت الأصوات ترتفع أكثر مطالبة بإحياء حل الدولتين والذي يقوم على إقامة دولة فلسطينية، إلى جانب الإسرائيلية القائمة، وذلك ضمن حدود عام 1967 والتي تضم الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.
خريطة طريق حل الدولتين المدعومة من قبل المبادرة العربية والمنصوص عليها في معظم بيانات القمم الإسلامية تلقى تأييداً دولياً وصادقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948 ما يسبب بالمزيد من الضغوطات على تل أبيب التي استشاطت غضباً مؤخّراً من دعوة رئيس الحكومة الإسباني بيدرو سانشيز لإقامة دولة فلسطينية والاعتراف بها، حيث قامت الخارجية الإسرائيلية باستدعاء السفير الإسباني في تل أبيب للاحتجاج.
البراغماتية الإيرانية في سياساتها الفلسطينية
نجحت طهران في العقود الأخيرة في نسج تحالفات وإنشاء شبكة من العلاقات السياسية والعسكرية مع دول ومنظّمات إقليمية أدت إلى زيادة دورها المحوري في الملف الفلسطيني على الرغم من البعد الجغرافي وعدم وجود حدود مشتركة لها.
ويرى عبد الرحمن أنه "على الرغم من التصريحات التي أعلنتها إيران على لسان كبار قادتها من المرشد الإيراني إلى الرئيس الإيراني ووزير الخارجية وقادات الحرس الثوري الإيراني بأنهم لا دخل لهم في حرب غزة، وليس لديهم علم بما حصل بيوم 7 أكتوبر، لكن دون أدنى شك تحقيقات أجهزة المخابرات الدولية والوقائع تثبت بأن إيران لديها علاقة وطيدة ومتينة مع "حماس" وليس فقط "حماس" إنما "الجهاد الإسلامي" وباقي الفصائل الفلسطينية في قطاع غزة".
لطالما شددّت طهران على علاقتها الخاصة مع "الجهاد الإسلامي" و"حماس" التي، وإن اصطدمت معها في الساحة السورية، إلا أنها نجحت في الحفاظ على استمرارية هذه العلاقة ببراغماتيّتها التقليدية، مواصلة دعمها للحركة مالياً وعسكرياً، وهو ما لم تنفه "حماس" وأقرّت به في العديد من المناسبات شاكرة طهران على ذلك.
وبحسب عبد الرحمن "إيران من خلف الإعلام تنسق أيضاً مع قادة الفصائل الفلسطينية الأخرى وتعطيهم وعود الوقوف إلى جانبهم، وهذا ما نشهده فعلياً من خلال تحريك بعض الفصائل المناوشات حتى وإن كانت محدودة من جنوب لبنان ومن اليمن ومن سوريا وحتى من داخل العراق، وهذا يؤكد بأن هناك تواصلا قويا ومتينا بين إيران و"حماس" وبكل تأكيد الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية وإسرائيل يعرفون ذلك، ولديهم أدلة ولكنهم يحاولون عدم استفزاز إيران في الوقت الحاضر"، خصوصا في ظل محاولتهم القضاء على "حماس".
ويختم حديثه إلى منصة "المشهد" بالقول إن "إيران معروفة بالبراغماتية، ولديها قدرة كبيرة في التراجع عند الضغوط. عندما وجدت ردود فعل الدول الغربية حادة، تغيرت التصريحات الإيرانية من دعم "حماس" إلى النفي، رغم ذلك إيران متورطة بشكل كبير في حرب غزة لأنه وفقا لرئيس بلدية طهران كان هو شخصيا يشرف على حفر الأنفاق في غزة، أما بالنسبة للتصريحات الأخرى فهي تحاول ألا تتورط بشكل مباشر مع الدول الغربية بحرب شاملة لكي لا تتسبب بالمزيد من العقوبات أو الانتقام الغربي".
على الرغم من تأكيد إيران على تمسّكها بحل الاستفتاء الذي يتوافق مع حق تقرير المصير المنصوص عليه في القوانين الدولية وميثاق الأمم المتّحدة، إلا أنه من المستبعد أن يجد المقترح الإيراني تأييداً عربياً أو دولياً وذلك لتعارضه مع قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة ومقررات وتوجّهات القمم والمبادرات العربية والإسلامية والدولية على حد سواء.
(المشهد)