مشروع رفح التجريبي.. هل يرسم ملامح اليوم التالي للحرب في غزة؟

آخر تحديث:

شاركنا:
مجلس السلام يقترح مشروع منطقة إنسانية في غزة (رويترز)
هايلايت
  • تتزايد الطروحات الدولية بشأن ترتيبات اليوم التالي بغزة منها "المنطقة الإنسانية".
  • يمثل المقترح نموذجًا إسرائيليًا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب.
  • مراقبون: أي تصعيد عسكري جديد سيرتبط بالحسابات السياسية لنتانياهو

في ظل تعثر المساعي السياسية لإنهاء الحرب في قطاع غزة، تتزايد الطروحات الدولية بشأن ترتيبات اليوم التالي، ومن بينها مقترح إنشاء "منطقة إنسانية تجريبية" في مدينة رفح بإدارة فلسطينية وحماية دولية.

الأزمة الإنسانية

وبينما يُقدَّم المشروع باعتباره آلية لتخفيف الأزمة الإنسانية وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار، فإنه يثير، في المقابل، مخاوف من أن يتحول إلى فرصة لإعادة رسم الواقع الجغرافي والسياسي للقطاع، بما يكرس الانقسام ويؤجل التوصل إلى تسوية شاملة، بحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد".

وترى المصادر ذاتها، أن المشروع قد يمثل نموذجًا إسرائيليًا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب عبر إنشاء مناطق تخضع لتدقيق أمني وإدارة منفصلة، بما يعيد رسم خريطة القطاع ميدانيًا، مع احتمال توسيع هذا النموذج مستقبلًا.

حسابات الحرب

وقد ألمحّت المصادر إلى أن أي تصعيد عسكري جديد ومحتمل، قد يرتبط بالحسابات السياسية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قبيل الانتخابات، لكن قرار العودة للحرب سيظل مرهونًا أيضًا بتقديرات المؤسسة الأمنية والعسكرية، مع الأخذ في الاعتبار الضغوط الدولية والتداعيات الإنسانية والدبلوماسية التي قد تترتب على أي عملية عسكرية جديدة.

وكان مسؤولًا في مجلس السلام، الذي دشنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد كشف، مؤخرًا، عن نيّة لإقامة منطقة في جنوب القطاع "إنسانية" و"تجريبية"، بغية استيعاب عشرات آلاف المدنيين الفلسطينيين بعد إجراءات تدقيق أمني.

وقال المسؤول إن هذه المنطقة المزمع بناؤها، ستكون بمثابة "نقطة انطلاق" للجنة الفلسطينية التكنوقراطية التي من المقرر اضطلاعها بمسؤولية إدارة شؤون الحياة اليومية، في غزة، خلال المرحلة الانتقالية لما بعد الحرب، وذلك بموجب خطة الرئيس الأميركي التي تم التوصل لها في مدينة شرم الشيخ المصرية، والمؤلفة من 20 بندًا.

وتابع المسؤول الذي فضل عدم كشف هويته لـ"رويترز": "هناك مشروع تجريبي ندرسه بشكل خاص، ربما يتيح للجنة الوطنية لإدارة غزة نقطة انطلاق، ويمكن أن يسمح لعشرات الآلاف بالانتقال طوعًا إلى هذه المنطقة إن رغبوا. من ثم يبدأ منحهم مساحة يمارسون فيها إدارة فعلية، وتتولى اللجنة شؤون الإدارة".

من المتوقع أن تقع عملية تأمين المنطقة المفترض تشكيلها في رفح بجنوب غزة، على عاتق قوات متعددة الجنسيات تابعة لقوة الاستقرار الدولية، وهي هيئة ناشئة تعمل ضمن إطار "مجلس السلام".

الجوانب الإيجابية

وفي حديثه لـ"المشهد"، قال القيادي في حركة فتح المستشار زيد الأيوبي، إن المقترح المتداول بشأن إقامة منطقة "إنسانية تجريبية" في جنوب غزة، تحديدًا في مدينة رفح، قد يحمل بعض الجوانب الإيجابية من حيث توفير قدر من الاستقرار الإنساني، لكنه ينطوي، في الآن ذاته، على مخاطر سياسية، قد تفضي إلى تكريس واقع تقسيمي دائم داخل القطاع.

وأوضح الأيوبي أن المشروع يقوم على إنشاء منطقة إنسانية تستوعب عشرات الآلاف من سكان غزة بعد إخضاعهم لتدقيق أمني، على أن تتولى لجنة تكنوقراط فلسطينية إدارتها، بينما تتولى قوة متعددة الجنسيات تابعة لقوة الاستقرار الدولية المنبثقة عن "مجلس السلام" مسؤولية حفظ الأمن فيها.

وأضاف أن طرح هذا المشروع يأتي بعد تعثر جميع الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب في غزة، بفعل تمسك طرفي الصراع، إسرائيل وحركة "حماس"، بمواقفهما، إذ إن إسرائيل تصر على البقاء داخل القطاع، فيما تتمسك "حماس" بالاحتفاظ بسلاحها، وهو ما يعطل أي مسار حقيقي لإحلال السلام.

وفي حين ألمح المستشار زيد الأيوبي إلى إيجابيات المقترح بأنه قد يسهم في توفير قدر من الاستقرار، ولو في نطاق جغرافي محدود، بما يسمح بإيصال المساعدات الإنسانية وتهيئة الظروف لبدء عمليات إعادة الإعمار، بعيدًا عن التجاذبات العسكرية والسياسية.

لكنه حذر، في المقابل، من غياب الضمانات التي تكفل بقاء هذه المنطقة "حلًا مؤقتًا"، معتبرًا أن التخوف يكمن في تحولها إلى واقع دائم يحل محل أي تسوية سياسية شاملة للقضية الفلسطينية أو للحرب الدائرة في قطاع غزة.

3 مناطق نفوذ

وأضاف أن المشروع قد يفتح الباب أمام تقسيم القطاع لـ3 مناطق نفوذ:

  • الأولى: منطقة تديرها لجنة التكنوقراط تحت إشراف مجلس السلام.
  • الثانية: منطقة تبقى خاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
  • الثالثة: منطقة تحت سيطرة حركة "حماس"، الأمر الذي قد يكرس انقسامًا جغرافيًا وسياسيًا جديدًا داخل غزة، يتجاوز الانقسام القائم بين الضفة الغربية والقطاع.

وشدد القيادي بحركة فتح على ضرورة توفير ضمانات دولية واضحة تحول دون تحول أي ترتيبات انتقالية إلى حلول دائمة، مؤكدًا أن المطلوب هو إجراءات مؤقتة تمهد لتسوية سياسية شاملة، لا أن تصبح بديلًا عنها.

ورأى أن استمرار التعنت الإسرائيلي، إلى جانب إصرار حركة "حماس" على الاحتفاظ بالسلاح خارج إطار مؤسسات الدولة، يعرقلان الوصول إلى حل سياسي مستدام.

وقد أكد أن الشعب الفلسطيني لا يبحث عن حلول مؤقتة أو ترتيبات انتقالية مفتوحة، وإنما يتطلع إلى سلام دائم يقوم على إقامة دولة فلسطينية موحدة ومتصلة جغرافيًا، تُدار من خلال سلطة واحدة، ومؤسسات دولة واحدة، وسلاح شرعي واحد.

فيما دعا الأيوبي المجتمع الدولي الاضطلاع بمسؤولياته وممارسة ضغوط حقيقية على كل من إسرائيل وحركة "حماس"، من أجل وقف الحرب وإنقاذ المدنيين في قطاع غزة، الذين قال إنهم يدفعون ثمن سياسات ومشاريع الأطراف المتصارعة.

أبعد من كونه إجراءً إنسانيًا

عليه، يمكن النظر إلى هذه الخطوة باعتبارها جزءًا من تصور إسرائيلي جديد لإدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد العمليات العسكرية، وليس مجرد إجراء إنساني بحت؛ حيث إن إقامة منطقة إنسانية مغلقة تخضع لإجراءات تدقيق أمني تعكس محاولة للفصل بين السكان المدنيين والعناصر المسلحة، بما يسمح لإسرائيل بالتحرك عسكريًا في بقية مناطق القطاع مع تقليل الضغوط الدولية المرتبطة بسقوط ضحايا مدنيين، بحسب مدير المركز العربي للبحوث والدراسات الدكتور هاني سليمان.

وعليه، فإن البعد الأمني يبدو حاضرًا بقوة إلى جانب البعد الإنساني المعلن، وفق ما يشير سليمان لـ"المشهد"، لافتًا إلى أن فكرة "المنطقة التجريبية" توحي بأن إسرائيل تسعى لاختبار نموذج جديد لإدارة السكان داخل غزة، يعتمد على إنشاء مناطق محددة يتم إدخال المدنيين إليها بعد عمليات تحقق أمني، مع تقديم المساعدات والخدمات داخلها.

وتابع: "إذا نجح هذا النموذج من وجهة النظر الإسرائيلية، فقد يتم توسيعه ليشمل مناطق أخرى داخل القطاع، بما يخلق واقعًا ميدانيًا جديدًا يختلف عن الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب".

أبعاد سياسية

فيما يوضح مدير المركز العربي للبحوث والدراسات إلى أن هذه الخطوة تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الجانب الإنساني، إذ قد تُستخدَم كورقة لإظهار وجود بديل لإدارة غزة في مرحلة ما بعد الحرب، خصوصًا في ظل النقاشات الدولية حول مستقبل القطاع.

في المقابل، تثير هذه الخطة مخاوف من أن تؤدي إلى إعادة توزيع السكان داخل القطاع بصورة قد تتحول إلى واقع طويل الأمد، وهو ما يفسر الجدل الواسع الذي أثارته منذ الإعلان عنها.

وفي ما يخص فرص عودة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى الحرب مجددًا قبل الانتخابات، يقول سليمان: "بالتأكيد يبقى هذا الاحتمال قائمًا بشدة في ظل تراجع أسهم وفرص نتانياهو، لكنه يرتبط بمجموعة من الحسابات السياسية والعسكرية والأمنية المعقدة. فمن المعروف أن القضايا الأمنية تحتل مكانة محورية في الساحة السياسية الإسرائيلية، وأي تصعيد عسكري كبير قد يؤثر في المزاج الانتخابي إذا نجحت الحكومة في إقناع الرأي العام بأنها حققت إنجازات أمنية ملموسة".

لذلك؛ لا يمكن استبعاد أن يحاول نتانياهو استثمار أي تطور ميداني إذا رأى أنه قد يعزز صورته كقائد قادر على إدارة الملفات الأمنية، لكن، في المقابل، والحديث للمصدر ذاته، فإن العودة إلى حرب واسعة النطاق تحمل مخاطر كبيرة أيضًا، حيث إنه في حال لم تحقق العملية العسكرية أهدافًا واضحة أو أدت إلى خسائر بشرية كبيرة في صفوف الجيش الإسرائيلي، فقد تنعكس نتائجها سلبًا على الحكومة وتزيد من الانتقادات الداخلية.

(المشهد)